آخر الأخبار

"لو كان أبنائي هنا لأعالوني".. مسنون سودانيون وحيدون في قبضة المرض والعجز

شارك

السودان- في خيمة بالية من الخيش لا تحمي من حر الصيف ولا من برد الشتاء، بمخيم "أردمي" للاجئين بشرق تشاد، يجلس هارون مصطفى (73 عاماً) وحيداً، بعد أن فقد أبناءه بين قتيل وضائع في دروب النزوح، وتوفيت زوجته قبل سنوات. لم يبق له سوى جسد نحيل تلتهمه الأمراض المزمنة، وذاكرة وطن.
يتجه هارون ببصره غارقاً في صمت طويل، ويهمس بصوت بالكاد يُسمع: "لم يعد أحد يسأل عني. لا أدري أين أولادي. لا أملك شيئاً سوى رحمة الله. ذبحنا الجوع والعراء".
قصة هارون ليست استثناء. إنها نموذج لمأساة يعيشها مئات الآلاف من كبار السن النازحين السودانيين في شرق تشاد ومنطقة طويلة (68 كيلومتراً غرب الفاشر)، الذين تُركوا وراءهم في زحمة الحرب، وأصبحوا الفئة الأكثر تهميشاً وإهمالاً في أزمة إنسانية من الأكبر في العالم.

مصدر الصورة يعاني المسنون السودانيون من العزلة والمرض وحيدون في مخيمات النزوح (الجزيرة)

لا مؤنس ولا معيل

ولا يعاني كبار السن في "أردمي" و"طويلة" من الجوع والمرض فقط، بل يقاسون عزلة تزيد معاناتهم أضعافاً. معظمهم فقدوا أبناءهم بين قتيل أو مشتت في مدن النزوح ودول الجوار.

مصدر الصورة مسنة سودانية في مخيم طويلة وحيدة تنتظر ما لا يأتي (الجزيرة)

تقف عائشة آدم (67 عاماً)، نازحة من الفاشر إلى منطقة طويلة، في طابور طويل أمام مركز توزيع المساعدات. تقول للجزيرة نت: "نأتي كل أسبوع إلى هنا، ونقف في الشمس لساعات. كثير من الأحيان نعود خالي الوفاض. أبنائي وأحفادي ضائعون، لو كانوا هنا لأعالوني".

ويجلس إبراهيم موسى (78 عاماً)، لاجئ في مخيم أردمي، على الأرض خارج خيمته، بالكاد يتحرك بسبب آلام المفاصل. يقول للجزيرة نت: "لا أستطيع الذهاب إلى المركز الصحي؛ فالطريق طويل. أدويتي نفدت منذ شهرين، ولم يعد أحد يجلب لي دواء الضغط الذي أنا في أمس الحاجة إليه".

أما فاطمة محمد (70 عاماً)، نازحة في مخيمات طويلة، فتنهار باكية: "فقدت زوجي واثنين من أبنائي في الحرب. ابني الوحيد المتبقي يُكافح من أجل لقمة العيش في مدينة أخرى. أنا خائفة من الموت هنا وحيدة".

وحيدون في خيام بالية

يقول آدم رجال، المتحدث الرسمي باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين في دارفور، للجزيرة نت إن الملايين يعيشون كارثة إنسانية مفجعة في مخيمات شرق تشاد ومنطقة طويلة، وكبار السن هم الفئة الأكثر تضرراً، والأقل حظاً في الحصول على المساعدات.

إعلان

لا يستطيع هؤلاء قطع المسافات الطويلة لجلب الماء، كما يعجزون عن الوقوف لساعات في طوابير التوزيع، وكثير من كبار السن يفضلون البقاء في خيامهم، ويموتون في صمت دون أن يشعر بهم أحد، ودون دواء ولا معيل. ووجه آدم رسالة إلى العالم: "لا تنسوا السودانيين في مخيمات اللاجئين والنازحين، فهم ينتظرون الموت في صمت لا يُسمع".

وحسب تقديرات المنسقية الميدانية تصل نسبة كبار السن والعجزة إلى 20% من إجمالي النازحين في بعض المناطق.

مصدر الصورة مصطفى بره رئيس هيئة ضحايا الإبادة الجماعية في دارفور / مخيم أردمي (الجزيرة)

ومن جانبه، يقول مصطفى بره، رئيس هيئة ضحايا الإبادة الجماعية والناشط الحقوقي داخل مخيم أردمي، للجزيرة نت: "هؤلاء المسنون هم من بنوا هذا البلد بأيديهم. واليوم، تُرِكوا وحيدين في خيام بالية، لا أحد يسأل عنهم".

وأوضح بره أن كبار السن يعانون من تفاقم الأمراض، وأدويتهم تنفد، وأجسادهم تنهار في صمت لا يكاد يسمعه أحد، وكثير منهم يفقدون الأمل في العودة إلى ديارهم.

وأضاف أن المنظمات الإنسانية غير قادرة على تلبية احتياجاتهم الأساسية، وهم يموتون ببطء أمام أعيننا، دون أن يمد لهم العالم يد العون.

مصدر الصورة مشهد من مخيم اردمي بشرق تشاد (الجزيرة)

إرادة التمسك بالوطن

وفي تحليل للأسباب النفسية والاجتماعية وراء مأساة كبار السن، يرى الدكتور محمد سليمان أتيم، الباحث والمستشار في علم الاجتماع، في حديثه للجزيرة نت، أن بعض المسنين رفضوا المغادرة مع أبنائهم إلى أماكن أكثر أماناً، وفضلوا البقاء في منازلهم تمسكاً بذاكرتهم ووطنهم، مما أدى إلى بقائهم وحيدين بلا راعٍ أو معين.

ويوضح أتيم أن التغيرات الديموغرافية في مناطق النزوح تلعب دوراً كبيراً، فالأسر التي نجت من الحرب فقدت شبابها ورجالها، تاركة كبار السن والنساء والأطفال فقط، وهم الأقل قدرة على تحمل تبعات النزوح. ويشير أتيم، وفقاً لتقديراته الميدانية، إلى أن 80% من الأسر في بعض المخيمات باتت تعولها نساء أو مسنون، مما يضاعف الأزمة ويهدد بقاءهم.

ويضيف الباحث: "كثير من كبار السن في دارفور يرفضون فكرة النزوح ويعتبرون البقاء في أرضهم واجباً وطنياً، ولكن نتيجة لظروف الحرب القاسية، تضطر العائلات إلى تركهم في الخلف، مع غياب أي آلية حماية أو رعاية بديلة".

أرقام صادمة

جاء في بيان مشترك، صدر في 9 أبريل/نيسان 2026 عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي، أن تشاد تستضيف حالياً 1.3 مليون لاجئ سوداني، وصل أكثر من 900 ألف منهم منذ اندلاع الحرب في عام 2023. وتكشف المنظمات أن فجوة تمويلية قدرها 428 مليون دولار تهدد بتقليص المساعدات الأساسية المنقذة للحياة، بما في ذلك الغذاء والماء والمأوى.

وتعاني أكثر من 80 ألف أسرة حالياً من نقص حاد في المأوى بسبب نقص التمويل، وتتجاوز نسبة الكثافة الطلابية في الفصول الدراسية 100 طفل لكل معلم في بعض المخيمات. وفي شرق تشاد، يعيش اللاجئون على أقل من نصف الحد الأدنى اليومي من المياه الضروري للبقاء.

وكان تقرير، صادر في 15 أبريل/نيسان 2026 عن منظمة الصحة العالمية، قد شدد على حجم الانهيار الصحي في السودان، حيث لا تزال 37% من المرافق الصحية خارج الخدمة. وجاء فيه أن أكثر من 21 مليون شخص في السودان بحاجة إلى مساعدات صحية عاجلة، وأن المنظمة وثقت 217 هجوماً على قطاع الرعاية الصحية منذ بدء الحرب، أسفرت عن 2,052 وفاة و810 إصابات.

إعلان

وفي مخيم أردمي وطويلة، تنتظر أعداد لا تُحصى من كبار السن الموت في عزلة تامة. يختم هارون مصطفى حديثه، وكأنه يلخص مأساة جيل بأكمله: "هل سمعتم عن عجوز خرج من بيته بعد 70 عاماً؟ خرج حافياً يجر خطاه. ليس لدي أحد. أخاف أن أموت هنا ولا يعلم أحد. لا تنسونا… نحن من بنى هذا البلد".
وفي شرق تشاد ومنطقة طويلة، لا تزال صرخات هارون وعائشة وإبراهيم تائهة في صمت عالمي لا يبالي. فبينما تتساقط أيامهم في خيام بالية لا تحميهم، تواصل الفجوة التمويلية تهديد حياة مئات الآلاف من كبار السن..
فهل سيتذكر العالم هؤلاء الأجداد والجدات الذين بنوا السودان بأيديهم، قبل أن يغادروا الحياة في خيام النزوح؟ أم أن صرختهم ستظل حبيسة الخيام، تذوب في رمال صحراء دارفور القاسية؟

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا