آخر الأخبار

الحريديم يتملصون والاحتياط ينهار.. حرب الجبهات السبع تكسر جيش إسرائيل

شارك

في منتصف عام 2026، وتحت وطأة أطول حرب استنزاف تخوضها إسرائيل على سبع جبهات متزامنة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، يواجه الوعي الإسرائيلي زلزالاً وجودياً غير مسبوق، إذ لم تعد الأزمة تكمن في نقص السلاح أو تراجع الدعم الدولي، بل في جفاف الخزان البشري العسكري وتآكل عقيدة "جيش الشعب" التي تأسست عليها الدولة.

وبين تقارير عسكرية تحذر من "سقوط مروع"، وطروحات يمينية "انتهازية" تطالب باستيراد مرتزقة أجانب، تبدو الحلول المطروحة في العمق الإسرائيلي إما مستحيلة أو بمثابة رصاصة رحمة على الهوية اليهودية للجيش.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 مأزق القصر البريطاني.. أندرو خارج الواجهة لا خارج العائلة
* list 2 of 2 بكين بين ترمب وبوتين.. تهدئة مع واشنطن وتحصين للشراكة مع موسكو end of list

وكشفت التقارير الرسمية الصادرة في منتصف مايو/أيار 2026 عن عمق النزيف البشري الذي يعانيه جيش الاحتلال.

فوفقاً لتقرير المراسلة العسكرية المخضرمة كارميلا ميناشي عبر القناة 11 العبرية، يعاني الجيش من نقص حاد يبلغ 12 ألف جندي في الخدمة الإلزامية، بينهم ما بين 6000 و7500 جندي مقاتل في خطوط المواجهة الأمامية.

مصدر الصورة رئيس الأركان إيال زامير خلال لقاء مع عناصر من الجيش (المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي )

هذه الأرقام تتقاطع مع تقديرات رئيس الأركان إيال زامير المحدثة التي نقلها المحلل الاقتصادي شلومو ماعوز في صحيفة معاريف في 15 مايو/أيار 2026، والتي رفعت سقف العجز الميداني المباشر إلى 15 ألف جندي، منهم 9 آلاف مقاتل.

وقد انعكس هذا العجز البشري على قوات الاحتياط؛ حيث ارتفعت أيام الخدمة السنوية من 25 يوماً إلى ما بين 80 و100 يوم، وسط تلميحات عسكرية بأن "نواة الكتائب تصل الجبهات منهكة تماماً والعائلات تنهار".

وفي المقابل، تؤكد المعطيات التي نشرها المراسل العسكري أور هيلر عبر القناة 13 أن هناك 116 ألف شاب من المتدينين ( الحريديم) مصنفون أو في طريقهم للتصنيف كـ"متهربين من التجنيد"، يشكلون 75% من أصل 80 ألف متهرب من الخدمة العسكرية، في تمرد صريح على سيادة القانون.

إعلان

أزمة القيادة الميدانية

وفي سياق متصل بتآكل البنية العسكرية من الداخل، سلّط المحلل العسكري الإسرائيلي أفي أشكنازي الضوء في تقرير له نُشر بصحيفة معاريف على عمق الفجوة القيادية الخطيرة في صفوف القوات البرية.

وكشف أشكنازي بالأرقام أن الجيش يعاني حالياً من نقص حاد يبلغ 300 ضابط في مناصب قادة الفصائل ضمن التشكيل القتالي للجيش البري.

مصدر الصورة انتشار لقوات الاحتياط بالجيش الإسرائيلي في جنوب سوريا (المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي)

وأوضح المحلل العسكري أن الأزمة الأكبر تتركز في سلاح الهندسة القتالية، الذي يعاني عجزاً هائلاً في قادة الفصائل وقادة فرق التخريب والتدمير.

وبحسب أشكنازي، فإن الجيش يواجه صعوبة بالغة في إقناع الجنود الأكفاء بالالتحاق بدورة الضباط بسبب حجم الاستنزاف الهائل، مما اضطره للاستعانة برقباء قدامى ليعملوا كقادة فصائل بالإنابة، فضلاً عن تعيين ضباط في قيادة السرايا دون أن يجتازوا الدورات التأهيلية المخصصة لذلك.

ثقافة الكذب البنيوي

وفي مقال شديد اللهجة نشرته صحيفة معاريف في 17 مايو/أيار 2026، هاجم اللواء (احتياط) يتسحاق بريك -المعروف بانتقاداته اللاذعة واستشرافه لإخفاقات الجيش- النخبة السياسية والمعارضة الإسرائيلية بقيادة يائير لبيد و نفتالي بينيت وغادي آيزنكوت، متهماً إياهم ببيع الأوهام للجمهور لغايات انتخابية.

وأوضح بريك أن الادعاء بأن الجيش يقاتل ببراعة هو "نصف حقيقة أسوأ من الكذب"، مؤكداً أن الجيش دخل الحرب وهو صغير الحجم، وغير مدرب، ويعاني من أزمات لوجستية حادة.

مصدر الصورة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت (حساب بينيت على منصة إكس)

وكتب: "إن من يخفون عن العامة حقيقة غياب الانضباط العملياتي الذي تسبب في خسائر فادحة، وثقافة الكذب، وانعدام المصداقية في التحقيقات، والوضع المتردي لقادة السرايا… يخشون أن تُفسد الحقيقة فرحتهم الانتخابية".

وحذر بريك من التمسك بالمفهوم القديم القائم على فكرة "الجيش التكنولوجي الصغير"، مؤكداً أن التهديدات المحيطة بإسرائيل تنمو "كالفطر بعد المطر"، وأن الجيش بصيغته الحالية عاجز عن تحقيق الحسم عسكرياً.

مرتزقة الفيلق الأجنبي

أمام الاستحالة السياسية لتجنيد "الحريديم"، ظهرت في الصحافة الإسرائيلية أطروحات صدمت الشارع الصهيوني، فقد دعا المحلل الاقتصادي شلومو ماعوز في صحيفة معاريف إلى استغلال احتياطيات إسرائيل من النقد الأجنبي البالغة 236 مليار دولار (38.4% من الناتج المحلي الإجمالي) لإنشاء "الفيلق الأجنبي الإسرائيلي".

ويقوم المقترح على تجنيد 12 ألف مرتزق أجنبي محترف (من كولومبيا، وأوروبا الشرقية، والولايات المتحدة) برواتب مغرية تتراوح بين 8 و10 آلاف دولار شهرياً، مقتدين بالنموذج الأوكراني والفيلق الأجنبي الفرنسي، وبكلفة إجمالية تصل إلى 3 مليارات دولار سنوياً، ليكونوا بمثابة "مزود للخدمات الأمنية" يخفف العبء عن جندي الاحتياط الذي يكلّف الاقتصاد المحلي ما بين 27 و35 ألف شيكل شهرياً.

مصدر الصورة "مرتزقة في إسرائيل".. كيف تُجند إسرائيل الأجانب في جيشها؟ (الجزيرة)

هذا المقترح الصادم الذي صاغه أكاديميون وعسكريون بارزون مثل رئيس معهد القدس للاستراتيجية والأمن البروفيسور اليميني إفرايم عنبار والعميد ساسون حداد (المستشار المالي السابق لرئيس الأركان)، واجه هجوماً لاذعاً من قِبل الكاتب سامي بيريتز في صحيفة ذا ماركر في 24 أبريل/نيسان 2026.

إعلان

سخر بيريتز من فكرة "خصخصة الموت" وتحويل الدفاع عن إسرائيل إلى مهنة عمالة وافدة، واصفاً الطرح بأنه "حل سياسي انتهازي" يحمي تملص الحريديم على حساب الهوية الصهيونية للجيش.

وكتب: "إذا كان الصينيون يبنون شققنا، والتايلانديون يقطفون خضراواتنا… فلماذا لا يتولى النيجيريون أو الكاميرونيون مهمة الدفاع عن الخط الأصفر في غزة؟ ولماذا نوكل اقتحام بنت جبيل لـ جيش من المرتزقة؟".

وحذر بيريتز من أن المرتزقة سيتحولون إلى أدوات للعمليات الانتحارية والمجازر التي لا يمكن السيطرة عليها، مستدعياً إرث ميليشيا الكتائب اللبنانية في مجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982.

معضلة الابتزاز السياسي

وبينما يستغيث الجيش لتمديد الخدمة الإلزامية إلى 36 شهراً ورفع أيام الاحتياط إلى 70 يوماً سنوياً لمواجهة تداعيات جبهة لبنان والحروب مع إيران، تقف الحكومة مشلولة أمام ابتزاز الأحزاب الدينية.

فقد أصدر زعيم الطائفة الحريدية الليتائية، الحاخام دوف لاندو، أمراً صريحاً لأعضاء الكنيست من حزب "ديجل هتوراة" بالتصويت لحل البرلمان فوراً، رداً على عجز الائتلاف الحاكم عن تمرير "قانون إعفاء الحريديم" من التجنيد، مما يضع إسرائيل أمام معضلة دستورية وعسكرية مركبة؛ حيث يرتبط تشريع تمديد الخدمة لجنود الاحتياط والخدمة النظامية بملف الحريديم العالق، مع اقتراب القنبلة الموقوتة في يناير/كانون الثاني 2027 المتمثلة في التقليص التلقائي للخدمة الإلزامية إلى 30 شهراً.

مصدر الصورة جنود إسرائيليون يحملون جثمان جندي قتل في لبنان (رويترز)

وتشير خلاصة مقالات هارتس، ومعاريف، وهيئة البث والقناة 13 المنشورة إلى أن معطيات عام 2026 تثبت أن إسرائيل تعيش مأزقاً بنيوياً استعصى على الحل؛ فنقص القوى البشرية في الجيش يعكس عجز "الصهيونية الواقعية" عن الموازنة بين الحفاظ على ائتلاف سياسي يحمي التهرب من التجنيد للحريديم، وبين جيش مستنزف ميدانياً؛ مما يجعل خيارات "استيراد المرتزقة" أو "تفكيك الائتلاف" اعترافاً صريحاً بنهاية عقيدة "جيش الشعب" وبدء التآكل الداخلي للدولة العبرية من عمقها الأمني.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا