في واحدة من أكثر الأزمات المرتبطة بالحرب على غزة حساسية منذ أشهر، تحركت تركيا بسرعة لافتة عقب اعتراض إسرائيل لـ " أسطول الصمود العالمي" واحتجاز مئات النشطاء الدوليين المشاركين فيه.
وتحولت أنقرة في هذه الأزمة من مجرد دولة تدافع عن رعاياها، إلى ما يشبه "المظلة الدبلوماسية العالمية" لعشرات الجنسيات التي وجدت نفسها بلا حماية فعلية.
التحرك التركي لم يقتصر على بيانات التنديد أو الاتصالات السياسية التقليدية، بل شمل تنسيقاً متكاملاً بين وزارة الخارجية، وجهاز الاستخبارات، والخطوط الجوية التركية، وصولاً إلى إدارة عملية إجلاء واسعة من داخل إسرائيل.
مشهد قدمته أنقرة باعتباره دليلاً على قدرتها على لعب دور "الدولة الراعية" العابرة للحدود، والقادرة على تحويل أزمة إنسانية إلى مكسب سياسي وسردي ضد إسرائيل.
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أعلن بشكل مباشر أن أنقرة تحركت بكل مؤسساتها لضمان عودة المحتجزين، قائلا إن تركيا تعمل مع جميع المؤسسات المعنية لضمان سلامة المواطنين وعودتهم إلى البلاد، مؤكدا أن رحلات خاصة ستنقل الأتراك ومشاركين من دول أخرى إلى تركيا.
تصريح فيدان حمل دلالات أوسع من مجرد متابعة قنصلية، إذ قدم تركيا بوصفها مركز الإجلاء الرئيسي للنشطاء الدوليين، في وقت عملت تل أبيب على وضع عراقيل أمام نشطاء الأسطول.
وقال فيدان إن بلاده "ستواصل حماية حقوق مواطنيها والوفاء بمسؤوليتها الإنسانية تجاه المدنيين في غزة، وستواصل دعم الشعب الفلسطيني بحزم".
الرواية التي دفعت بها وسائل إعلام تركية وحسابات مقربة من دوائر القرار ركزت على نقطة محددة، أن تركيا لم تنقذ مواطنيها فقط، بل أصبحت المسار الوحيد لإجلاء ناشطين ينتمون لأكثر من 40 دولة، بينهم أوروبيون وعرب وآسيويون.
الكاتبة التركية نيسا نور تشاووش أوغلو وصفت المشهد بأنه مصدر فخر، مشيرة إلى أن تركيا وحدها تدير عملية إجلاء ناشطين من أكثر من 40 دولة، بينهم مواطنون أوروبيون.
وقال الصحفي التركي مجاهد أيدمير، المتواجد في مطار رامون جنوب إسرائيل، إن الطائرات الثلاث التابعة للخطوط الجوية التركية التي أرسلتها أنقرة لإجلاء نشطاء الأسطول وصلت إلى المطار قرابة الساعة الواحدة ظهرا، بالتزامن مع نقل النشطاء من سجون الاحتلال الإسرائيلي إلى المطار عبر مركبات خاصة.
وأضاف أن إجراءات الترحيل لا تزال مستمرة، في مشهد يعكس حجم التنسيق التركي لإدارة عملية الإجلاء ميدانيا.
أما الأكاديمي التركي الدكتور محمد مظهر شاهين، فاعتبر أن ما جرى نجاح دبلوماسي، قائلا إن إسرائيل هاجمت أسطول الصمود مرة أخرى ووضعت العالم كله في مواجهتها، مضيفا أن الدول الأخرى ستنقل مواطنيها عبر الطائرات التي سترسلها الخطوط الجوية التركية.
هذا الخطاب عزز صورة تركيا كدولة قادرة على ملء الفراغ الدبلوماسي الذي تركته دول غربية وعربية اكتفت غالبا ببيانات عامة أو تحركات محدودة.
اللافت في الحراك التركي كان الإصرار على إبراز التنسيق بين مؤسسات الدولة المختلفة، وهو ما دفع رودا منصات التواصل لتثمين هذا الأمر.
وأضاف الأكاديمي شاهين أشاد علنا بوزارة الخارجية وجهاز الاستخبارات التركي، معتبرا أن الدولة التركية أظهرت قوتها مرة أخرى ولم تترك مواطنيها في أسطول الصمود وحدهم.
وتحدثت حسابات تركية عن إدارة معقدة لعملية الإجلاء من داخل إسرائيل، شملت نقل المحتجزين من ميناء أسدود إلى سجن كتسيعوت، قبل التحضير لنقلهم جوا من مطار رامون جنوب إسرائيل.
الصحفية جميلة طاشدمير أثنت على إرسال الخطوط الجوية التركية ثلاث طائرات إلى مطار رامون لتنفيذ عمليات الإجلاء وإنقاذ نشطاء الأسطول.
في الأزمة الحالية، لم تظهر الخطوط الجوية التركية كشركة نقل فقط، بل كأداة ضمن السياسة الخارجية التركية.
إرسال طائرات إلى إسرائيل لإجلاء النشطاء منح أنقرة فرصة لتقديم نفسها باعتبارها الدولة الوحيدة القادرة على إدارة الممر الإنساني والسياسي للأزمة، خاصة مع تعدد الجنسيات المشاركة في الأسطول.
هذه الصورة أعادت إلى الأذهان أدوارا مشابهة لعبتها تركيا خلال أزمات إقليمية سابقة، حين استخدمت شبكاتها الجوية والدبلوماسية في عمليات إجلاء أو نقل إنساني، ما عزز صورتها كقوة إقليمية تتجاوز حدودها الجغرافية.
تركيا تعاملت مع الحالة من الزاوية الإنسانية في دعم نشطاء أسطول الصمود الذين كانوا في طريقهم لدعم ومساعدة أهل غزة، وفي الوقت الذي قدمت فيه إسرائيل اعتراض السفينة باعتباره إجراء أمنيا، ركزت أنقرة على توصيف العملية بأنها تدخل غير قانوني واحتجاز لنشطاء مدنيين من عشرات الدول.
ومن خلال تحويل إسطنبول إلى نقطة عبور دولية للمفرج عنهم، سعت تركيا إلى ترسيخ صورة إسرائيل كدولة معزولة تهاجم ناشطين دوليين، مقابل صورة تركيا باعتبارها الدولة الوحيدة التي تحركت عمليا لإنقاذهم.
الأكاديمي محمد مظهر شاهين لخص هذه الفكرة بقوله إن تركيا تواصل جهودها لعزل إسرائيل، التي كان العالم يوما ما مضطرا للتموضع إلى جانبها.
أسطول الصمود العالمي هو تحرك بحري دولي يضم ناشطين ومتضامنين من عشرات الدول، هدفه كسر الحصار المفروض على غزة وتسليط الضوء على الأوضاع الإنسانية داخل القطاع.
وترى أنقرة أن أهمية الأسطول لا تكمن فقط في محاولة الوصول إلى غزة، بل في كشف سياسات إسرائيل أمام الرأي العام العالمي، وهو الخطاب الذي تبنته شخصيات تركية عديدة عقب اعتراض السفينة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة