لقد جلبت واشنطن أوراق القوة والإستراتيجية معا إلى عملية "الغضب الملحمي"، أما المتغير الذي لا يزال دون حل فليس في البنتاغون، بل في طهران.
لقد أمضت إسرائيل ودول المنطقة والحكومات في جميع أنحاء الشرق الأوسط عقودا وهي تتعايش مع تهديد متزايد؛ إذ تسلح إيران قوى بالوكالة وتوجهها في المنطقة، وتنشر صواريخ بعيدة المدى، ومؤخرا، تنشر طائرات مسيرة قادرة على الوصول إلى المراكز السكانية في دول المنطقة. وفي الوقت نفسه، يهدف برنامجها النووي إلى فرض هيمنة إقليمية دائمة. كما أنها تسيطر على مضيق هرمز بطريقة تسمح لها بتهديد تدفق النفط والتجارة والسلع الحيوية في اللحظة التي تختارها.
تخيلوا- كما أشار وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو- عالما تستطيع فيه إيران إغلاق الممر الذي يتدفق عبره ثلث النفط المنقول بحرا في العالم كلما قررت قيادتها أن اللحظة مناسبة. هذه هي أوراق القوة التي تمتلكها طهران بالفعل، واستخدمتها كأداة إكراه طوال هذا الصراع.
بهذه الخلفية، فإن عملية "الغضب الملحمي"- وهي حملة جوية وبحرية مستمرة تستهدف البنية التحتية النووية الإيرانية، وإنتاج الصواريخ والطائرات المسيرة، وشبكات القيادة والسيطرة، والأصول البحرية- يجب أن تقيم من خلال عدة أسئلة: ما مدى تقليصها لهذا التهديد؟ ولكم من الوقت؟ وهل هيأت الظروف التي يصبح بموجبها إبرام اتفاق حقيقي ممكنا: اتفاق مقبول للولايات المتحدة ودول المنطقة وإسرائيل، وتوقعه إيران وتلتزم به؟ وبناء على هذا المعيار، فإن النقد الذي قدمه جيسون إتش. كامبل من معهد الشرق الأوسط في المقالة التي نشرت في الجزيرة نت، يكاد لا يلامس المشكلة الإستراتيجية الفعلية.
يجادل كامبل بأن العملية أطلقت دون إستراتيجية متماسكة، وأن الخلافات داخل البنتاغون قد أضرت بالردع الأمريكي، وأن تعامل واشنطن مع مضيق هرمز ترك الحلفاء في حالة من عدم اليقين بشأن نوايا أمريكا. وفيما يتعلق بالمضيق: كان الرئيس ترمب واضحا في أنه يرى حرية الملاحة هناك كمشكلة مشتركة تتطلب مسؤولية مشتركة. فأوروبا وآسيا تعتمدان على هذا الممر أكثر بكثير مما تعتمد عليه الولايات المتحدة. والدول الأكثر عرضة للمخاطر الاقتصادية تمتلك الوسائل والحافز للتحرك، بدعم أمريكي عند الاقتضاء ووفقا للشروط الأمريكية.
وفيما يتعلق بالبنتاغون: فإن مسؤوليه يعارضون، والبيروقراطيات تقاوم في كل إدارة؛ فالرئيس هو من يحدد المسار، وحتى عندما يختلف المسؤولون المهنيون، فإن وظيفة وزير الحرب هي تنفيذ ما يوجه به الرئيس المنتخب، في إطار القانون.
أما بخصوص إيران: فإن إطار كامبل يفترض وجود نوع من الخصوم لم يكن له وجود يوما في طهران؛ خصم يتأثر بالمنطق التقليدي لإنهاء النزاعات، ويستجيب للإشارات الدبلوماسية المدروسة، ويمكن إدارته من خلال الضغط المتدرج. لم تكن إيران يوما هذا الخصم، ونادرا ما تكون الأنظمة المارقة كذلك.
لقد كانت الجمهورية الإسلامية صريحة بشأن طموحاتها منذ عام 1979. وقد عكس اتفاق "خطة العمل الشاملة المشتركة" لعام 2015 (الاتفاق النووي) قراءة خاطئة جوهرية لطبيعة النظام وما يريده.
لم يكن الاتفاق يوما أداة للاعتدال؛ فقد رفض المتشددون الإيرانيون الاتفاق النووي منذ البداية، واستخدموا تخفيف العقوبات الذي وفره لتسريع البرامج، بما في ذلك تطوير الصواريخ الذي استمر وتوسع طوال الوقت، وبناء طوق من الوكلاء المسلحين الذين يحيطون بإسرائيل، وتطوير البنية التحتية النووية تحت الأرض التي أرادوها قبل وقت طويل من انتهاء صلاحية بنود الاتفاق، كما خلصت إلى ذلك معظم أجهزة الاستخبارات الغربية لاحقا.
ولم تكن النتيجة أن إيران أكثر مرونة في التعامل، بل نظاما يمتلك مخابئ أعمق، وأسلحة أطول مدى، وقوات بالوكالة مختبرة في المعارك، وقبضة خانقة على أحد أكثر الممرات المائية حيوية في العالم. هذه هي إيران التي صممت عملية "الغضب الملحمي" لمواجهتها.
إن إستراتيجية واشنطن ليست معقدة ولا تفتقر إلى التوجيه، بصرف النظر عما يلمح إليه كامبل. فالأهداف محددة: الإزالة الفعلية لليورانيوم المخصب من الأراضي الإيرانية، وإنهاء دائم، يمكن التحقق منه، للبرنامج النووي، وعدم وجود بنود بفترات انتهاء تترك الطريق مفتوحا لامتلاك سلاح نووي على الإطلاق. أما الأسلوب فهو ضغط عسكري واقتصادي مدروس لجعل تكلفة الرفض أعلى من تكلفة الامتثال، ويجري بالتزامن مع مسار دبلوماسي عبر وسطاء باكستانيين وغيرهم، مشروطا بأن تقدم إيران ليس مجرد توقيع، بل طرفا مقابلا قادرا على ضمان الوفاء بهذا التوقيع.
وما يصفه كامبل بأنه أهداف متغيرة عبر حملة مجزأة هو في الواقع العملياتي أمر طبيعي لمواجهة نظام لا تشكل برامجه النووية، وقواته الصاروخية، وترسانته من الطائرات المسيرة، وعمليات التحرش البحري، وشبكة وكلائه، مشكلات منفصلة؛ بل هي نظام إكراه واحد متكامل، بني على مدى عقود، وتفكيكه يتطلب الضغط عليها جميعا في وقت واحد.
إن التعامل مع "مشروع الحرية"، وهو العملية البحرية لإعادة فتح مضيق هرمز، يعكس هذا المنطق بدلا من أن يناقضه. فعندما أعلن عن العملية ثم تعليقها في غضون أيام، لم يكن ذلك لأن واشنطن فقدت جرأتها أو غيرت مسارها. لقد ظهرت فرصة دبلوماسية محتملة، واختارت الإدارة اختبارها بدلا من إغلاق الباب أمامها. هذا ليس ارتباكا أو غموضا، بل هو الكيفية التي يعمل بها تتابع الضغط والدبلوماسية فعليا: اضغط بقوة، ثم أوجد مساحة لمعرفة ما إذا كان لدى الطرف الآخر شخص قادر على اتخاذ القرارات الصعبة التي يتطلبها الاتفاق الحقيقي. وإذا كانت الإجابة لا، تستأنف العملية.
إن الاستعداد للاستئناف هو ما يمنح التوقف معناه؛ فالتوقف الذي يحتفظ بتهديد موثوق باتخاذ عمل عسكري متجدد ومتصاعد في الاحتياط يرسل إشارة مختلفة تماما عن تقديم التنازل. وإذا كان هناك من شيء، فإن الرئيس ترمب قد منح إيران باستمرار وقتا إضافيا للتوصل إلى حل دبلوماسي بدلا من التسريع نحو التصعيد العسكري. هذا التفضيل من جانبه لنتيجة تفاوضية على استمرار الصراع ليس ضعفا، بل هو عرض يصبح تمديده أكثر صعوبة كلما فشلت طهران في تقديم رد موثوق.
ما كشفه سلوك إيران طوال هذه الحملة هو مشكلة لا يمكن لأي إستراتيجية أمريكية أن تحلها نيابة عن طهران. فآية الله خامنئي قد مات، ومجتبى خامنئي، الذي نصب مرشدا أعلى في أعقاب وفاة والده، لم يظهر في أي محفل عام أو مقطع فيديو منذ تعيينه. ولا تزال سلطته على كامل أجهزة الدولة الإيرانية، بمن في ذلك الحرس الثوري الإيراني، غير مختبرة ومحل نزاع. وللحرس الثوري مصالحه المؤسسية الخاصة في البرنامج النووي، وعلاقات القيادة الخاصة به، وحساباته الخاصة بشأن ما سيلتزم به وما لن يلتزم به بغض النظر عما يتفق عليه الدبلوماسيون.
كانت القناة التفاوضية لطهران تبدي انفتاحا على الشروط من خلال وسطاء باكستانيين وغيرهم، بينما كانت وحدات الحرس الثوري تجري في الوقت نفسه عمليات زرع ألغام في ممرات الشحن ذاتها التي كانت تلك المفاوضات تهدف إلى حمايتها. هذا هو الشكل الذي تبدو عليه الممارسة العملية لنظام يضم مراكز سلطة متعددة ومتنافسة. إن إطار كامبل لا يحل هذه المشكلة، بل يتجاهل وجودها.
إن مخاوف كامبل بشأن عملية صنع القرار في البنتاغون ترقى إلى الادعاء بأن الخلافات الداخلية قد أضعفت نتاج الحملة. لكن النتائج لا تدعم هذا الادعاء؛ إذ تفيد وزارة الدفاع بأن عملية "الغضب الملحمي" ضربت أكثر من ثلاثة عشر ألف هدف على مدار ثمانية وثلاثين يوما ضد شبكة دفاع جوي إيرانية محصنة.
لقد ضُربت قاذفات الصواريخ الإيرانية، وخطوط إنتاج الطائرات المسيرة، والبنية التحتية للقيادة، والأصول البحرية. والتأثير التراكمي على قدرة إيران ممارسة قوتها العسكرية التقليدية عبر المنطقة هو التدهور الأكثر أهمية لهذه القدرات منذ أن امتلكتها الجمهورية الإسلامية. ولا توجد أدلة علنية تشير إلى أن الخلافات الداخلية في البنتاغون منعت حدوث أي من ذلك.
يدور جزء كبير من نقد كامبل في نهاية المطاف حول الخلافات بين الأفراد، والمواجهات الإعلامية، والمناورات المسرحية في الكونغرس، والاحتكاكات الداخلية في واشنطن. وتلمح مقالته إلى أن كل المؤشرات تدل على أن الحملة لم تسر وفقا للخطة، وأن الإدارة يائسة للتوصل إلى تسوية يمكنها إعلانها كنصر. هذا ليس تحليلا مستندا إلى أدلة، بل هو رأي الفئة الثرثارة في واشنطن ووسائل الإعلام، والذين عارض معظمهم هذه الإدارة منذ البداية، وتعكس تحليلاتهم توجهاتهم السياسية أكثر بكثير مما تعكس الحقائق على الأرض.
إن التخمين الذي يرتدي ثوب الإجماع يظل تخمينا. قد تهيمن هذه القصص على العناوين الرئيسية في النظام السياسي الأمريكي، ولكن لا الجمهور الأمريكي ولا الحكومات التي تعيش تحت التهديد الإيراني سيحكمون على هذه الحملة من خلال الدراما البيروقراطية والشخصية داخل البنتاغون؛ بل سيحكمون عليها من خلال ما إذا كانت طموحات إيران النووية، وترسانتها الصاروخية، وقدراتها في مجال الطائرات المسيرة، وشبكة وكلائها، واستخدامها القهري مضيق هرمز قد قُلصت بشكل ملموس. إن النقاش الذي يركز في المقام الأول على مؤامرات واشنطن يخلط بين الضوضاء المحيطة بالحملة، وبين المشكلة الإستراتيجية التي أُطلقت الحملة لحلها.
إن تكاليف الحملة تستحق كشف حساب مباشر؛ فقد تعرضت أكثر من 1500 سفينة تجارية للاضطراب في المضيق، وعكست أسواق النفط هذا الاضطراب. أما عن الأضرار التي لحقت بالمدنيين داخل إيران، فإن المسؤولية عن ذلك تقع على عاتق نظام تعمد وضع البنية التحتية العسكرية ومخازن الصواريخ ومنشآت القيادة داخل المناطق المأهولة بالسكان وفي محيطها، واختار استيعاب المواجهة العسكرية بدلا من الموافقة على الشروط التي كانت ستنهيها.
هذا الخيار يعود لطهران. وإن التسلسل الذي أدى إلى كل هذه التكاليف بدأ من هناك. إنها عقود من الطموح النووي والقدرات المتسارعة، وقرار الحرس الثوري بتفعيل هرمز كسلاح انتقامي، والتشرذم الداخلي الذي يجعل الحل الدبلوماسي صعبا.
والسؤال الذي لم يتطرق إليه كامبل أبدا هو كيف سيبدو البديل؟ إن ترك إيران لتكمل برنامجها النووي، مع تدهور شبكة وكلائها جزئيا لكنها تعيد البناء، وبقاء إكراهها في هرمز كما هو، ودون وجود اتفاق، من شأن ذلك أن يفرض تكاليف على المنطقة تقزم أي شيء أنتجته الحملة الحالية.
إن عقدين من الضغط غير الكافي على إيران هما اللذان أنتجا التهديد الذي تهدف عملية "الغضب الملحمي" الآن إلى تفكيكه، وليس الاعتدال الذي وعد به المدافعون عنه.
يصنف كامبل أوراق القوة على أنها شيء عثرت عليه الإدارة بالصدفة، والإستراتيجية على أنها شيء تفتقر إليه، لكنه يعكس الآية؛ فما يأتي بعد الضغط هو مكمن العمل الحقيقي، وهيكل أي اتفاق هو الذي سيحدد ما إذا كان سيصمد. وأي اتفاق ينشأ سيتطلب تحققا لا يعتمد على حسن النية الإيرانية، وإنفاذا لا يمر عبر مجلس الأمن حيث أمضت طهران سنوات في استمالة الحماية فيه، وعواقب للانتهاك يمكن للولايات المتحدة تنفيذها دون انتظار إجماع أوروبي أو متعدد الأطراف. هذا هو الفارق بين اتفاق يصمد، واتفاق يشتري الوقت لدورة التصعيد التالية.
هناك نقد كان بإمكان كامبل أن يوجهه لكنه اختار ألا يفعل، وهو النقد الذي كان سيحمل وزنا فعليا: ليس أن واشنطن تفتقر إلى إستراتيجية، بل حتى الإستراتيجية السليمة لن تضمن اتفاقا إذا لم تتمكن طهران من تقديم طرف نظير قادر على إبرامه والحفاظ عليه. بل من الممكن أيضا أن يؤدي الضغط المستمر، بدلا من توحيد سلطة صنع القرار الإيرانية، إلى تعميق التشرذم بشكل أكبر. هذا الخطر حقيقي، وهو أيضا أقوى حجة لضبط بنية الإنفاذ بشكل صحيح قبل توقيع أي اتفاق؛ لأنه إذا كان من غير الممكن افتراض التماسك الداخلي لطهران، فيجب بناء الاتفاق نفسه ليصمد بدونه.
لسنوات، كانت الحجة ضد الضغط الجاد هي أنه سيغلق الباب أمام الدبلوماسية، ولم تعد هذه الحجة قائمة الآن؛ فالضغط موجود، والمسار الدبلوماسي مفتوح، والمطالب واضحة: إنهاء دائم وقابل للتحقق للبرنامج النووي، دون ترك أي طريق مفتوح لامتلاك سلاح في أي إطار زمني، وشروط يجب على إيران توقيعها والالتزام بها.
وإذا ظهر اتفاق بناء على هذه الشروط، فستكون الحملة قد أنجزت ما لم تحققه أي إدارة سابقة. وإذا لم يحدث ذلك، فإن المسؤولية عن هذا الفشل تقع على عاتق نظام أمضى أربعين عاما في جعل نفسه غير جدير بالثقة إطلاقا ومن الصعب التفاوض معه. لقد قامت واشنطن، وتستمر في القيام، بدورها.
لقد عرفت دونالد ترمب لأكثر من عقدين من الزمن، ومن ينصح القيادة في طهران بأن ترمب يمكن الصمود أمامه حتى تنتهي ولايته، أو أن عروضه للدبلوماسية الحقيقية ليست جادة، أو أن الوقت في صالح إيران، يقدم نصيحة ليست خاطئة فحسب، بل خطيرة. إن النافذة التي يبقيها مفتوحة لن تظل مفتوحة إلى الأبد، ويتعين على طهران أن تنتهزها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة