في وقت كانت فيه أجهزة الاستخبارات الفرنسية ترفع درجة استنفارها لمواجهة "خطر داهم" قد يأتي من موسكو أو بكين، جاءت الضربة من "حليف" غير متوقع، إذ كشفت تحقيقات صحفية فرنسية وإسرائيلية عن فضيحة تدخل سيبراني منظم قادته شركات تتخذ من تل أبيب مقرا لها، استهدف تقويض المسار الديمقراطي في فرنسا وتشويه سمعة مرشحي اليسار، وبالذات من حزب " فرنسا الأبية" خلال الانتخابات البلدية الأخيرة.
وكشف تحقيق مشترك أجرته صحيفتا ليبراسيون الفرنسية وهآرتس الإسرائيلية عن عملية تضليل رقمية استهدفت مرشحي هذا الحزب عبر مواقع مجهولة وحسابات وهمية ومنشورات مدفوعة هدفت إلى تشويه شخصيات عُرفت بدعمها لغزة وانتقادها لإسرائيل.
السلطات الفرنسية صنّفت العملية باعتبارها تدخلا رقمياً أجنبيا، بينما قادت الأدلة التقنية إلى شبكة مرتبطة بإسرائيل وشركات مقرها تل أبيب
التحقيق أشار إلى أن السلطات الفرنسية صنّفت العملية باعتبارها تدخلا رقميا أجنبيا، بينما قادت الأدلة التقنية إلى شبكة مرتبطة بإسرائيل وشركات مقرها تل أبيب.
وأوضح التحقيق أن هذه الحملات استهدفت تحديدا الشخصيات المؤيدة لفلسطين، حيث سعت إلى ربط دعم غزة بالتطرف والإسلام السياسي.
ووصف التقرير هذه العملية بأنها جزء من حرب معلومات حديثة استخدمت فيها شركة نخبوية متخصصة في التأثير والسيبرانية والتكنولوجيا، صُممت لعصر حروب المعلومات الحديثة.
التحقيق تتبع البنية الرقمية المستخدمة في العملية إلى كيان غامض يدعى بلاكور، قالت عنه السلطات الفرنسية إنه يقف خلف هذه الهجمات، كما كشف أن البنية التقنية قادت إلى شركتين في تل أبيب هما غلاكتيكوس وأس أن آي، المرتبطتين بأشخاص عمل بعضهم سابقا في وحدة 8200 الإسرائيلية المتخصصة في التجسس السيبراني.
والأغرب، وفقا لما كشفته ليبراسيون هو ظهور اسم المدير السابق لهيئة الأمن السيبراني الإسرائيلية يغال أونا، كأحد الفاعلين في محيط هذه الشركات، مما يرفع سقف الشبهات من مجرد عمل شركات خاصة إلى "شبهة تدخل دولة".
ورغم نفي الشركات الإسرائيلية أي صلة لها بكيان بلاكور، فإن التحقيق لفت إلى أن المواقع والبنية الرقمية المرتبطة بهذه الشبكة اختفت بالكامل بعد ساعات فقط من تواصل الصحفيين مع مسؤولي تلك الشركات، في مؤشر اعتبره معدّو التحقيق دليلا إضافيا على حساسية الشبكة وطبيعة نشاطها السري.
من جانبه، ذهب موقع ميديا بارت إلى ما هو أبعد من الكودات والأسلاك، مسلطا الضوء على الأثر الميداني لهذه العملية، فالحملة لم تكن عشوائية، بل اختارت ضحاياها بدقة بناء على مواقفهم المؤيدة لغزة والمناهضة للسياسات الإسرائيلية.
ففي مدينة تولوز، خسر المرشح فرانسوا بيكيمال بفارق ضئيل، وهو ما حدا بهذا المرشح إلى القول إن الانتخابات "سُرقت" بفعل آلة التضليل الإسرائيلية.
وأوضحت ميديا بارت أن الحملة استخدمت أسلوب الاغتيال المعنوي عبر إنشاء مواقع وهمية مثل "البديل 2026″، الذي ادعى كذبا أن مرشحي "فرنسا الأبية" يسعون لتطبيق "الشريعة"، بهدف تخويف الناخبين التقليديين وصناعة " إسلاموفوبيا" تصب في مصلحة اليمين.
وأجمعت الصحف على أن ترسانة التضليل شملت:
وحسب هذه الصحف الفرنسية فإن هذه الفضيحة تضع الوكالة المسؤولة عن مكافحة التدخل الأجنبي في موقف حرج، وأصبح السؤال الذي يتردد اليوم في أروقة السياسة الفرنسية: هل تنجح باريس في حماية انتخاباتها الرئاسية المقبلة عام 2027؟
وبينما يطالب نواب "فرنسا الأبية" القضاء بإلغاء نتائج الانتخابات في المدن المتضررة، يرى مراقبون أن اكتفاء الحكومة بـ"التنديد التقني" دون اتخاذ إجراءات دبلوماسية حازمة ضد تل أبيب، يفتح الباب أمام تحول فرنسا إلى "ساحة مباحة" لشركات التأثير السيبراني العابرة للحدود.
وخلصت هذه التغطيات إلى أن مثل هذه الحرب لا تُخاض بالرصاص، بل بـ"البيانات" و"الخوارزميات"، محذرة من أن الديمقراطية الفرنسية باتت اليوم في مرمى نيران حليف يتقن فنون الحرب النفسية بقدر إتقانه للصمت الدبلوماسي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة