في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
غزة – في حي تل الهوى المنكوب غرب مدينة غزة، حيث لا شيء سوى الركام والخيام، ينبعث صوت موحد لأطفال يرددون نشيدا وطنيا: "هل أراك، هل أراك؟ سالما منعما وغانما مكرما… موطني موطني". قادنا الصوت نحو تجمع خيام، لا يميزه عن غيره إلا لافتة صغيرة كُتب عليها: "مدرسة العودة".
لم تعد العودة بالنسبة لهؤلاء الأطفال حلما إلى بلاد محتلة أو بيوت تهدمت خلف الخط الأصفر، بل عودة إلى واقع كان فيه الغزيون يتصدّرون أعلى نسب التعليم في العالم العربي، قبل أن تنقلب حياتهم رأسا على عقب.
خلف مدخل المدرسة تتوزع 9 خيام بلاستيكية تشكّل صفوفا، يتكدس في كل منها 50 طالبا كتفا بكتف، في مساحة لا تتجاوز 20 مترا مربعا.
طلاب يفترشون الأرض، ويجلس بعضهم على مقاعد شُكلت من بقايا الأخشاب، بلا زي مدرسي، ولا طاولات ولا ملاعب ولا جدران ولا تهوية ولا حتى فراغات بينهم.
ومع ذلك، يحمل الجميع شهية واضحة للتعلم، ويندفعون بالشغف نفسه الذي يندفع به جيل مُنهك من الحرب، مشرّد من بيته، خسر حاضره لكنه يرفض أن يخسر مستقبله أيضا.
يقول مدير المدرسة وليد رشيد – للجزيرة نت – إن 1650 طالبا وطالبة من الصف الأول حتى الثانوية العامة مسجلون في المدرسة بعد أن منحتها وزارة التربية والتعليم اعتمادا رسميا، ضمن خطة الطوارئ البديلة عن التعليم النظامي.
المدرسة التي وُلدت في الحرب في أبريل/نيسان 2024، أُجهضت مرتين، كانت الأولى في رفح قبل الاجتياح، والثانية في وسط القطاع، قبل أن تنتهي رحلتها إلى غزة بعد الهدنة.
وفي كل موجة نزوح قسري، كانت خيام المدرسة تُفكّك وتحمل على الأكتاف، يقول رشيد: "كان النازحون يهرعون لإنقاذ ما تبقى من أثاث بيوتهم، أما إدارة المدرسة، فكانت لا تفكر إلا بإنقاذ ما يُبقي التعليم حيا".
ورغم أن المدرسة قائمة في منطقة غير آمنة نسبيا، فإن "هجمة الاحتلال الشرسة على التعليم" كما يصفها رشيد، قابلها إصرار عنيد من الأهالي والكادر التعليمي على أن يبقى التعلم مستمرا.
داخل إحدى الخيام الدراسية، جلست مراسلة الجزيرة نت بين عشرات الأطفال الذين ازدحمت أنفاسهم في مساحة لا تكفي حتى لنصفهم.
يقول الطالب كنان البلبيسي إنه طوال أشهر الحرب كان يقف في طوابير الماء والتكايا، حتى نسي أنه طفل. ويحلم أن يصبح محاميا ليدافع عن الناس ويعيد لهم حقوقهم، ثم يضيف بصوت مرهق: "4 ساعات ونحن جالسون على الأرض، نريد مدرسة حقيقية".
أما الطالب كريم الحايك فيعبر عن سعادته بتمكنه من التعلم الوجاهي، يقول: "أريد أن أصبح طبيبا ووجودي هنا هو أول خطوة نحو تحقيق حلمي".
وتضيف للجزيرة نت: "معظم الطلبة يعودون بعد الدوام لمهام تفوق أعمارهم كجلب الماء، وجمع الحطب، والوقوف في طوابير التكايا فلا يجدون وقتا كافيا للدراسة".
وتلفت إلى أن معظم الطلبة محمّلون بصدمات وفقد وذكريات وانهيارات، لذلك فهم يحتاجون جهدا إضافيا ودعما نفسيا موازيا.
على الأرض، لا تبدو "مدرسة العودة" سوى واحدة من مدارس ميدانية ونقاط تعليمية عديدة انتشرت بين الخيام ومراكز النزوح في قطاع غزة، والتي تشكّلت كاستجابة اضطرارية لانهيار كامل أصاب قطاع التعليم.
ترى أمل، وهي أم لستة طلاب، في هذه المحاولات الإسعافية مساحة هشّة للنجاة بأبنائها بعد الفجوة التعليمية العميقة التي أحدثتها الحرب، يحاولون ترميمها بما أمكن.
ابنتها دارين، التي وصلت هذا العام إلى مرحلة الثانوية العامة، لم تعرف يوما دراسيا مستقرا، حيث تنقّلت طوال العام بين مراكز تعليمية مؤقتة، تقول أمل: "كنتُ أنتظر بحماسة أن تبلغ ابنتي الكبرى هذه المرحلة، كنا نحلم أن نختار معا تخصّصها، مدرستها، طريقها، لكن كل هذا انقطع فجأة".
تضيف أنّ التعليم في غزة لم يعد مجّانيا في حدّه الأدنى، فمعظم المراكز البديلة تُدار برسوم تعجز عن دفعها كثير من العائلات، في وقت صار فيه الفقر واقعا عاما يلتهم حتى من كانوا قبل الحرب في وضع مستقر نسبيا.
وفوق ذلك، تثقل الدروس الخاصة كاهل الأهالي، بينما يتحوّل شراء أبسط المستلزمات والقرطاسية إلى معضلة بالنسبة لهم، تقول أمل: "يصل ثمن الدفتر الواحد إلى 6 شواكل (نحو دولارين)، لذا صار التعليم عبئا إضافيا لا نستطيع حمله".
ومع شحّ المواصلات وارتفاع كلفتها، يُضطرّ الطلبة إلى قطع مسافات طويلة تحت شمس حارقة للوصول إلى صفوفهم، في مشهد يلخّص تحوّل التعلم إلى رحلة مُرهِقة لجيلٍ بأكمله.
على الجانب الآخر من الصورة، يكشف مؤسس مدرسة "أوائل وقادة" الخاصة خالد الخالدي تجربةً تتجاوز مجرد دمار أو توقف، حيث لا تزال المدرسة واقفة على قدميها، لكنها فقدت وظيفتها الأساسية.
فالمبنى لم يُسوَّ بالأرض، لكنه تحوّل تدريجيا إلى ملاذ مكتظ بالنازحين، جعل استئناف العملية التعليمية فيها ضربا من المستحيل. ومع وقف إطلاق النار الأول في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، حاولت إدارة المدرسة إنعاش ما تبقى منها، وتم ترميم صفوفها بتكاليف باهظة، وانطلقت الدراسة فعليا.
لكن عودة الحرب قلبت المشهد تماما، حيث نزحت مئات العائلات إلى المدرسة من المناطق الواقعة داخل الخط الأصفر. يقول الخالدي: "حاولنا إقناع النازحين بالمغادرة لأن المدرسة خاصة ومخصصة للتعليم، لكننا لم ننجح".
وبين المسؤولية الأخلاقية في إبقاء المشردين تحت سقف آمن، والحاجة إلى إخلاء المكان ليعود مدرسة، بقيت الإدارة معلّقة في منتصف معادلة لا حلّ لها.
أمام هذا الواقع، لم يكن خيار "الانتظار" لدى الخالدي مطروحا، حيث اضطروا للبحث عن بدائل خارج المدرسة، يقول: "استأجرنا مكانا لا يصلح لمدرسة في الظروف الطبيعية، جهّزناه بسرعة بغرف صفية من البلاستيك (الشوادر)، فقط كي لا يتوقف التعليم".
ويصف الخالدي التجربة بأنها "نحت في الصخر"، في محاولة متواصلة لإنقاذ التعليم في بيئة تتآكل فيها شروطه الأساسية يوما بعد يوم.
نحو 820 مدرسة ميدانية موزعة في أنحاء قطاع غزة تستوعب قرابة 400 ألف طالب (الجزيرة)وقد توقفت العملية التعليمية في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 بالكامل بفعل الحرب، تاركة عشرات آلاف الطلبة خارج أي مسار منظم للتعلم، قبل أن تُستأنف العودة بشكل متدرّج في سبتمبر/أيلول 2024 عبر التعليم الإلكتروني والنقاط التعليمية التي نشأت بجهود مجتمعية داخل المخيمات، في محاولة لإبقاء فكرة التعليم ممكنة داخل بيئة انهارت فيها المدرسة التقليدية.
وعلى الأرض، تكشف معطيات وزارة التربية والتعليم الفلسطينية حتى 20 أبريل/نيسان الماضي عن حجم الانهيار الذي طال المنظومة التعليمية، فقد استشهد 19 ألفا و61 طالبا وطالبة، وجرح 28 ألفا و337 آخرون، إضافة إلى 801 شهيد و3291 جريحا من الكوادر التعليمية.
وبينما طال التدمير 179 مدرسة حكومية، فإن القصف والتخريب طال 105 مدارس تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) (UNRWA).
الاحتلال استهدف المدارس والجامعات وقتل المعلمين ودمر المؤسسات الأكاديمية في غزة (الجزيرة)أمام هذه الخسائر الهائلة، اضطرت الوزارة إلى إعادة تشكيل العملية التعليمية؛ ففي العام الدراسي 2024–2025 اعتمدت نظام طوارئ قائما على فصلين دراسيين، بينما انتقلت في 2025–2026 إلى مرحلة "الترفيع الاستدراكي" لمعالجة الفاقد التعليمي، حيث يُلحق الطلبة الذين فاتهم التعليم بدورات مكثفة تمتد لشهرين فقط، يخضعون بعدها لامتحانات تحدد انتقالهم إلى صفوفهم أو استكمال ما تبقى من أعوام دراسية.
ورغم هذا التنظيم، تؤكد الوزارة أن الفجوة التعليمية ما تزال واسعة ومعقدة، نتيجة تداخل أنماط التعلم بين الوجاهي والافتراضي ونقاط التعلم غير الرسمية، ما يجعل عملية تتبع الطلبة وقياس التحصيل شبه مستحيلة بدقة واحدة.
وأوضحت مديرة وحدة الترخيص في وزارة التربية والتعليم بغزة منى الصادق – للجزيرة نت – وجود نحو 820 مدرسة ميدانية موزعة في أنحاء قطاع غزة، تستوعب قرابة 400 ألف طالب من مرحلة رياض الأطفال حتى الصف العاشر، بينها 175 مدرسة أنشأتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) (UNICEF) وتشرف الوزارة على تشغيلها.
وإلى جانبها تستمر مدارس وكالة الغوث (الأونروا) في العمل بشكل "غير رسمي" عبر نحو 75 مدرسة يلتحق بها حوالي 68 ألف طالب، مع اشتراط تسجيلهم في النظام الإلكتروني للانتقال بين الصفوف.
وبذلك يرتفع عدد الطلبة المنخرطين في العملية التعليمية بمختلف أشكالها إلى نحو 619 ألف طالب وطالبة، ضمن واقع تتداخل فيه البيانات وتتعدد فيه مسارات التسجيل بين النظامي والافتراضي والمجتمعي.
وتوضح الصادق أن هذه الخطوات هي محاولة لإدارة تعليم في حالة انهيار شامل، حيث لم يعد الحديث عن تطوير المناهج أو تحسين البيئة المدرسية ممكنا بمعزل عن الركام والنازحين والفاقد البشري، بل عن إعادة تشكيل التعليم داخل واقع تحكمه الحرب.
تضرر 95% من الحرم الجامعية في غزة ودمر الاحتلال 22 حرما من أصل 38 تدميرا كليا (الجزيرة)أما على مستوى التعليم العالي، فقد كشفت تقارير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ( اليونسكو) (UNESCO) عن تضرّر 95% من الحرم الجامعية، وتدمير 22 حرما من أصل 38 تدميرا كليا، بينما لحقت أضرار متفاوتة بالبقية، خصوصا في غزة وخان يونس حيث تركزت الضربات الأعنف، وخرج عن الخدمة 195 مبنى من أصل 206.
أما الخسائر البشرية، فتمثلت في استشهاد 1375 طالبا جامعيا وأصيب نحو 2988، كما استشهد 246 كادرا جامعيا وأصيب 1493، وفق وزارة التربية والتعليم العالي.
وفي ظل هذا الانهيار، تُقدّر يونسكو الحاجة إلى 110 ملايين دولار كتمويل عاجل لإعادة الحد الأدنى من تشغيل التعليم العالي وحده في قطاع غزة.
وفي سياق الانهيار الواسع، يبرز ملف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية، باعتبارها الجهة التي تولّت التعليم في القطاع منذ عام 1949، ويعتمد عليها اللاجئون الذين يشكّلون نحو 70% من المجتمع الغزّي.
ومع تصاعد الحرب، يشهد دورها تراجعا حادا يُوصف بأنه "تحييد فعلي"، في محاولة تمسّ جوهر حق التعليم وامتداده الاجتماعي.
مع تصاعد الحرب تراجع دور الأونروا في غزة (الجزيرة)ويؤكد المختص في القانون الدولي مصطفى إبراهيم أن استهداف المدارس والجامعات وقتل المعلمين وتدمير المؤسسات الأكاديمية يرقى إلى اعتداء واسع على الحق في التعليم يصل إلى مستوى "إبادة للبنية التعليمية" بشقيها المادي والبشري، ويتجاوز ذلك إلى "إبادة معرفية" تستهدف تفكيك الحق في التعلم وإعادة تشكيل المجتمع من جذوره.
ويستحضر هذا السياق تجارب فلسطينية سابقة حين تحوّل التعليم خلال الانتفاضة الأولى إلى فعل مقاومة سيادي داخل البيوت والمخيمات عبر مبادرات التعليم الشعبي، بما يعكس أن التعليم لم يكن يوما خدمة مؤسساتية فقط، بل ممارسة جماعية لصون الوعي وحمايته من محاولات التفكيك.
وإذا كانت "الإبادة المعرفية" تمتد إلى البنية التعليمية العليا، فإن انعكاساتها الأشد قسوة تظهر في وعي الأطفال أنفسهم.
يشرح الاختصاصي النفسي خليل شاهين أن النزوح المتكرر، ودمار المدارس، وانقطاع الكهرباء، وغياب البيئة الصفّية الآمنة، دفع مئات آلاف الأطفال إلى الشوارع، حيث تتشكل لديهم سلوكيات مشحونة بالتوتر والعنف المكبوت. وتحت هذا الضغط، تتسع الفجوة التعليمية، إذ فقد كثير من الأطفال مهارات أساسية مثل القراءة والكتابة، وتراجعت قدرتهم على التركيز بشكل حاد.
ويؤكد أن هذا التراجع ليس نتيجة الانقطاع الدراسي فقط، بل هو نتاج تراكمي للتوتر المزمن وسوء التغذية وقلة النوم وغياب الأمان، وهي عوامل تعيد تشكيل الذاكرة والاستيعاب لدى الأطفال.
وفيما تبدو منظومة التعليم في غزة كجسد منهك يحاول أن ينهض فوق ركامه، حيث يدار التعليم تحت النار، ويُعاد تشكيل الوعي في ظل الانهيار، تبقى محاولات الصمود، رغم اتساعها، غير قادرة وحدها على مواجهة حجم الإبادة التعليمية في القطاع.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة