في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في الوقت الذي تتسابق فيه العواصم الأوروبية لزيادة إنفاقها الدفاعي إلى مستويات غير مسبوقة، يعلو صوت الفاتيكان خارج منطق التعبئة العسكرية، ليحذر البابا ليو الرابع عشر من عالم يعاد تشكيله "بقوة السلاح لا بقوة الدبلوماسية".
ومنذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تصاعدت الضغوط الأمريكية على الدول الأوروبية لزيادة إسهاماتها داخل حلف شمال الأطلسي ( الناتو)، مما دفع الإنفاق العسكري الأوروبي إلى مستويات قياسية تجاوزت 864 مليار دولار خلال العام الجاري، وهو الأعلى منذ نهاية الحرب الباردة.
وأثمرت هذه الضغوط عن موافقة دول الحلف على خطة تدريجية لرفع الإنفاق العسكري ليصل إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، وتشمل الخطة تخصيص 3.5% لتعزيز القدرات الدفاعية التقليدية عبر تحديث الترسانات العسكرية وزيادة أعداد القوات، إلى جانب 1.5% إضافية موجهة للاستثمار في مجالات الأمن السيبراني والاستخبارات والبنية التحتية المرتبطة بالتنقل العسكري.
لكن البابا ليو الرابع عشر رفض توصيف هذا المسار "إنفاقا دفاعيا"، قائلا إن إعادة التسلح لا تنتج أمنا حقيقيا، بل تغذي التوتر وتستنزف الموارد المخصصة للتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية.
ومن قلب روما، ارتفعت رسالة البابا لتتحول إلى مواجهة فكرية وأخلاقية مع منطق القوة المهيمن على العالم، في نقد صريح ومتجدد لما يُسمى "العقيدة الترمبية" التي ترى الأمن تفوقا عسكريا لا شراكة إنسانية.
بهذا المعنى، فإن انتقاد البابا لا يتعلق بالأرقام وحدها بل بطبيعة التحول الذي يضرب النموذج الأوروبي نفسه، فالقارة التي بنت هويتها السياسية بعد الحرب العالمية الثانية على أساس دولة الرفاه الاجتماعي والتكامل الاقتصادي، تجد نفسها اليوم أمام إعادة ترتيب للأولويات تدريجيا، لتميل نحو أولوية الأمن العسكري على أولويات التنمية والخدمات العامة.
لكن البابا يرى أن هذه المقاربة تحمل تناقضا أخلاقيا عميقا، فالدول التي تقول إنها تسعى لحماية شعوبها، تسهم في الوقت نفسه في إنتاج بيئة عالمية أكثر عنفا وأقل استقرارا.
لذا وصف البابا ليو إعادة التسلح بأنها "خيانة للدبلوماسية"، في تعبير يعكس حدة غير معتادة في خطاب رأس الكنيسة الكاثوليكية، ويشير في الوقت نفسه إلى انتقاد مباشر للنخب السياسية والاقتصادية في أوروبا المستفيدة من اقتصاد الحرب.
ولعل أكثر ما يمنح موقف البابا ثقله هو أنه لم يكتف بانتقاد السياسات الأوروبية، بل ربطها مباشرة بالحروب الدائرة في العالم، من أوكرانيا إلى غزة مرورا ب لبنان و إيران، موضحا أن طبيعة الصراعات الحديثة لم تعد تقليدية، بل باتت مختبرا لتقنيات عسكرية متقدمة، على رأسها أنظمة الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة.
ويحذر البابا من أن هذا التطور يغيّر طبيعة الحرب ذاتها، إذ يجعل القرار العسكري أقل ارتباطا بالبشر وأكثر خضوعا للأنظمة التقنية والخوارزميات، مما يخلق ما يصفه بمسار "تجريد الحرب من بعدها الإنساني"، وتحويلها إلى عملية قتل أكثر برودة واتساعا.
كما وجّه البابا انتقادات واضحة لمحاولات توظيف الدين في تبرير النزاعات المسلحة، مؤكدا أن الرسالة المسيحية لا يمكن أن تُستخدم غطاء للعنف أو الهيمنة، مشددا على أن الإيمان لا يتسق مع منطق الحرب، وأن استخدام الرموز الدينية في سياقات عسكرية يمثل انحرافا عن جوهر الرسالة الروحية.
هذه المواجهة الفكرية ظهرت بوضوح أيضا في مواقف البابا من الحرب على إيران، فبينما تبنت واشنطن و تل أبيب خطابا يقوم على استعراض القوة والتهديد العسكري، دعا البابا إلى وقف "عبادة استعراض القوة" والعودة إلى طاولات الحوار والوساطة، كما انتقد بشدة استخدام الرموز الدينية في تبرير العمليات العسكرية، قائلا إن الله "لا يبارك أي حرب".
وفي عظة ألقاها أواخر مارس/آذار الماضي، شدد البابا على رفض استخدام اسم "يسوع" (المسيح عيسى) لتبرير الحروب، مؤكدا أن "يسوع لا يستجيب لصلوات الذين يشنون الحروب، بل يرفضها".
وأضاف بابا الفاتيكان في العظة نفسها "نميل إلى اعتبار أنفسنا أقوياء عندما نهيمن، ومنتصرين عندما ندمر نظراءنا، وعظماء عندما يخافنا الآخرون"، ثم أردف "لقد أعطانا الله مثالا، ليس عن كيفية الهيمنة بل عن كيفية التحرير، وليس عن كيفية تدمير الحياة بل عن كيفية منحها".
كما حذر البابا ليو الرابع عشر -في عظة ألقاها خلال قداس يوم 2 أبريل/نيسان- من تشويه الرسالة المسيحية، مؤكدا أنها "شُوّهت في كثير من الأحيان برغبة في الهيمنة، وهي رغبة غريبة تماما عن نهج يسوع المسيح"، وأشار إلى أن المسيحية تُستَخدم أحيانا في مسارات لا تنسجم مع تعاليم الكنيسة الكاثوليكية، بحسب وصفه.
ورغم محاولات التهدئة التي رافقت زيارة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو للفاتيكان، فإن البابا لم يغيّر خطابه أو يخفف لهجته، بل بدا أكثر إصرارا على تقديم نفسه صوتا عالميا مضادا لمنطق الحرب والنفوذ العسكري، وهو ما يمنح تصريحاته الأخيرة بشأن الإنفاق العسكري الأوروبي بعدا يتجاوز أوروبا نفسها، ليصبح جزءا من معركة أوسع بشأن شكل النظام الدولي المقبل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة