تشهد الساحة السياسية والقانونية الإسرائيلية في مايو/أيار 2026 غليانا غير مسبوق، مع اندفاع الائتلاف اليميني الحاكم بقيادة بنيامين نتنياهو نحو إقرار أحد أكثر التشريعات إثارة للجدل في تاريخ ديمقراطية الاحتلال، وهو قانون "فصل وتقسيم صلاحيات المستشارة القانونية للحكومة".
هذا التحرك، الذي يصفه الخبراء والمراقبون بأنه "الرصاصة الأخيرة" في جسد منظومة كوابح السلطة، يأتي في توقيت عاصف يتسم باقتراب شبح الانتخابات البرلمانية، وتصاعد أزمة تجنيد المتدينين ( الحريديم)، واستمرار محاكمة رئيس الوزراء في قضايا فساد، مما يرفع الستار عن الدوافع الحقيقية وراء هذه "الهندسة التشريعية" المتسارعة.
ولم تكن فكرة تقسيم منصب المستشارة القانونية وليدة الساعة، بل هي نقاش مؤسسي قديم حسمته الهيئات المهنية سابقاً برفض قاطع.
فوفقاً لتقرير صادر عن "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية" أعده الدكتور غاي لوريا والدكتور أمير فوكس يوم 27 أكتوبر/تشرين الأول 2025، فإن منصب المستشارة يشمل ثلاثة عناصر رئيسية: قيادة النيابة العامة وتمثيل الدولة أمام المحاكم وتقديم المشورة القانونية للسلطات.
ويشير الباحثان إلى أن "لجنة شامغار (1998) خلصت إلى أن هذا الفصل سيضر بفعالية الرقابة القانونية وصحة مبادئها التوجيهية"، محذرة من أن المخاطر تتمثل في "إضعاف استقلالية المستشارة والنيابة العامة، وتسييس مؤسسات إنفاذ القانون".
غير أن الائتلاف اليميني في عام 2026 اختار تجاهل هذه التوصيات التاريخية، ومع افتتاح الدورة الصيفية للكنيست، عاد القانون إلى الواجهة كأولوية قصوى.
وفي تقرير تحليلي نشره موقع "والا" بقلم آفي سولومون ويهودا شليزنجر، تبين أن قانون فصل مهام المستشارة "خطوة يراهن عليها أعضاء الليكود والائتلاف في الكنيست، في محاولة لعرض إنجازات في المجال القانوني بعد خيبة أمل داخل الائتلاف من عدم إحراز الإصلاح القانوني المأمول".
هذا التوجه يعكس رغبة اليمين في تقديم "جائزة ترضية" لقواعده الانتخابية الغاضبة من تجميد خطة "الانقلاب القضائي" الأصلية، مستغلاً أجواء الانتخابات الوشيكة لتسريع وتيرة التشريع.
وفي مقال كاشف نشره الباحث الأقدم في معهد الديمقراطية الإسرائيلي أمير فوكس في صحيفة هآرتس ، وصف الكاتب المقترح بأنه "تحت مسمى مضلل هو "تقسيم صلاحيات المستشارة القانونية"، يكمن تدمير كامل لجميع صلاحياتها".
وحذر فوكس من أن التعديلات الأخيرة "ستحوّل الكنيست والحكومة إلى مدينة ملاذ للمجرمين".
وتكشف صحيفة "كالكاليست" في تقرير لمحررها تسفي زارخيا عن الميكانيكية القانونية لهذه الحصانة المشبوهة، حيث ينص بند أُضيف في اللحظات الأخيرة على أن "فتح تحقيق جنائي ضد كبار المسؤولين -بمن فيهم رئيس الوزراء والوزراء وأعضاء الكنيست والقضاة- يتطلب موافقة محكمة ابتدائية، وأن توجيه لائحة اتهام ضدهم يتطلب أيضاً موافقة لجنة خاصة رفيعة المستوى مؤلفة من ثلاثة أعضاء، ثلثاها من السياسيين".
هذه الآلية المعقدة تسحب الصلاحية الحصرية من يد المدعي العام المهني المستقل وتضعها في يد لجان سياسية، مما يجعل محاكمة أي سياسي فاسد أو التحقيق في إخفاقات أمنية، مثل أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول، أمراً مستحيلاً عملياً.
لم تتوقف التحذيرات عند حدود تدمير الجهاز القضائي، بل امتدت لتصل إلى صلب الممارسة الديمقراطية ونزاهة صناديق الاقتراع.
ففي تقرير موسع لصحيفة "يديعوت أحرونوت" كتبته توفا زيموكي وأمير إيتينجر، نقلت الصحيفة المواجهة الحادة داخل لجنة الدستور، حيث صرخ الدكتور جيل ليمون، نائب المستشارة القانونية غالي بهاراف ميارا، قائلاً: "هناك خطر يهدد نزاهة الانتخابات.. القانون ليس مجرد قانون تقسيم، بل هو قانون إلغاء، فهو يلغي دور المستشارة كحارس للبوابة".
وأوضح ليمون خطورة تحويل منصب المستشار إلى "منصب قائم على الثقة" ترتبط مدته بمدة الحكومة، مبيناً أنه "إذا ما خضنا الانتخابات بمستشار قانوني ذي توجهات سياسية، فإن ذلك يشكل خطراً".
وضرب الكاتب مثالاً تفصيلياً: "لنفترض أن الحكومة قبل أسبوع من الانتخابات، ترغب في اتخاذ قرار ذي تأثير جوهري عليها، مثل توزيع أموال سياسية أو استغلال موارد الدولة للحملات الانتخابية، فبإمكانها أن تقرر أن رأي المستشار الذي ينص على عدم قانونية هذا القرار لا يلزمها".
وبموجب القانون الجديد، تصبح آراء المستشار القانوني "توصيات غير ملزمة"، وللحكومة الحق في استبداله بمحامٍ خارجي يشرعن تجاوزاتها ويسكت " الراية الحمراء" التي كان يرفعها المستشار المستقل أمام المحكمة العليا.
ويعكس الهجوم المضاد من النخبة المهنية والأمنية السابقة في إسرائيل قناعة بأن اليمين يقود الدولة نحو نموذج "استبدادي" خالص.
وفي حوار إذاعي عبر محطة "103 إف إم" نقلته صحيفة "معاريف" يوم 19 مايو/أيار 2026، شنّ عضو الكنيست يوآف سيغالوفيتش، وزير الأمن العام السابق ورئيس قسم التحقيقات السابق في الشرطة، هجوماً لاذعاً على القانون، معتبراً إياه "رساً وطحناً (سحقاً كاملاً) لجميع الضوابط والتوازنات".
وفكك سيغالوفيتش بنية الحكم الحالية بقوله: "اليوم لا نملك كنيست يمثل حكومة يراقبها، بل لدينا حكومة تسيطر على السلطة وتملك القوة المطلقة. جميع التحركات اليوم تتم عبر وكيل للحكومة، أما الكنيست؟ فلا دور له".
ودحض سيغالوفيتش المزاعم اليمينية بأن المستشارين يكبلون أيدي الوزراء، مستشهداً بخبرته الطويلة كعضو في الجهاز التنفيذي، واصفاً شكاوى الوزراء الحاليين بـ"التباكي البائس"، ومحذراً بالقول: "نحن في خضم حدث مجنون لتفكيك أنظمة الحكم.. ولن أسمح بتحويلنا إلى نظام استبدادي سلطوي".
ويكشف توقيت تمرير القانون عن شبكة معقدة من المصالح الشخصية والحزبية، فالائتلاف الذي يواجه تصدعات داخلية، نجح في حشد دعم الأحزاب الحريدية، مثل شاس ويهدوت هتوراه، لتمرير القانون رغم مقاطعتهم لتشريعات أخرى بسبب أزمة التجنيد.
وتشير صحيفة "كالكاليست" إلى أن الحزبين المتدينين صوّتا لصالح التشريع "بدافع الغضب والانتقام من المستشارة القانونية غالي بهاراف ميارا" التي جمدت ميزانيات مدارسهم الدينية وألغت إعفاء شبانهم من التجنيد العسكري.
هذا التحالف الانتقامي يسعى -وفق وصف أمير فوكس في مقال بهآرتس يوم 19 مايو/أيار 2026- إلى "فصل التوائم السيامية بوزارة العدل باستخدام منشار كهربائي عشوائي"، بدلاً من التخطيط المهني والدقيق، مما يخلط الملفات المدنية بالجنائية والسياسية بأسلوب يدمر سيادة القانون.
وفي المقابل، يدافع رئيس لجنة الدستور، اليميني سيمخا روتمان عن المشروع بالهجوم على المنظومة القضائية، متسائلاً بجرأة: "كيف سمحت المشورة القانونية بإملاء تعيين رئيس الأركان الفاشل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول خلال فترة انتخابات سابقة"؟ مستغلاً صدمة الفشل الأمني لشرعنة تصفية القضاء المستقل والسيطرة التامة على جهاز التحقيقات الشرطية "ماحاش" لإخضاعه لسيطرة سياسية مباشرة.
ويمثل إصرار اليمين الإسرائيلي على تقسيم منصب المستشارة القانونية عملية "تصفية سياسية" مقنعة بغطاء إداري، تهدف في جوهرها إلى تأمين حصانة مطلقة لنتنياهو وأركان حكومته من الملاحقة الجنائية، وتجريد النظام القضائي من قدرته على مراقبة نزاهة الانتخابات المقبلة، مما ينقل إسرائيل من "الديمقراطية التنافسية" إلى "السلطوية الديكتاتورية" التي تلتهم فيها السلطة التنفيذية باقي السلطات بلا رقيب.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة