كشفت أرقام حصرية نشرتها صحيفة إندبندنت البريطانية أن أزمة المخدرات في سجون إنجلترا وويلز لم تعد خللا أمنيا عابرا، بل تحولت إلى أزمة موت داخل مؤسسات يفترض أن تكون خاضعة لرقابة الدولة.
وتقول الصحيفة إنه سُجلت 48 حالة وفاة مرتبطة بتعاطي المخدرات في العام المنتهي في مارس/آذار 2025، مقارنة بحالتين فقط في العام المنتهي في مارس/آذار 2010، بزيادة بلغت 2300% خلال 15 عاماً، فيما تضاعف العدد تقريبًا خلال عام واحد.
ولا يعكس هذا الرقم اتساع التعاطي وحده، بل تغير طبيعة السوق داخل السجون، إذ حذر كبير مفتشي السجون تشارلي تايلور من أن تجار المخدرات باتوا يعملون "بلا عقاب"، مستفيدين من الاكتظاظ وضعف السيطرة وتصاعد تهريب المواد الاصطناعية القاتلة.
وقال إن الحكومة أبطأت في الرد، بما سمح لعصابات منظمة بأن تتعامل مع بعض السجون كأنها سوق جديدة مفتوحة.
وتوضح إندبندنت أن طرق التهريب تغيرت جذريا، ففي السابق، كانت كميات صغيرة من الممنوعات تُلقى فوق الأسوار أو تُمرر عبر الزيارات أو موظفين فاسدين، أما اليوم فقد أحدثت الطائرات المسيّرة -وفق تايلور- "تحولاً نموذجياً" في توافر المخدرات، إذ يستطيع بعضها إيصال حمولات تصل إلى 11 كيلوغراماً دفعة واحدة.
وهذا التحول جعل بعض السجناء قادرين -بحسب التقرير- على الاختيار من "قائمة" مواد خطرة، ورفع احتمالات دخول مخدرات اصطناعية أشد فتكاً. وحذر تايلور من أن تهريب الأسلحة أيضًا، إلى جانب المخدرات، قد يتحول إلى تهديد أوسع للأمن الوطني، خصوصًا إذا وصلت هذه المواد إلى سجناء شديدي الخطورة أو مدانين بقضايا إرهاب.
ودعا كبير المفتشين إلى استجابة وطنية أكثر حزمًا، تشمل إدارة التجار المعروفين داخل السجون بصرامة، وعزلهم عن بقية السجناء عند الضرورة، والتعاون مع وزارة الدفاع للتصدي للطائرات المسيّرة، غير أن المقاربة الأمنية -على إلحاحها- لا تفسر وحدها عمق الأزمة ولا تكفي لاحتوائها.
تمنح شهادات العائلات في تقرير إندبندنت معنى إنسانيا للرقم القياسي، فبيث لودلو فقدت والدها سايمون، البالغ 51 عاماً، بعدما عُثر عليه غير مستجيب في زنزانته بسجن "ذا ماونت" في هيرتفوردشير. وخلص التحقيق إلى أن وفاته في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 نجمت عن سمّية "بروتونيتازين"، وهو أفيون اصطناعي شديد الخطورة، وأن دخول المخدرات إلى السجن ساهم على الأرجح في موته.
وفي حديثها مع الصحيفة، قالت الابنة إن والدها لم يمت في شجار أو حادث عنيف، بل لأن مخدرات دخلت إلى سجن كان يفترض أن يكون تحت السيطرة، وأضافت أنه لا يصلح للأسر أن تعيش في حالة قلق دائم حيال ما إذا كان أحباؤها سيخرجون من السجن أحياء. وتكشف قصتها إخفاقات أعمق؛ إذ لم تُبلّغ الأسرة بانتكاسة والدها قبل وفاته، كما لم تُفتش زنزانته تفتيشا كافيا بعد عودته من المستشفى إثر جرعة زائدة مشتبه بها.
وفي حالة أخرى توثقها الصحيفة، توفي إيدي هاندز، البالغ 42 عاماً، بعد تعاطيه الميثادون بصورة غير مشروعة أثناء حبسه احتياطيًا في سجن بيدفورد. وخلص التحقيق إلى أن الإهمال ساهم في وفاته، وأن التدخل كان يمكن أن ينقذ حياته. فقد ظهرت عليه علامات تأثر بالمخدر، لكن الفحوص التي تتم كل نصف ساعة لم تُنفذ كما ينبغي، وتُترك ساعات قبل العثور عليه فاقدًا للاستجابة.
من جهة أخرى، توضح إحاطة صادرة عن أكاديمية العلوم الاجتماعية في المملكة المتحدة أن أزمة المخدرات داخل السجون لا تنفصل عن سياق عالمي أوسع: ارتفاع إنتاج الكوكايين، وتوسع أسواق المخدرات، وتصاعد خطر المواد النفسية الجديدة. وتشير الإحاطة إلى رصد أكثر من 1200 مادة نفسية جديدة منذ عام 1995، وأن النيتازينات، وهي أفيونات اصطناعية قد تكون أشد فتكاً من الفنتانيل، تمثل تحديًا جديدًا للصحة العامة والسجون معًا.
وفي إنجلترا وويلز، تقول الإحاطة إن نحو نصف نزلاء السجون يتلقون شكلًا من أشكال العلاج المرتبط بإساءة استخدام المواد، ما يكشف حجم العبء الواقع على إدارة السجون والخدمات الصحية. كما تربط ارتفاع الوفيات بتدهور البيئة السجنية، وقلة النشاط الهادف، والظروف التي تجعل المخدرات وسيلة هروب أو تكيف داخل مؤسسات مكتظة وفقيرة التأهيل.
وهنا يبرز الخلاف بين من يرى الأزمة أمنية أولًا، ومن يعدّها أزمة صحة عامة وبيئة سجنية. فبينما يركز الخط الرسمي على منع دخول المخدرات، تقول منظمة "إنكويست" الخيرية – والتي تساعد أسر حالات الوفاة المرتبطة بأجهزة الدولة – إن زيادة الأمن وحدها لن تحمي السجناء إذا بقيت الظروف نفسها قائمة: ساعات طويلة داخل الزنازين، وبيئات مهينة، وضعف في علاج الإدمان.
وبحسب إندبندنت، سبق للجنة العدل في البرلمان التحذير أن تعاطي المخدرات في السجون بلغ مستويات "متفشية"، ودعت إلى إصلاحات تشمل اختبار مياه الصرف لرصد استخدام المخدرات، وأنظمة مضادة للطائرات المسيّرة، واستثمارًا أفضل في علاج الإدمان. كما كشفت أن 11% من الرجال و19% من النساء قالوا إنهم طوروا مشكلة تعاطي منذ دخولهم السجن.
وتذهب إحاطة أكاديمية العلوم الاجتماعية في الاتجاه نفسه؛ إذ ترى أن السياسات الفعالة لا تقوم على "الحرب على المخدرات" وحدها، بل على تقليل الضرر، وتحسين العلاج، وربط الرعاية الصحية داخل السجون بمعايير الرعاية في المجتمع الخارجي. كما توصي بتحويل السجناء السلميين ممن يعانون اعتمادًا مزمنًا على المخدرات إلى خدمات علاج مجتمعية، وتحسين البيئة العامة داخل السجون بما يقلل الطلب على المخدرات لا العرض وحده.
أما وزارة العدل البريطانية فتقول إنها تستثمر أكثر من 40 مليون جنيه إسترليني (نحو 51 مليون دولار) في إجراءات أمنية مادية لقطع تدفق المخدرات إلى السجون، وتعمل مع شركاء الرعاية الصحية لمساعدة السجناء على تجاوز الإدمان.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة