آخر الأخبار

أطول رحلة جوية من إسرائيل.. ماذا وراء خط الطيران المباشر مع الأرجنتين؟

شارك

أعاد إعلان شركة "العال" الإسرائيلية طرح تذاكر رحلاتها المباشرة إلى الأرجنتين للحجز خلال شهر مايو/أيار الجاري، تسليط الضوء على مشروع الخط الجوي الذي يربط تل أبيب بالعاصمة بوينس آيرس، والمقرر تدشينه أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2026 كأطول رحلة طيران في تاريخ الشركة.

غير أن هذا المشروع لم ينطلق من حسابات تجارية فقط، بل ارتبط بإعلان سياسي. ففي مشهد احتفالي بالقدس المحتلة في 20 أبريل/نيسان الماضي، رحب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بضيفه الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، واصفا المشروع بأنه "أول خط مباشر بين البلدين".

ولم يقتصر المشهد على الترحيب الثنائي، بل برزت ملامح اصطفاف سياسي لافت بحضور السفير الأمريكي مايك هاكابي، الذي قال ممازحا إنه "سيكون أول من يشتري تذكرة"، واصفا الزعيمين بأنهما "أكبر أصدقاء الرئيس دونالد ترمب".

هذا الحضور والتصريحات التي رافقت الإعلان، قد تشير إلى أن الخط صمم ليحمل أبعادا سياسية تتجاوز حدود الطيران المدني.

مصدر الصورة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (يسار) يهمّ باحتضان الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي خلال جلسة عامة في الكنيست (رويترز)

تمدد سياسي في أمريكا اللاتينية

لا ينفصل هذا الخط الجوي عن حراك سياسي أوسع تقوده حكومات يمينية في أمريكا اللاتينية لتعزيز علاقاتها مع إسرائيل، إذ جاء الإعلان عنه ليترجم عمليا توقيع نتنياهو وميلي لـ"اتفاقيات إسحاق"، المستلهمة من "اتفاقيات أبراهام".

ويؤسس هذا الإطار الجديد لتعاون إستراتيجي يشمل التنسيق الأمني، ومكافحة "الإرهاب"، وتطوير قطاع الذكاء الاصطناعي مع دول كالإكوادور وكوستاريكا وباراغواي.

وقاد هذه الجهود خلف الكواليس السفير الأرجنتيني في إسرائيل، الحاخام أكسيل وانيش، الذي وصف المشروع بأنه "حلم إداري".

اختصار للوقت ودعم حكومي

حاليا، يعتمد المسافرون بين إسرائيل والأرجنتين على رحلات الترانزيت عبر أوروبا (مثل مدريد وباريس)، وتستغرق الرحلة بين 21 و33 ساعة.

إعلان

أما الخط المباشر الجديد، فسيقلص هذا الوقت إلى نحو 16.5 ساعة ذهابا و15.5 ساعة إيابا، ليقطع مسافة تتجاوز 12 ألف كيلومتر دون توقف، باستخدام طائرات " بوينغ 787 دريملاينر".

ورغم وجود طلب متزايد – إذ تشير بيانات شركة "سابري" التكنولوجية الأمريكية (Sabre) إلى سفر نحو 55,300 شخص بين البلدين عام 2025 (بزيادة 37% عن 2024، لكن أقل من 71,200 في 2019) – يواجه الخط عقبات لوجستية، فالطائرات الإسرائيلية ممنوعة من التحليق فوق دول أفريقية مثل ليبيا، ما يضطرها لاتخاذ مسار التفافي مكلف عبر البحر المتوسط والمحيط الأطلسي.

وبسبب المخاطر الاقتصادية للرحلات الطويلة جدا، اتخذت الحكومة الإسرائيلية خطوة ليست معتادة بتقديم دعم مالي لشركة "العال" يبلغ 20 مليون شيكل (نحو 5.4 ملايين دولار موزعة على 3 سنوات) لضمان استمرار الخط.

مصدر الصورة من مطار بن غوريون ستنطلق أولى الرحلات المباشرة إلى بوينس آيرس في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 (رويترز)

الرهان الديموغرافي وسياق الرحلة

يعتمد نجاح المشروع اقتصاديا على استقطاب الجالية اليهودية في الأرجنتين، وهي الأكبر في أمريكا اللاتينية (تتراوح التقديرات بين 180 ألفا و300 ألف نسمة).

وهذا الخط هو الأول من نوعه بين تل أبيب وبوينس آيرس تحديدا، لكنه ليس أول ربط جوي إسرائيلي مع أمريكا الجنوبية.

فقد سيرت شركة لاتام (LATAM) رحلات إلى سانتياغو وساو باولو حتى عام 2020، وسبق لـ"العال" تشغيل خط إلى ساو باولو عام 2008 أغلق لاحقا، فضلا عن اتفاقية رمز مشترك مع شركة الطيران الأرجنتينية عام 2017 لم تفضِ إلى رحلات منتظمة.

رمزية تاريخية: طائرة 1960 واختطاف أيخمان

إلى جانب الحسابات التجارية، يحمل طيران "العال" إلى بوينس آيرس رمزية تاريخية للإسرائيليين تعود لعام 1960، ففي 20 مايو/أيار من ذلك العام، استغل جهاز الموساد رحلة رسمية لطائرة "العال" لتهريب المسؤول النازي أدولف أيخمان بعد اختطافه.

تم تصعيد أيخمان للطائرة متخفيا بزي طاقمها، ونقل إلى إسرائيل ليحاكم ويعدم.

وتعد تلك الرحلة من أشهر رحلات "العال" إلى الأرجنتين، مما يمنح الخط الجديد بعدا تاريخيا في الذاكرة الإسرائيلية.

مصدر الصورة أدولف أيخمان يستمع إلى لائحة الاتهام الموجهة ضده في إسرائيل (غيتي)

تحفظات اقتصادية ومعارضة دستورية

هذا الاحتفاء السياسي لم يمنع الانتقادات، ففي إسرائيل، أفادت تقارير صحفية بوجود تحفظات لدى وزارة المواصلات من سحب طائرات "دريملاينر" من خطوط مربحة ( كالولايات المتحدة)، محذرة من أن تقليل العرض سيرفع أسعار التذاكر على الإسرائيليين المسافرين إلى أمريكا.

أما في الأرجنتين، فواجه الرئيس خافيير ميلي معارضة، إذ اتهمت النائبة اليسارية في الكونغرس ميريام بريغمان، الحكومة بإقحام البلاد في "حرب إمبريالية" دون تفويض مؤسساتي. وحذرت من أن القرارات المصيرية يجب أن تمر عبر البرلمان، وإلا ستعتبر تجاوزا للدستور.

أزمة باتاغونيا وهواجس الملاحقة القضائية

وفي الساحة اللاتينية، طرحت قراءات وانتقادات أخرى للمشروع، إذ اعتبر بعض المحللين أن الخط يخفي أهدافا أمنية وسياسية تهم إسرائيل بالدرجة الأولى.

ورأى الكاتب والمؤثر البرازيلي دييغو غوزارين أن إعلان المشروع يأتي ضمن مخطط كامل يهدف بالأساس إلى تأمين سفر الإسرائيليين دون عناء التعرض للاستجوابات الأمنية في المطارات الدولية، وخطر التعرض للإيقاف في حال المنتسبين للجيش الإسرائيلي والمتورطين في تنفيذ جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الشعب الفلسطيني.

إعلان

شعبيا، تثير السياحة الإسرائيلية حساسية متزايدة جنوبي الأرجنتين، ويتهم سكان محليون وناشطون سياحا إسرائيليين (كثير منهم جنود مسرحون) بالتسبب في حرائق ضخمة بمحميات "باتاغونيا" الطبيعية نتيجة الإهمال.

وكان آخرها حريق في يناير/كانون الثاني 2026 التهم 77 ألف هكتار وأدى لاعتقال سائح إسرائيلي.

مصدر الصورة يتهم سكان محليون وناشطون سياحا إسرائيليين بالتسبب في حرائق مماثلة بمحميات باتاغونيا (رويترز)

وبين اتفاقيات إسحاق السياسية، والدعم الحكومي الإسرائيلي للخط، والاعتراضات الدستورية والشعبية في الأرجنتين؛ يتجاوز مشروع خط "تل أبيب – بوينس آيرس" مجرد الطيران التجاري، ليصبح ملفا يجمع بين الدبلوماسية، والأمن، والتاريخ المعقد بين الجانبين.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا