آخر الأخبار

إسبانيا تناطح ألمانيا.. كيف تغيرت خريطة اللجوء في أوروبا؟

شارك

لم يكن اللجوء يوما خيار رفاهية أو ترف، بل هو نابع من غريزة البقاء التي تدفع الإنسان للفرار من واقع بائس تخيّم عليه أشباح الجوع والخوف، بحثا عن واقع أفضل معيشة وأكثر أمنا.

فعندما تتحول الأوطان إلى مسارح للحروب، أو سجون مفتوحة للاضطهاد، أو أراضٍ قاحلة تطرد أبناءها، يصبح الفرار نحو المجهول هو الرهان الوحيد لإنقاذ الحياة.

وطوال العقود الماضية، كانت القارة الأوروبية قبلة رئيسية لهؤلاء الفارين، ليس فقط لقربها الجغرافي، بل لصورتها الذهنية كواحة لحقوق الإنسان والحريات.

ورغم تشديد القوانين الحدودية، وارتفاع الخطاب المناهض للهجرة في عدد من الدول الأوروبية، ما تزال القارة العجوز واحدة من أكبر وجهات طالبي اللجوء في العالم، فكما أنهم يحتاجونها فهي تحتاجهم بالنظر إلى الأزمة السكانية التي تمر بها وتهدد مستقبلها.

ولذلك، لم يعد استقبال اللاجئين في أوروبا قضية إنسانية فقط، بل تحول إلى ملف سياسي واقتصادي شديد الحساسية. فبينما تحتاج معظم دولها للمهاجرين لتعويض نقص العمالة وتمويل اقتصادات تعاني الشيخوخة، تتزايد في المقابل المخاوف من الضغوط الاجتماعية وصعود التيارات اليمينية الرافضة للهجرة.

وفي خضم هذا الجدل، تكشف أحدث البيانات صورة أكثر تعقيدا عن خريطة اللجوء إلى دول الاتحاد الأوروبي الـ27، سواء من حيث الدول الأكثر استقبالا، أو الجنسيات الأكثر طلبا للحماية، أو حتى نسبة اللاجئين قياسا بعدد السكان.

من هم اللاجئون؟

التقرير الأحدث صدر الشهر الماضي عن مؤسسة روكوول برلين وهي مؤسسة بحثية مهمة في ألمانيا، وعرضنا لكم في تقرير سابق ما تناوله بشأن المهاجرين بشكل عام، بينما نركز في هذا الموضوع على اللاجئين.

قبل الخوض في التفاصيل، من المهم تحديد المفاهيم، فالمقصود باللاجئين هم الأفراد المعترف بهم بموجب اتفاقية عام 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين، وبروتوكولها لعام 1967، واتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية لعام 1969 التي تحكم الجوانب الخاصة بمشاكل اللاجئين في أفريقيا، وتعريف اللاجئ الوارد في إعلان كارتاخينا بكولومبيا عام 1984 بشأن اللاجئين كما هو مدمج في القوانين الوطنية، والأفراد المعترف بهم وفقًا لنظام المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والأفراد الممنوحين أشكالا تكميلية من الحماية، والأفراد الذين يتمتعون بحماية مؤقتة.

إعلان

كما يشمل اللاجئون الأشخاص الذين يعيشون في أوضاع شبيهة بأوضاع اللاجئين، بما في ذلك النازحون من أوكرانيا الذين يستفيدون من الحماية المؤقتة في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

أما تقرير روكوول برلين فهو يستند إلى أرقام صادرة عن المكتب الإحصائي للاتحاد الأوروبي المعروف اختصارا باسم يوروستات ومقره لوكسمبورغ، وكذلك إلى بيانات صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

في البداية يخبرنا التقرير بأن إجمالي طلبات اللجوء في الاتحاد الأوروبي وصل بختام عام 2025 إلى 669,365 طلبا، بانخفاض قدره 26.6% مقارنةً بعام 2024.

مصدر الصورة (الجزيرة)

أين تتركز طلبات اللجوء؟

وفي التفاصيل، يشير التقرير إلى أن طلبات اللجوء في الاتحاد الأوروبي تتركز بشكل كبير في عدد قليل من الدول. ومع ذلك، يكمن وراء هذا التركيز تنوع ملحوظ في أصول المتقدمين، مما يعكس مسارات هجرة متعددة إلى أوروبا.

أكبر الدول من حيث تلقي طلبات اللجوء:


* إسبانيا: نحو 141 ألف طلب
* إيطاليا: نحو 127 ألف طلب
* فرنسا: نحو 116 ألف طلب
* ألمانيا: نحو 113 ألف طلب

هذه الدول الأربع مجتمعةً تلقت ما يقارب 74% من إجمالي طلبات اللجوء في الاتحاد الأوروبي، وتأتي بعدها الدول التالية:


* اليونان: نحو 55 ألف طلب
* بلجيكا: نحو 27.5 ألف طلب
* هولندا: نحو 24 ألف طلب
* أيرلندا: نحو 13 ألف طلب
* النمسا: نحو 12 ألف طلب
* بولندا: نحو 11 ألف طلب

أما بقية الدول فيقل عدد طلبات اللجوء إلى كل منها عن 10 آلاف طلب وهي على التوالي:
السويد وسلوفينيا وبلغاريا وقبرص وفنلندا والدنمارك ولوكسمبورغ والبرتغال ولاتفيا ورومانيا وإستونيا والتشيك وكرواتيا ومالطا وليتوانيا وسلوفاكيا والمجر.

مصدر الصورة عمال إنقاذ تابعون لمنظمة إسبانية غير حكومية يحاولون إنقاذ لاجئين في البحر المتوسط (أسوشيتد برس-أرشيف)

الدول التي ينتمي إليها طالبو اللجوء

رغم تركز طلبات اللجوء في الاتحاد الأوروبي في مجموعة صغيرة من الدول، فإن الإحصائيات توضح أن هؤلاء اللاجئين ينتمون إلى مجموعة أكبر من الدول، وتميل كل جنسية إلى التركيز على بلدان معينة.

ولننظر في هذا الصدد مثلا إلى الدول الأربع الكبرى في استقبال طلبات اللجوء وهي إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا، وهي تستقبل مجتمعة ما يقرب من 65% من إجمالي طلبات اللجوء المقدمة في المرحلة الأولى في كل دولة عام 2025.

ألمانيا: تأتي أكثر الطلبات كالتالي:
أفغانستان: 21%
سوريا: 21%
تركيا: 11%
الصومال: 4%
العراق: 3%
روسيا: 3%
إريتريا: 2%
أما الـ 35% المتبقية فتتوزع على بقية دول العالم.

إسبانيا:
فنزويلا: 60%
مالي 11%
وتتقاسم بقية الدول النسبة المتبقية وقدرها 29%

إيطاليا، تتميز بتنوع أكبر في قائمة اللاجئين:
بنغلاديش: 22%
بيرو: 12%
مصر: 9%
باكستان: 8%
المغرب: 7%
الهند: 6%
تونس: 4%
وتتقاسم بقية الدول نسبة 33%

فرنسا تتميز بالتنوع هي الأخرى:
أوكرانيا: 10%
الكونغو: 10%
أفغانستان: 10%
هايتي: 6%
السودان: 5%
غينيا: 5%
كوت ديفوار: 4%
تركيا: 4%

وبعد ذلك تأتي بنغلاديش وجورجيا وأنغولا والصومال بنسبة 3% لكل منهم، ثم الصين بنسبة 2%، في حين تتوزع النسبة المتبقية وهي 34% على بقية دول العالم.

مصدر الصورة اللجوء إلى دول الاتحاد الأوروبي (الجزيرة)

الأعداد الإجمالية

الآن نذهب إلى زاوية أخرى للموضوع، وهي إجمالي أعداد اللاجئين الذين تستضيفهم دول الاتحاد الأوروبي وذلك وفقا لإحصائيات عام 2025

إعلان

* ألمانيا: 2.7 مليون لاجئ
* بولندا: 1.01 مليون لاجئ
* فرنسا: نحو 751 ألف لاجئ
* إسبانيا: 471 ألف لاجئ
* جمهورية التشيك: 381 ألف لاجئ
* إيطاليا: 314 ألف لاجئ
* النمسا: 281 ألف لاجئ
* هولندا: 263 ألف لاجئ

وبعد ذلك تأتي رومانيا ثم بلجيكا والسويد وسلوفاكيا وأيرلندا واليونان وبلغاريا على التوالي، وكلها يتراوح عدد اللاجئين فيها بين 100 و200 ألف.
أما دون المئة ألف لاجئ فتأتي على التوالي فنلندا ثم الدنمارك ثم المجر ثم البرتغال ثم ليتوانيا ودون الخمسين ألف لاجئ، تأتي قبرص وإستونيا ولاتفيا وكرواتيا وسلوفينيا ولوكسمبورغ ومالطا.

النسبة إلى عدد السكان

هذا عن الأعداد الإجمالية، لكن الأمر يختلف كثيرا عندما نتحدث عن نسبة عدد اللاجئين إلى عدد سكان كل دولة، حيث تظهر هنا دول أخرى، باستثناء ألمانيا التي تظهر في المراكز الأولى سواء ما يتعلق بعدد اللاجئين أو بنسبتهم إلى السكان.

وفيما يلي الترتيب:
قبرص: 4.8%
التشيك: 3.5%
ألمانيا: 3.2%
النمسا: 3.1%
إستونيا: 3%

ثم تأتي بعد ذلك بولندا وسلوفاكيا وأيرلندا بنسب أقل من 3% ، ثم ليتوانيا ولاتفيا وفنلندا وبلغاريا وبلجيكا ومالطا ولوكسمبورغ والسويد والدنمارك وهولندا واليونان وفرنسا ورومانيا وإسبانيا بنسب أقل من 2%، وأخيرا تأتي المجر وكرواتيا والبرتغال وسلوفينيا وإيطاليا بنسبة تقل عن 1% من السكان.

ومن المهم الإشارة إلى أن بريطانيا باتت بالطبع خارج الاتحاد الأوروبي منذ بداية 2020، علما بأن بيانات رسمية أشارت إلى أن عدد طالبي اللجوء هناك وصل إلى أكثر من 100 ألف شخص خلال العام الماضي 2025، وذلك بتراجع نسبته 4% عن العام السابق.

تعديلات كبيرة

الجدير بالذكر أن الاتحاد الأوروبي أجرى يومي الأربعاء والخميس الماضيين محادثات بشأن تعديلات كبيرة لقانون الهجرة تتيح له إنشاء "مراكز عودة" خارج دول الاتحاد، وذلك وسط انقسام بين دول تطالب بتسريع ترحيل المهاجرين وأخرى تبدي تحفظا.

ويتيح هذا الإجراء الذي يدعمه اليمين المتطرف وتنتقده منظمات حقوقية، فتح مراكز خارج حدود الاتحاد الأوروبي يمكن إرسال المهاجرين الذين رُفضت طلبات لجوئهم إليها.

كما قد يتيح فرض عقوبات أشد على المهاجرين الذين يرفضون المغادرة، بما في ذلك الاحتجاز ومنع دخول.

وحسب وكالة الصحافة الفرنسية، تحظى "مراكز العودة" بدعم قوي من عدة دول أوروبية على غرار الدنمارك والنمسا وألمانيا، التي بدأت بالفعل في تقديم تصوّرات لأماكن إقامتها ومواعيد افتتاحها، حتى قبل إعطاء الضوء الأخضر من قبل الاتحاد الأوروبي.

ويبدو أن دول الاتحاد لم تتمكن من حسم هذه التعديلات حيث تحدثت بيانات مقتضبة عما وصفته بمحادثات مثمرة واتفاقات مبدئية سيتم التباحث بشأنها مجددا في الأول يونيو/حزيران المقبل من أجل التوصل إلى اتفاق نهائي.

في النهاية، لا تختصر أرقام اللجوء مجرد حركة عبور بين الحدود، بل تحكي قصص ملايين البشر الذين دفعتهم الحروب والانهيارات الاقتصادية والاضطهاد إلى البحث عن حياة أكثر أمنا.

وبينما تحاول أوروبا الموازنة بين اعتبارات الأمن والاقتصاد والضغوط السياسية، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع القارة العجوز بناء سياسة لجوء موحدة تحفظ مصالحها، من دون أن تفقد صورتها كواحدة من أبرز وجهات الحماية الإنسانية في العالم؟

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا