في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بيروت- في بيت متواضع في بيروت، ما تزال الصورة العسكرية للشهيد الملازم أول جورج أبو صعب تتصدّر الجدار. تجلس والدته سميرة حبيقة أمامها كأنها تنتظر عودته من مهمته الأخيرة. تتحدث عن ابنها بصوت يختلط فيه الحزن بالغضب، وتعود بذاكرتها إلى يوم 23 يونيو/حزيران 2013 الذي تحوّلت فيه منطقة عبرا، شرقي مدينة صيدا، إلى ساحة مواجهة دامية بين الجيش اللبناني ومسلحين تابعين للشيخ أحمد الأسير.
في المقابل، داخل منزل الأسير في صيدا، تروي زوجته أمل شمس الدين قصة أخرى. وتؤكد أن ما جرى في عبرا "مؤامرة" استهدفت زوجها وحركته، وامتدت لاحقا إلى السجون والمحاكم.
وبين الروايتين، يعود ملف قانون العفو العام اليوم لينكأ جراحا لم تلتئم منذ سنوات في لبنان.
تقول حبيقة للجزيرة نت إن الشرارة الأولى بدأت عند حاجز للجيش اللبناني مقابل مسجد بلال بن رباح في عبرا، حيث كان النقيب سامر طانيوس وعدد من العسكريين يتمركزون على النقطة العسكرية، حين وصلتهم رسائل تطالبهم بإخلاء الموقع.
وتروي أن المسلحين التابعين للأسير حاولوا إزالة الحاجز بالقوة بعدما رفض العسكريون الانسحاب "لأن الجيش لا يأتمر بأوامر العصابات".
ووفقا لها، عاد المسلحون إلى الأسير، قبل أن تصدر الأوامر سريعا، "شيلوهن (أبعدوهم) بالقوة". وبعد دقائق، انهال الرصاص من جهة المسجد على عناصر الجيش، ليسقط النقيب طانيوس وعدد من العسكريين قتلى، فيما كانت رقعة الاشتباكات تتوسع تدريجيا.
مع تصاعد المواجهات، تدخّل فوج المغاوير اللبناني، كان جورج أبو صعب بين العسكريين الذين اندفعوا نحو خطوط النار دون أن يدرك -وفق والدته- أنه يسير نحو "كمين محكم". وتقول إن الطريق المؤدي إلى الحاجز تحول إلى ساحة استهداف مباشر وإن الرصاص انهال بكثافة على القوة المتقدمة، وسقط 22 عسكريا تباعا، قبل أن يكون جورج "الشهيد الـ23".
تتوقف قليلا، ثم تنظر إلى صورته المعلقة على الجدار وتؤكد أن "جرح عبرا لم يندمل يوما"، وأن الحديث المتجدد عن قانون عفو عام أعاد فتحه من جديد. وبالنسبة لها، لا يتعلق الأمر بموقوفين لم تصدر بحقهم أحكام بعد، بل بملف قضائي انتهى بأحكام واضحة، وتذكّر بأن أحمد الأسير حُكم بالإعدام قبل تخفيفه إلى السجن المؤبد، معتبرة أن "حتى المؤبد لم يكن كافيا".
وترى أن أي حديث عن العفو يحمل رسالة قاسية إلى المؤسسة العسكرية نفسها، متسائلة: "ماذا سيقولون للعسكريين؟ إذا استشهدتم نطوي الصفحة، ومن يقتلكم نُخرجه بريئا؟".
وتقول حبيقة إن أكثر ما يؤلمها هو أن "دماء العسكريين تُستحضر اليوم داخل بازار السياسة والطائفية"، وتستعيد أسماء الشهداء الذين سقطوا إلى جانب ابنها، مؤكدة أنهم كانوا من مختلف الطوائف والمناطق، وتضيف "الجيش لا طائفة له، طائفته الوطن".
وتعتبر أن أي قانون عفو يشمل من "تلطخت أيديهم بدم الجيش" لا يمكن النظر إليه كتسوية سياسية، بل بوصفه "خيانة كبرى" للمؤسسة العسكرية وللبنان كله.
ورغم مرور سنوات على معركة عبرا، تقول حبيقة إن أهالي الشهداء ما يزالوا يتحركون رفضا لأي عفو محتمل. بعضهم رحل، وآخرون أقعدهم المرض والعجز، لكن القضية لم تتغير بالنسبة إلى من بقي منهم حيا.
وأشارت إلى أنهم تواصلوا مع المسؤولين وطلبوا -مرارا- لقاء رئيس الجمهورية، "دون أن يتلقوا أي رد". وشددت على أنه إذا تم إقرار القانون، سيدفعهم للنزول إلى الشارع لأنهم يعتبرون أن الدولة بذلك "تشرّع الجريمة وتقتل الشهيد مرتين". وانتقدت مجلس النواب لأنه يناقش قانونا "بحجم وخطورة العفو العام دون الاكتراث لعائلات العسكريين الذين سقطوا".
وتمسكت حبيقة بمطلب واحد تعتبره غير قابل للتفاوض وهو العدالة. وقالت إن أبناءهم "ليسوا مادة للصفقات ولا للمساومات"، وإن الاعترافات والمحاكمات والوثائق المصوّرة لا تسمح "بتبييض صفحة من قتل الجيش"، وأكدت "نرفض أي قانون عفو، ومن يوافق عليه نعتبره خائنا".
في المقابل، تروي أمل شمس الدين، زوجة الشيخ أحمد الأسير، رواية أخرى للجزيرة نت. وتتحدث عن سنوات تصفها بأنها "رحلة ظلم ومعاناة"، وتعتبر أن ما جرى في عبرا لم يكن مجرد اشتباك أمني، بل "حرب إلغاء" استهدفت زوجها بسبب مواقفه السياسية والدينية، ولا سيما بعد اندلاع الثورة السورية وارتفاع خطابه ضد النظام السوري المخلوع و"نفوذ حزب الله في لبنان".
وأضافت أن الأسير تحوّل، منذ تلك المرحلة، إلى "هدف لحملة أرادت إسكاته وإنهاء حضوره"، كما اتهمت الحزب "بالمشاركة في التخطيط وإدارة المعركة"، معتبرة أن القضية لم تكن أمنية فحسب، بل سياسية أيضا، وأن "حرب الإلغاء" استمرت داخل السجون والمحاكم من خلال ما تصفه بمحاكمات "غير عادلة" وأحكام "جاهزة ومعلّبة".
وتحدثت شمس الدين عن السنوات التي أمضاها زوجها في السجن، وعن ظروف احتجاز قالت إنها انعكست بشكل خطير على صحته. وذكرت أنه أمضى عاما كاملا في سجن الريحانية "جائعا ومريضا"، قبل أن يُنقل إلى الحبس الانفرادي لـ 3 سنوات، حيث تعرّض إلى "التنكيل والضغط النفسي".
وترى أن المحكمة العسكرية التي حاكمته "لم تكن مستقلة، بل خاضعة لهيمنة الدولة العميقة"، معتبرة أن الأحكام التي صدرت بحقه ومجموعته جاءت ضمن "عدالة انتقائية".
وأضافت أن القضية انتهت بـ 9 أحكام بالإعدام و15 حكما بالمؤبد بحق الأسير ومجموعته، "من دون الأخذ بشهادات وأدلة وفيديوهات تؤكد من أطلق الرصاصة الأولى ومن أدار المعركة". وتؤكد أن ما يتعرض له الأسير لا يتعلق بشخصه فقط، بل بما "يمثله داخل الشارع السني في لبنان"، وأنه أصبح "رمزا لمظلومية أهل السنة وشعورهم بالتهميش".
ومن هذا المنطلق، تنظر شمس الدين إلى قانون العفو العام المطروح اليوم باعتباره امتدادا للصراع نفسه. وتقول إن المشروع الذي طُرح تحت عنوان معالجة ملف الموقوفين الإسلاميين، "مفخخ بالعراقيل"، معتبرة أن البنود المتعلقة بهؤلاء الموقوفين صيغت بطريقة تؤدي عمليا إلى استثنائهم من أي عفو فعلي.
وتقارن بين طريقة التعامل مع هذا الملف وملفات أخرى، كقضية الفارين إلى إسرائيل وبعض الجرائم الجنائية، معتبرة أن "التسهيلات تظهر هناك، بينما توضع الشروط عندما يتعلق الأمر بالموقوفين الإسلاميين". وتعتقد أن ما يطرح حاليا لا يتجاوز تخفيضات جزئية في الأحكام، فيما يبقى الأسير ومجموعته خارج أي معالجة حقيقية، "ما يعني استمرارا لسياسة الكيل بمكيالين".
ورغم السنوات الطويلة التي أمضاها الأسير في السجن، تؤكد زوجته أن التواصل معه ما زال قائما، عبر زيارات دورية واتصالات هاتفية من خلال المحامي. لكنها تقول إن وضعه الصحي "بات مقلقا"، بعد تدهور حالته نتيجة ظروف الاحتجاز، مشيرة إلى أنه خضع لعدة عمليات جراحية، وأبرز مشكلاته الصحية اليوم تتعلق بضعف عضلة القلب.
وترى أن لبنان يحتاج إلى "عدالة انتقالية" تسمح بطيّ صفحة الماضي، بدل استمرار الانقسامات والاتهامات، مؤكدة أن ما يريده مؤيدو الأسير هو "العيش بكرامة في بلد لا تُدار فيه العدالة بمعايير سياسية أو طائفية".
وبين أمٍّ ترى في أي عفو طعنة جديدة لدم ابنها، وزوجة تعتبر أن زوجها ضحية "محاكمة سياسية"، يبقى ملف عبرا واحدا من أكثر الملفات اللبنانية حساسية وانقساما، حيث لا تزال الدماء القديمة حاضرة في السياسة، كما في ذاكرة العائلات.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة