الخرطوم- بقلق بالغ تحمل فاطمة إبراهيم (40 عاما) طفلها الرضيع الذي لا يتجاوز عمره ستة أشهر ويعاني من هزال شديد وحمى مرتفعة. وتقول بصوت تخنقه العبرات: "طفلي لا يرضع منذ ثلاثة أيام. كان يعاني من سوء تغذية، والآن أصيب بالحمى والطفح الجلدي".
بعض الأهالي أخبروا فاطمة، وهي نازحة من الفاشر إلى منطقة دربات بجبل مرة، أن طفلها قد يكون مصابا بـ"جدري القرود". وتقول: "ليس لدينا دواء، ولا مستشفى، وأخاف أن أفقده".
أما فايزة محجوب (32 عاماً)، وهي أيضاً نازحة من الفاشر إلى المنطقة ذاتها، فقالت للجزيرة نت إن المنطقة تشهد "تدهوراً مريعاً" في الأوضاع الصحية، وهي في أمس الحاجة إلى تدخل عاجل.
وأضافت: "لا يوجد لقاحات، ولا طبيب، ولا دواء. بعد خروج مستشفى دربات عن الخدمة، تتفشى الحصبة والجدري بصورة كبيرة، والسكان لا يستطيعون فعل شيء".
في منطقة جبل مرة الوعرة، الواقعة في ولاية وسط دارفور، غرب السودان، تنتشر مخيمات النزوح المكتظة بآلاف الأسر الفارة من جحيم الحرب في الفاشر والمناطق المجاورة، وفيها يلتقي الجوع بالمرض مع غياب شبه كامل للخدمات الصحية.
فبعد ثلاث سنوات من الحرب، تحولت المنطقة إلى بؤرة ساخنة للأوبئة، وسط انهيار تام للقطاع الصحي وتوقّف برامج التطعيم (اللقاحات) الروتينية لأكثر من ثلاث سنوات مضت.
وفي هذا المشهد الإنساني الكارثي، أعلنت غرف الطوارئ في منطقة "ديرا دربات" (شرقي جبل مرة) عن تسجيل نحو 37 حالة إصابة مؤكدة بـ"جدري القرود"، بالتزامن مع انتشار متسارع لمرض "الحصبة" الذي أودى بحياة العشرات من الأطفال في دارفور.
ويتزامن هذا التداخل الوبائي الخطير مع خروج آخر معقل طبي في المنطقة عن الخدمة منذ أشهر، مما يعرّض أي إصابة بسيطة لخطر الموت.
يصف عضو غرفة طوارئ منطقة "ديرا دربات" شرقي جبل مرة رباني حسين الوضع هناك بـ"الكارثي". ويقول للجزيرة نت: "تم تسجيل إصابات مؤكدة بجدري القرود في منطقة دايرا وسوني بأعلى سفح الجبل، بينما تنتشر الحصبة بشكل متسارع في عموم الدائرة".
ويحذر حسين من التداخل بين الوبائين، ويقول إنه "يضع الأسر أمام خطر حقيقي، خاصة مع ضعف المناعة"، مؤكدًا أن الأطفال والنساء الحوامل هم الأكثر تضرراً.
يقول المراقبون والأهالي إن هذه الموجة الوبائية لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج طبيعي لانهيار القطاع الصحي في دارفور بعد ثلاث سنوات من الحرب.
ووفقاً لتقرير صدر عن منظمة الصحة العالمية في 14 أبريل/نيسان الماضي، لا تزال 37% من المرافق الصحية في السودان خارج الخدمة.
كما وثقت المنظمة 217 هجوماً على قطاع الرعاية الصحية منذ بدء الحرب، أسفرت عن 2052 وفاة و810 إصابات، مبينة أن هذا الدمار جعل الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية، وحتى حقنة اللقاح البسيطة، شبه مستحيل.
يقول حمزة حسن، مسؤول الإعلام بغرفة طوارئ منطقة طويلة وجبل مرة، للجزيرة نت، إن الأطفال هم الأكثر تضرراً. وأضاف: "الحصبة التي كان يمكن الوقاية منها بلقاحات بسيطة أصبحت اليوم قاتلة بسبب انقطاع حملات التطعيم لأكثر من ثلاث سنوات. وفي ظل سوء التغذية المنتشر، فإن مناعة الأطفال أصبحت شبه معدومة".
وتشير منظمة اليونيسف إلى أن 4.2 ملايين طفل في السودان يعانون من سوء التغذية الحاد، بينهم 825 ألف حالة خطيرة.
وفي جبل مرة، يلتقي الجوع بالمرض في دائرة مفرغة لا تنتهي، حيث لا يموت الأطفال من الجوع فقط، بل لأن مناعتهم الضعيفة تجعلهم فريسة سهلة للأمراض التي كان يمكن الوقاية منها.
وفي أحدث تقييم ميداني للأوضاع الصحية في مناطق جبل مرة، كشف آدم رجال، المتحدث الرسمي باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين في دارفور، للجزيرة نت، عن أرقام تعكس حجم الكارثة.
وأوضح رجال أن المنسقية رصدت أكثر من 200 حالة مشتبه بإصابتها بمرض جدري القرود في مناطق جبل مرة، غالبيتهم من الأطفال، إلى جانب 259 حالة بالسعال الديكي و116 حالة إصابة بأمراض جلدية أخرى.
وأضاف أن هذه الأرقام تؤكد أن المخيمات تحولت إلى بؤر لتفشي الأوبئة، محذراً من أن استمرار انهيار القطاع الصحي وضعف التمويل الدولي سيزيد الوضع سوءاً.
وفجوة التمويل البالغة 428 مليون دولار تهدد وفقاً لتحذيرات مفوضية شؤون اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي بتقليص المساعدات الأساسية عن 1.3 مليون لاجئ سوداني في تشاد، وتنعكس تداعياتها بشكل مباشر على جبل مرة.
ويؤكد رجال أن الآلاف من النازحين يعيشون في ظروف كارثية، ويفتقرون للغذاء الكافي والمياه النظيفة والخدمات الصحية الأساسية، داعياً المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل.
يُعد مستشفى دربات الريفي آخر معقل طبي كان يخدم آلاف الأسر في منطقة جبل مرة الشرقية. لكنه خرج عن الخدمة قبل أشهر؛ بسبب انقطاع الإمدادات الطبية وضعف التمويل المقدم من المنظمات الدولية.
يروي عبد الله موسى (45 عاماً)، وهو نازح ومتطوع صحي في غرفة طوارئ ديرا، للجزيرة نت، تجربته مع المصابين في المنطقة، ويقول: "كنا ننقل المرضى المصابين بالحمى النزفية إلى مستشفى دربات، لكنه الآن مهجور. لا توجد أسرّة، ولا أدوية، ولا أطباء".
ويضيف: "نحن نحاول عزل الحالات المشتبه بها داخل المنازل، لكننا نفتقد إلى أدنى مقومات العزل الصحي. هذا يعني أن العدوى ستنتشر بشكل أسرع".
من ناحيتها، تؤكد أريج ضيف الله، وهي من الفريق الطبي بمستشفى دربات، للجزيرة نت أن معظم الحالات يتم نقلها إلى مناطق أخرى بعيدة، مشيرة إلى أن الأطفال والأمهات الحوامل هم الأكثر تضرراً، حيث يموت غالبيتهم في طريق النقل إلى طويلة ومناطق أخرى. وطالبت بضرورة توفير الدعم وإعادة تشغيل المستشفى، وخاصة جناح النساء والتوليد.
وفي خضم هذه الكارثة الصحية المتصاعدة، خرجت غرف الطوارئ في منطقة ديرا لتدق ناقوس الخطر، محذرة من أن الوضع تجاوز قدراتها الهزيلة. وأطلقت هذه الغرف، التي تعتمد على متطوعين وإمكانيات شبه معدومة، نداء استغاثة عاجلاً.
وجاء في النداء أن "الوضع الصحي في دائرة ديرا ليس سيئاً فحسب، بل هو في حالة انهيار شامل. المرضى والأطفال والنساء يواجهون قدرهم دون غطاء طبي، في ظل ندرة الأدوية وانعدام الكوادر الطبية. نناشد المنظمات الصحية الدولية التدخل العاجل لتوفير اللقاحات والأدوية والمعدات الطبية الأساسية".
وطالب عضو غرفة طوارئ ديرا رباني حسين المجتمع الدولي بالتحرك الفوري، مبيناً أن غرف الطوارئ تعمل بتطوع كامل، وإمكانياتها شبه معدومة. وقال: "نحن بحاجة ماسة لدعم عاجل قبل أن تخرج هذه الأوبئة عن السيطرة تماماً".
في جبال مرة، لا يختلف الموت بالرصاص عن الموت بالمرض؛ أطفال يموتون من الحصبة، وآخرون يصارعون جدري القرود، وأمهات يبحثن عن دواء لا وجود له، في وقت تحولت فيه المستشفيات إلى ركام أو أغلقت أبوابها بسبب نقص الإمدادات.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة