آخر الأخبار

الخليل تعيش النكبة منذ 78 عاما أملا بالعودة

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في زاوية صغيرة من ذاكرة اللجوء، يحتفظ الحاج أبو أسامة النجار بمفتاح قديم وقارورة تراب، لا يراهما مجرد مقتنيات من زمن مضى، بل ما تبقى من وطن غادره جسدا ولم يغادره قلبا. في كل عام، ومع حلول 15 مايو/أيار، يعود الفلسطينيون إلى حكايات النكبة الأولى، لكن في الخليل تبدو الذكرى وكأنها حدث مستمر لا يتوقف عند حدود التاريخ.

يجلس الحاج أبو أسامة ممسكا بمفتاح بيته في بلدة الفالوجة المهجرة، يحدق فيه كما لو أنه ما زال قادرا على فتح الباب الذي أغلق قبل قرابة ثمانية عقود. يقول بثقة لم تضعفها السنوات "إن شاء الله سأعود إلى هذا البيت، وأسكن فيه، وكل شيء، إن شاء الله". ثم يضيف بابتسامة خافتة "والرجعة قريبة، قريبة إن شاء الله".

وبين يديه قارورة صغيرة ملأها بتراب بلدته. يفتحها ببطء، يقرب التراب من وجهه، ويستنشق رائحته كمن يستعيد عمرا كاملا في لحظة واحدة. بالنسبة له، لم تتحول الفالوجة إلى ذكرى بعيدة، بل بقيت حياة مؤجلة تنتظر العودة.

وفي مكان آخر من الخليل، تبدو النكبة بصورة أكثر قسوة وحداثة. على ركام منزل هدمته الجرافات، يجلس أبو أنس محاطا بأحفاده، يروي لهم الحكاية التي سمعها من والده عن التهجير الأول، لكنه هذه المرة لا يتحدث عن ماض بعيد، بل عن واقع يعيشه أطفاله كل يوم.

الغرف التي كانت تضج بالحياة تحولت إلى حجارة متناثرة، والبيت الذي كان يجمع العائلة اختفى من المكان. وبينما يلعب الأطفال كرة القدم قرب الركام، يرفرف علم إسرائيلي في الخلفية، في مشهد يلخص تناقض الحياة الفلسطينية؛ طفولة تحاول أن تعيش، واحتلال حاضر في كل تفصيل.

نكبة دائمة

يقول أبو أنس بصوت يختلط فيه الغضب بالمرارة "حبذا لو أننا نستقر في خيمة أيضا، حتى الخيمة ممنوعة". ويضيف أن العائلة نصبت أربع خيام متتالية بعد عمليات الهدم، قبل أن تمنع من ذلك أيضا. بالنسبة إليه، النكبة لم تكن حدثا وقع عام 1948 ثم انتهى، بل "نكبة دائمة ومستمرة منذ ثمانية وسبعين عاما".

إعلان

ويصف الرجل ما يعيشه الفلسطينيون بأنه سلسلة متصلة من الخسارات، قائلا "النكبة سلسلة، هي استمرار، النكبة سلسلة". ثم يستعير بيتا شعريا يلخص صبر الفلسطينيين الطويل: "سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري".

ومن ركام البيوت إلى طرق المخيمات، تتخذ النكبة شكلا آخر من أشكال المعاناة اليومية. ثائر الشريف، وهو شاب فلسطيني من مخيم العروب، يبدأ يومه برحلة عبور شاقة قبل الوصول إلى عمله. خمس بوابات وحواجز تفصل بينه وبين حياته اليومية، في مشهد يراه امتدادا مباشرا لمعنى اللجوء والحصار.

يودع ثائر أصدقاءه قائلا "ادعوا لنا"، قبل أن يبدأ رحلته المعتادة عبر الحواجز. ويقول إن المخيم الذي نشأ أصلا نتيجة اللجوء بات اليوم محاصرا بقيود جديدة؛ بوابات عسكرية، اقتحامات، انتظار طويل، وتفتيش يومي.

ويضيف "منذ 78 عاما لغاية اليوم نحن نعيش نكبة تتلوها نكبة، نحن في معتقل داخل معتقل كبير، محاط بالبوابات، بالاستيطان، بجيش الاحتلال، بالاقتحامات اليومية، وبالخطر".

ولا تتوقف معاناة اللاجئين عند البيوت المهدمة أو الحواجز العسكرية، بل تمتد أيضا إلى المؤسسات التي أنشئت لخدمتهم. ففي وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية وأزمات التمويل التي تواجه وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، يشعر كثير من اللاجئين أن التقليصات في التعليم والصحة والإغاثة ليست سوى فصل جديد من فصول النكبة المستمرة.

وبين مفتاح يحتفظ به مسن ينتظر العودة، وأطفال يلعبون فوق ركام بيتهم، وشاب يعبر الحواجز كل صباح، تبدو النكبة في الخليل حكاية يومية لا تروى فقط في المناسبات، بل تعاش في تفاصيل الحياة الفلسطينية كلها؛ في البيت، والمخيم، والطريق، وحتى في الحلم المؤجل بالعودة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا