آخر الأخبار

صناعة بملايين الدولارات.. هكذا تلعب شركات إدارة السمعة الرقمية لتحسين صور عملائها

شارك

كشف تحقيق مطول لصحيفة نيويورك تايمز عن عالم خفي لشركات "إدارة السمعة الرقمية"، من خلال تتبع جهود شركة أمريكية تدعى "تيراكيت" لمحاولة إعادة صياغة الصورة العامة لكاثرين روملر، المستشارة العامة لبنك غولدمان ساكس والمسؤولة السابقة في إدارة الرئيس باراك أوباما، بعد انكشاف حجم علاقتها برجل الأعمال المدان بجرائم الاتجار الجنسي جيفري إبستين.

وأوضح التحقيق كيف تحولت إدارة السمعة في العصر الرقمي إلى صناعة بملايين الدولارات، تستخدم أدوات تقنية معقدة للتأثير على نتائج البحث في غوغل، وصناعة روايات إيجابية، وإغراق الإنترنت بمحتوى محسوب بعناية بهدف دفع الأخبار السلبية إلى الصفحات الخلفية من نتائج البحث، حيث يقل احتمال وصول المستخدمين إليها.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 إيبولا يعود بسلالة نادرة.. ماذا نعرف عن تفشي "بونديبوغيو"؟
* list 2 of 2 خطة الكماشة.. كيف يسعى سموتريتش لإسقاط السلطة وإفراغ الضفة؟ end of list

بدأت القصة -حسب كاتب التحقيق روبرت درابر- في عام 2024 عندما أصبحت كاثرين روملر محط اهتمام إعلامي متزايد بسبب ظهور اسمها ضمن وثائق وتقارير تربطها بإبستين، الذي ظل لسنوات محور فضائح تتعلق بالاستغلال الجنسي والاتجار بالقاصرات.

ورغم أن روملر لم تُتهم بارتكاب أي جريمة، فإن مجرد ارتباط اسمها بإبستين شكّل تهديدا خطيرا لمكانتها داخل غولدمان ساكس، أحد أكبر البنوك الاستثمارية في العالم، خاصة أن منصبها يضعها ضمن النخبة القانونية والمالية الأمريكية.

مصدر الصورة تراكيت من أكثر شركات إدارة السمعة نفوذا وسرية وارتفاعا في التكاليف (الجزيرة عن موقع تراكيت)

في تلك اللحظة دخلت شركة "تيراكيت" على الخط، وهي شركة تتخذ من مدينة سيراكيوز في نيويورك مقرا لها، وتعد من أكثر شركات إدارة السمعة نفوذا وسرية وارتفاعا في التكاليف في الولايات المتحدة، إذ يدفع بعض عملائها -كما تقول الصحيفة- ما بين 5 و10 ملايين دولار سنويا مقابل خدماتها.

خطة "تنظيف" السمعة

وبحسب الوثائق الداخلية والتسجيلات الصوتية التي حصلت عليها الصحيفة، عقد مسؤولو تيراكيت اجتماعات خاصة لمناقشة كيفية "إنقاذ" صورة روملر على الإنترنت، وذلك بهدف تقليل ظهور أي نتائج تربطها بإبستين في محركات البحث، واستبدالها بمحتوى إيجابي يبرز إنجازاتها المهنية والأكاديمية.

إعلان

ولهذا الغرض استخدمت الشركة سلسلة من الأساليب التقنية والإعلامية، من بينها إنشاء موقع شخصي لروملر، وبناء صفحات تعريفية متعددة عنها على مواقع جامعات ومؤسسات مرموقة، ثم إعداد نسخ مختلفة من سيرتها الذاتية، وتحسين ظهور المحتوى الإيجابي في نتائج غوغل، مع مراقبة نتائج البحث بشكل يومي وتحليل تحركات الخوارزميات.

الفكرة الجوهرية لعمل هذه الشركات هي أن المستخدم العادي لا يتجاوز غالبا الصفحة الأولى من نتائج البحث، وبالتالي فإن دفع الأخبار السلبية إلى صفحات متأخرة يخفف كثيرا من أثرها على الرأي العام

وكانت الفكرة الجوهرية -حسب التحقيق- هي أن المستخدم العادي لا يتجاوز غالبا الصفحة الأولى من نتائج البحث، وبالتالي فإن دفع الأخبار السلبية إلى صفحات متأخرة يخفف كثيرا من أثرها على الرأي العام.

الهندسة الرقمية للرواية

ووصف التحقيق بالتفصيل كيف تعمل شركات إدارة السمعة الحديثة التي باتت تمثل مزيجا بين العلاقات العامة والهندسة التقنية وتحليل الخوارزميات، إذ بدلا من حذف الأخبار السلبية -وهو أمر شبه مستحيل في الإعلام الرقمي- تسعى هذه الشركات إلى إغراق الإنترنت بمحتوى بديل يجعل الأخبار المسيئة أقل ظهورا وأضعف تأثيرا.

مصدر الصورة حالة روملر تعقدت بسبب نشر كم هائل من ملفات إبستين تكرر فيه ظهورها آلاف المرات (الأوروبية)

كما تستخدم الشركات أساليب مثيرة للجدل، مثل إنشاء حسابات تحرير وهمية، وتعديل صفحات ويكيبيديا بصورة غير مباشرة، ثم نشر مقالات ومدونات ذات طابع إيجابي، مع استغلال علاقات العملاء مع الجامعات والمؤسسات الكبرى لنشر ملفات تعريف محسّنة.

وضرب التحقيق مثالا بالملياردير روبرت إف. سميث، وهو رجل أعمال أمريكي من أغنى الأمريكيين السود، وقد اشتهر بسداد ديون مئات الطلاب الجامعيين، لكنه واجه لاحقا اتهامات بالتهرب الضريبي.

وقد عملت تيراكيت على إعادة تشكيل حضوره الرقمي عبر تعزيز محتوى أعماله الخيرية، وإنشاء مواقع وصفحات مستقلة تبرز نشاطه الإنساني، ثم نشر ملفات تعريف متعددة في المؤسسات التي دعمها ماليا.

وبمرور الوقت، تراجعت أخبار التحقيقات الضريبية المتعلقة بالملياردير إلى نتائج بحث متأخرة، وبدلا منها تصدرت قصص نجاحه وثروته وأعماله الخيرية المشهد الرقمي.

مصدر الصورة نتائج غوغل لم تعد مجرد انعكاس محايد للواقع، بل أصبحت ساحة صراع ومعارك خفية للتحكم في الصورة العامة (غيتي)

انهيار خطة إنقاذ روملر

أما حالة روملر فكانت أكثر تعقيدا من غيرها، إذ بدأت لجان في الكونغرس ووزارة العدل الأمريكية بنشر ملايين الوثائق المتعلقة بإبستين في أواخر عام 2025، وظهر اسم روملر فيها آلاف المرات.

وتضمنت الرسائل الإلكترونية المنشورة عبارات ودية بين روملر وإبستين، إضافة إلى حديث عن سفر وهدايا ونصائح قانونية، مما نسف عمليا كل الجهود التي بذلتها تيراكيت على مدار نحو عامين، بعد أن أصبح حجم المعلومات المتدفقة أكبر من قدرة أي حملة رقمية على احتوائها أو إخفائها.

وفي النهاية أعلنت روملر استقالتها من غولدمان ساكس في فبراير/شباط 2026، رغم استمرار البنك في دعمها رسميا، كما يقول تحقيق نيويورك تايمز.

وأشار الكاتب إلى أن التحقيق لم يقتصر على قصة روملر وحدها، بل قدم صورة أوسع عن عصر أصبحت فيه السمعة تُدار تقنيا كما تُدار الحملات السياسية والإعلانية، كما أوضح أن نتائج غوغل لم تعد مجرد انعكاس محايد للواقع، بل أصبحت ساحة صراع تخوض فيها الشركات والأثرياء والحكومات معارك خفية للتحكم في الصورة العامة وإعادة تشكيل الانطباعات.

إعلان

وانتهى التحقيق بخلاصة وصفها الكاتب بالقاسية، وهي أن هناك أحيانا حقائق يصعب دفنها مهما بلغت الأموال وتطورت تقنيات التلاعب الرقمي، وختم بمقولة رجل الأعمال الأمريكي وارن بافيت إن "بناء السمعة يستغرق عشرين عاما، لكن تدميرها يحتاج إلى خمس دقائق فقط".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا