في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
عدن- لم يكن مقتل الدكتور عبد الرحمن الشاعر عملية استثنائية في مدينة أنهكتها الاغتيالات، فقد سبقه لذات المصير أئمة مساجد وأكاديميون وإعلاميون و"قيادات في المقاومة"، وبقيت وراءهم أسئلة معلقة: من خطّط؟ ومن أطلق الرصاص على الناس؟
اغتيل الشاعر أواخر أبريل/نيسان الماضي، ووري الثرى السبت في مقبرة أبو حربة بحي إنماء في عدن.
كان الحزن يطبق على الناس وهم يشيعون القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح ومدير مدارس النورس الأهلية.
ومن بين الحشود، كان صوت خالد عبد الرحمن، نجل الشاعر، امتدادا لحزن العائلة وقلق المدينة. شكر المشيعين وقرأ في حضورهم رسالة واضحة لوقف الاغتيالات، قائلا للجزيرة نت: "إلى هنا وكفى لمثل هذه الجرائم التي طالت كثيرا وهددت سلم المجتمع".
وأضاف أن أسرته "متماسكة وصابرة ومحتسبة كما علمها والدها"، لكنها تنتظر استكمال الإجراءات وضبط جميع الجناة، بمن فيهم من أمروا بالقتل، لأن إفلاتهم من العقاب "لا يضر أسرة واحدة فقط، بل يهدد المجتمع بأكمله".
غير أن أثر الاغتيالات في عدن لا يُقاس بما تثيره الجرائم الجديدة من خوف فحسب، بل بما تتركه الجرائم السابقة من وجع مفتوح داخل بيوت الضحايا. فخلف كل اسم سقط برصاص مجهولين، أسرة عالقة بين حزن لا يهدأ وقضية لا تتحرك، وأطفال ينتظرون آباء لن يعودوا، وملف ينتظر أن يتحول من رقم في سجل أمني إلى عدالة مكتملة.
من جانبه، قال سالم الدعوسي -شقيق الناشط علي محمد الدعوسي الذي اغتاله مسلحون مجهولون أمام منزله قبل أعوام- إن قضية شقيقه "ما تزال مجمدة منذ ذلك اليوم"، دون الكشف عن المتهمين أو تحريك الملف أمام النيابة.
وأضاف للجزيرة نت: "منذ اغتيال شقيقي وحتى اليوم لم نلمس أي تقدم حقيقي في القضية، ولم نعرف من قتله أو من يقف خلف الجريمة. نتمنى فقط أن يتحقق القصاص، وأن تأخذ العدالة مجراها"، مؤكدا أن "تأثير الجريمة لا يمكن وصفه، بما حملته من قسوة وظلم وحرمان. فقدانه ترك أثرا كبيرا في قلوب أبنائه وأسرته، وما زال الوجع حاضرا حتى اليوم".
وفي منزل آخر، تتكرر الحكاية بوجه مختلف؛ حيث تحدث عبد الله باوزير عن والده إيهاب باوزير، مدير إدارة تحفيظ القرآن الكريم في عدن، الذي اغتاله مسلحون مطلع ديسمبر/كانون الأول 2021.
يقول إن قضية والده "لم تشهد أي جديد حتى الآن".
وأوضح للجزيرة نت: "كلما ذهبنا لمتابعة القضية يماطلوننا، وما يزال الملف واقفا في الشرطة، رغم مطالبنا المستمرة بتحويله إلى النيابة واستكمال الإجراءات القانونية".
وتابع: "فقدان الوالد لم يكن أمرا عابرا في حياتنا؛ فقد ترك فراغا كبيرا وألما مستمرا، خصوصا أن الأسرة فقدت سندها ومعيلها، وما زلنا ننتظر معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة".
تحدثت الجزيرة نت أيضا لرئيس رابطة أسر ضحايا الاغتيالات في عدن المهندس خالد محمد سعد، وهو شقيق محافظ عدن جعفر محمد سعد الذي اغتيل في ديسمبر/كانون الأول 2015.
يقول خالد إن هناك أكثر من 480 حالة اغتيال موثقة في المحافظات المحررة منذ عام 2015، يتركز نحو 250 منها في عدن ولحج و أبين، واستهدفت قيادات مدنية وعسكرية وأكاديمية ودعوية.
وقال سعد للجزيرة نت: "نحن لا نتحدث عن أرقام مجردة، بل عن أسر فقدت أبناءها وآباءها ومعيليها. كل رقم خلفه بيت مكسور، وأطفال فقدوا آباءهم، ونساء وأمهات ينتظرن عدالة لا تأتي".
وأشار إلى أن 24 ملفا من قضايا الاغتيالات رُفعت إلى المحكمة، وصدرت أحكام بالإعدام في 4 منها، لكنها لم تُنفذ حتى الآن، مؤكدا أن أسر الضحايا تطالب بتنفيذ هذه الأحكام "حتى تكون رادعا لكل من يفكر في تكرار هذه الجرائم".
وأضاف أن عدد المتهمين المحتجزين على ذمة قضايا الاغتيالات يصل إلى 28، معظمهم من المنفذين، فيما لا يزال آخرون فارين رغم ورود أسمائهم في اعترافات بعض الخلايا التي جرى القبض عليها.
وبرأي سعد، فإن اغتيال الشاعر ثم وسام قائد أعاد فتح "جرح لم يلتئم"، وسط خشية من أن تنضم الجريمتان إلى قائمة طويلة من الملفات التي لم تصل إلى كشف كامل للحقيقة.
وأكد: "الأسر لا تطلب سوى معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة. كثير من القضايا توقفت عند حدود المنفذين أو ظلت عالقة في إجراءات طويلة، بينما بقي السؤال الأهم حاضرا: من خطط؟ ومن مول؟ ومن أعطى الأمر؟".
وحذّر من أن استمرار غياب الحقيقة لا يضاعف وجع الأسر وحدها، بل يترك أثره على المجتمع كله، لأن طول أمد الملفات بلا حسم يضعف ثقة الناس بالمؤسسات، ويجعلهم يشعرون أن الجريمة قد تتكرر ما دام العقاب غائبا أو مؤجلا.
في المقابل، تؤكد وزارة الداخلية اليمنية أن الأجهزة الأمنية تقوم بدورها في ملاحقة المتهمين وإحالة الملفات إلى الجهات المختصة.
وقال مسؤول العلاقات والإعلام بوزارة الداخلية العميد عبد القوي باعش، للجزيرة نت، إن قضية اغتيال الدكتور عبد الرحمن الشاعر تم تحويل ملفها إلى النيابة مع المتهمين لاستكمال الإجراءات بشأنهم. وبشأن قضية اغتيال وسام قائد، فأوضح أنه تم القبض على مشتبه به، وجارٍ العمل على استكمال الإجراءات، وعند استكمالها سيتم تحويل الملف إلى النيابة.
وبخصوص بقية قضايا الاغتيالات، قال العميد إن الأجهزة الأمنية "تقوم بواجبها على أكمل وجه من خلال ضبط أي عملية، سواء كانت جنائية أو إرهابية أو غيرها"، مشيرا إلى أنه بعد استكمال التحقيقات يتم رفع الملفات إلى النيابات المختصة.
وأضاف أن أي تأخير لاحق "يعود إلى الجهات القضائية المختصة"، مؤكدا أن هناك "اهتماما كبيرا توليه الجهات الأمنية والحكومية العليا بسرعة تحقيق العدالة وتعزيز ثقة المجتمع بالمؤسسات الأمنية والقضائية".
بين رواية الداخلية عن الضبط والإحالة، وحديث الأسر عن ملفات عالقة وانتظار طويل، تبدو المسافة واسعة بين لحظتي القبض على متهم وشعور العائلة بأن العدالة قد تحققت فعلا. وبين قبور الضحايا وملفات التحقيق، يبقى سؤال عدن معلّقا: متى تعرف المدينة الحقيقة كاملة؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة