في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تحوّل مفهوم وقف إطلاق النار في جنوب لبنان من أداة دبلوماسية لوقف الأعمال القتالية إلى إطار يستخدم لإدارة الصراع ضمن حسابات عسكرية وسياسية متداخلة، حيث تتقاطع لغة التهدئة مع واقع ميداني ضاغط يشهد غارات واشتباكات بوتيرة متسارعة ومستمرة.
هذا التباين بين النصوص والوقائع يضع الهدنة أمام اختبار عملي معقد، ويعيد طرح سؤال جوهري حول ما إذا كانت تمثل توقفا للحرب أم مجرد إعادة تنظيم لها ضمن سقوف سياسية وأمنية جديدة.
في هذا السياق، تبدو الهدنة أقرب إلى توازن هشّ قابل للاهتزاز في أي لحظة، إذ لا تقوم على وقف شامل للعمليات بقدر ما تعكس إدارة مؤقتة للتصعيد، تُبقي خطوط الاشتباك مفتوحة ضمن حدود منضبطة نسبيا، لكنها غير مستقرة بما يكفي لضمان تحولها إلى تسوية دائمة.
وتواصل إسرائيل عملياتها العسكرية في جنوب لبنان مستفيدة من غياب الضغط الأمريكي الفعّال الذي يلزمها باتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيّز التنفيذ في 17 أبريل/نيسان وتم تمديده مدة 45 يوما.
وهذا عرض لأبرز التطورات الميدانية والسياسية التي رافقت الهدنة الهشة، واستمرت بعد إعلان تمديد الهدنة، وما أعقبه من تباينات في التفسير والتطبيق على الأرض.
ويُنظر إليه على أنه صيغة توافقية تنظم العلاقة بين الأطراف المتحاربة ضمن أطر قانونية معترف بها، وفق ما تقرره مبادئ اتفاقيات لاهاي المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية.
نظريا، يفترض أن يضمن وقف إطلاق النار حماية المدنيين ويمنع أي عمليات هجومية، ويوجِد بيئة مستقرة لتسوية أوسع، لكن هذا التعريف يبقى رهينا بطريقة تطبيقه على الأرض، حيث تختلف الصياغات السياسية عن الوقائع الميدانية.
في القراءة الإسرائيلية -وفقا للشواهد القائمة اليوم في لبنان وغزة- لا يُنظر إلى وقف إطلاق النار على أنه إيقاف كامل للعمليات العسكرية، بل إعادة تنظيم لها ضمن سقف سياسي وأمني، وتقوم هذه المقاربة على استمرار العمليات القتالية لـ"إحباط التهديدات"، حتى خلال فترات التهدئة.
وتستند تقارير إعلامية إسرائيلية، من بينها ما نشر اليوم في صحيفة "يسرائيل هيوم"، إلى أن تمديد التفاهمات يُفهم داخل دوائر سياسية وأمنية على أنه منح وقت إضافي من قبل الإدارة الأمريكية لاستمرار العمليات ضد حزب الله، وليس تجميدا كاملا لها، وهو نمط يطُبق حاليا في ساحات أخرى ك قطاع غزة.
كما يهدف التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان إلى تهيئة الظروف للدولة اللبنانية كي تقوم بنزع سلاح حزب الله، ووفق خبراء، تسعى تل أبيب إلى عزل المسار الأمني عن السياسي لوضع الدولة اللبنانية في الزاوية، ورفع التكلفة عليها حتى تدخل في صدام مع حزب الله.
ونقلت هيئة البث الإسرائيلية أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أبلغ وزراء حكومته بأن الجيش سيبقى في المناطق التي احتلها بجنوب لبنان، خلال فترة وقف إطلاق النار.
تتعامل الولايات المتحدة مع وقف إطلاق النار بوصفه أداة لإدارة النزاع لا لإنهائه بشكل نهائي، وتُصاغ التفاهمات عادة بما يتيح هامشا واسعا لإسرائيل للتحرك تحت بند "الدفاع عن النفس"، بالتوازي مع دعم مسار سياسي تدريجي.
في هذا الإطار، يُنظر إلى التمديد المتكرر للهدن على أنه آلية لخفض حدة التصعيد دون فرض توقف كامل للعمليات العسكرية، بل إدارة توازنات ميدانية قابلة للتعديل.
ووفقا لمراقبين، تأتي هذه المقاربة ضمن توجه أوسع لدى واشنطن يقوم على دفع الحكومة اللبنانية للعمل باتجاه نزع سلاح حزب الله، في مقابل الحفاظ على الوضع القائم في الجنوب دون تغييرات جوهرية على مستوى الوجود الإسرائيلي في الجنوب اللبناني، مما يعكس سياسة تقوم على إدارة التوازنات القائمة أكثر من السعي إلى إعادة صياغتها بشكل نهائي.
في المقابل، يرفض حزب الله التخلي عن سلاحه، ويشدد على أنه "حركة مقاومة" لإسرائيل التي تحتل مناطق بجنوب لبنان، بعضها منذ عقود وآخر خلال حرب 2023-2024.
تشير المعطيات الميدانية في لبنان إلى أن الهدنة لم تُترجم إلى توقف فعلي للأعمال القتالية، حيث تسجل بشكل شبه يومي عشرات الغارات الجوية والمدفعية في مناطق متعددة من الجنوب، شملت صور و صيدا و النبطية و بنت جبيل، إضافة إلى تحليق مكثف للطائرات المسيّرة وإنذارات إخلاء متكررة.
كما أُفيد بسقوط قتلى وجرحى مدنيين وتدمير منازل وبنى سكنية، وفي المقابل، يواصل حزب الله تنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة ضمن ما يصفه بمعادلة استنزاف متبادل.
وبحسب وكالة الإعلام اللبنانية، قُتل 7 أشخاص وأصيب 6 آخرون، السبت، جراء نحو 100 هجوم إسرائيلي على الأراضي اللبنانية، في إطار خروقات جديدة لاتفاق وقف إطلاق النار الهش، الساري منذ 17 أبريل/نيسان الماضي.
بين النصوص الدبلوماسية والوقائع الميدانية، تبدو الهدنة أقرب إلى إطار لإدارة التصعيد منها إلى إنهاء الحرب، فبدل إيقاف شامل للنار، تتشكل حالة "تصعيد متقطع" تسمح باستمرار العمليات العسكرية ضمن حدود سياسية مرنة.
وهكذا، يتحول وقف إطلاق النار إلى مساحة زمنية لإعادة توزيع القوة، لا إلى لحظة توقف نهائي، مما يفسر الفجوة المستمرة بين الخطاب السياسي والواقع على الأرض.
ووفق مراقبين، يظل مستقبل الهدنة رهينا بتوازنات ميدانية وسياسية متحركة، مما يجعلها أقرب إلى مرحلة انتقالية قابلة للتطور نحو تهدئة أوسع أو الانزلاق مجددا إلى تصعيد أشمل، بحسب اتجاهات الفعل العسكري ومسارات التفاوض القائمة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة