قال الكاتب والمحلل السياسي البارز توماس فريدمان إنه بات جليا الآن أن الحزب الجمهوري انقسم إلى 3 فصائل مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المزمع إجراؤها في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
وحذر في مقال رأي بصحيفة نيويورك تايمز من أن الحزب الجمهوري الحاكم في الولايات المتحدة يشهد عمليات تطهير واسعة النطاق تستهدف إقصاء الأصوات التي ترفض التضحية بالمعايير الدستورية لصالح الرغبات الشخصية للرئيس دونالد ترمب، مؤكدا أن هذه الديناميكية تدفع بالبلاد نحو مسار شديد الخطورة قد يهدد أسس النظام الديمقراطي بأكمله.
وصنف فريدمان في مقاله الخريطة الداخلية للحزب الجمهوري إلى 3 تيارات أساسية؛ أولها تيار "لا لترمب أبدا" الذي يرفض الرئيس بشكل قاطع من الناحيتين الأخلاقية والسياسية.
وأوضح أن هذا الفصيل كان يضم محافظين تقليديين لكنه تآكل عملياً بوفاة جون ماكين، وإقصاء ليز تشيني من عضوية الحزب، واعتزال ميت رومني الحياة السياسية، وخسارة الجمهوري توماس ماسي عضو مجلس النواب عن ولاية كنتاكي الانتخابات التمهيدية أمام مرشح مدعوم مباشرة من ترمب.
أما التيار الثاني -طبقا لتصنيف فريدمان- فهم الجمهوريون الذين يتبنون شعار "أمريكا أولا"، ويمثله قادة مستعدون لدعم سياسات ترمب الاقتصادية والاجتماعية لكنهم يرفضون المساس بالدستور.
وهناك تيار ثالث يعده الكاتب بأنه الأكثر هيمنة داخل الحزب، وهو الذي يندرج تحت مسمى "ترمب أولا"، ويرى أن الولاء لترمب مقدّم على المؤسسات والقوانين والأعراف التقليدية للبلاد.
ووفقا للمقال، فإن الخطر الأكبر يتمثل في نجاح الرئيس وأنصاره في تصفية التيار الجمهوري التقليدي أو المعتدل داخل الحزب، محذرا من أن احتفاظ الجمهوريين بالكونغرس في الانتخابات المقبلة قد يفتح الباب أمام مزيد من التوسع في نفوذ ترمب، وربما حتى محاولات الدفع به نحو ولاية رئاسية ثالثة.
وركّز فريدمان على خسارة السيناتور الجمهوري بيل كاسيدي انتخابات الحزب التمهيدية بولاية لويزيانا باعتبارها نموذجا صارخا لهذا الانقسام، لا سيما بعد تصويته في السابق لصالح إدانة ترمب خلال المحاكمة التي عُقدت في مجلس الشيوخ الأمريكي عام 2021 لعزله من منصبه.
ونقل الكاتب في مقاله جانبا من تصريحات كاسيدي في خطاب قبوله الهزيمة في الانتخابات التمهيدية مؤخرا على يد مرشح من تيار "ترمب أولاً"، لتعكس عمق الأزمة الدستورية.
وفي تلك التصريحات قال كاسيدي، دون تسمية ترمب مباشرة: "دعونا نضع الأمور في نصابها الصحيح، إن بلادنا لا تتمحور حول فرد واحد، بل تتعلق برفاهية جميع الأمريكيين وبدستورنا. وإذا كان هناك من لا يفهم ذلك ويحاول السيطرة على الآخرين باستخدام أدوات السلطة، فهو يسعى لخدمة نفسه لا لخدمتنا، وهذا الشخص ليس مؤهلا ليكون قائدا".
وفي مقابل ذلك، جاء رد ترمب صريحا عبر وسائل التواصل الاجتماعي مؤكدا هذه المعادلة الجديدة حين كتب عن كاسيدي قائلا: "إن عدم ولائه للرجل الذي ساعد في انتخابه أصبح الآن جزءا من الأسطورة، ومن دواعي السرور أن نرى حياته السياسية قد انتهت". وهي العبارة التي اعتبرها الكاتب دلالة واضحة على أن معيار الولاء داخل الحزب لم يعد للدستور أو المبادئ، بل لترمب شخصيا.
كما توقف المقال عند تصريحات السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام الذي قال إن "هذا حزب دونالد ترمب"، معتبرا أن أي محاولة لتدميره ستنتهي بالخسارة السياسية.
ويرى فريدمان أن هذا الخطاب يعكس انتقال الحزب من كونه مؤسسة سياسية محافظة إلى كيان يدور بالكامل حول شخص الرئيس.
وانتقد الكاتب بشدة محاولات إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية خارج الدورة الزمنية المعتادة في الولايات التي يسيطر عليها الجمهوريون مثل إنديانا وجنوب كارولينا، بهدف تقليص فرص الديمقراطيين في الاحتفاظ بمجلس النواب.
فريدمان حذر من مغبة غياب الكوابح السياسية داخل الكونغرس إذا ما نجح تيار "ترمب أولا" في السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ
وحسب المقال، فعلى الرغم من أن الدستور الأمريكي ينص على إجراء تعداد سكاني كل 10 سنوات وإعادة توزيع مقاعد مجلس النواب بين الولايات بناءً على التغيرات السكانية، إلا أنه يلتزم الصمت حيال التوقيت الذي يمكن فيه للولايات إعادة ترسيم الدوائر.
ومع ذلك، فإن فريدمان يعتبر محاولات الجمهوريين إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية "غشاً محضاً"، مشيدا في الوقت نفسه بمواقف بعض قادة الحزب الذين رفضوا الانصياع لهذه الأوامر، مثل رئيس الأغلبية في مجلس شيوخ ولاية جنوب كارولينا، شين ماسي، الذي وقف ضد محو الدائرة الانتخابية الوحيدة التي يسيطر عليها الديمقراطيون ويمثلها النائب الأسود جيمس كلايبورن.
وحذر المقال من مغبة غياب الكوابح السياسية داخل الكونغرس إذا ما نجح تيار "ترمب أولا" في السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ.
كما لفت إلى أن استغلال الأدوات التشريعية والمالية -بما في ذلك الصندوق المالي المثير للجدل بقيمة 1.776 مليار دولار- يتجاوز الممارسات السياسية المعتادة ليصل إلى مرحلة تنذر بتفكيك النظام السياسي الأمريكي في حال استمرار تجاوز الخطوط الحمراء للأعراف الديمقراطية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة