لا تأتي قمة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جين بينغ في بكين بوصفها إعلانا عن مصالحة بين القوتين الكبريين في العالم، ولا نهاية للحرب التجارية التي طبعت علاقتهما خلال السنوات الماضية، بل بوصفها لقاء اضطرار بين خصمين يدركان أن القطيعة الكاملة أعلى كلفة من الخصومة المضبوطة.
فبعد أعوام من الرسوم الجمركية، وقيود التكنولوجيا، والضربات المتبادلة في سلاسل الإمداد، تبدو القمة -كما ترسمها صحف ومواقع أمريكية- محاولة لنقل التصعيد من حافة المواجهة المفتوحة إلى صفقات محدودة يمكن تسويقها سياسيا في واشنطن وبكين.
وحسب صحيفة وول ستريت جورنال ، يصل ترمب إلى بكين في زيارة تستمر يومين، يلتقي خلالها شي للمرة السابعة، وسط مراسم صينية فخمة تشمل جولة في معبد السماء، ومحادثات في قاعة الشعب الكبرى، وعشاء دولة لوفد أمريكي يضم رجال أعمال ووزراء، إضافة إلى مراسم شاي مع الرئيس الصيني.
لكن خلف هذا الإخراج البروتوكولي تقف ملفات شديدة التعقيد، من ضمنها التجارة وإيران وتايوان، وسؤال الاستقرار بين اقتصادين لا يستطيعان فك الارتباط من دون ألم بالغ.
وتقول الصحيفة إن كلا الزعيمين يبحث عن مكاسب ملموسة، فترمب يريد من الصين المساعدة في إنهاء حرب إيران، وزيادة مشترياتها من المنتجات الأمريكية، وفي مقدمتها فول الصويا وطائرات بوينغ.
أما شي، المحاصر بتباطؤ اقتصادي داخلي، وضعف في الاستهلاك، وضغوط انكماشية، فيريد علاقة أكثر قابلية للتنبؤ مع واشنطن، مع مواصلة السعي إلى إضعاف الالتزامات السياسية والعسكرية الأمريكية تجاه تايوان.
تقول وول ستريت جورنال إن مجرد انعقاد القمة يبدو لافتا، خصوصا أن واشنطن تفرض حصارا على شحنات نفط إيرانية متجهة إلى الصين، في وقت تلقي فيه حرب إيران بظلالها على الاقتصاد العالمي وعلى موقع ترمب السياسي قبل انتخابات التجديد النصفي.
ومع ذلك، يرى محللون أن الطرفين باتا متفقين ولو بحكم الضرورة، على أهمية تهدئة العلاقة وجعل التجارة والاستثمار أسرع قناة لاستعادة قدر من الاستقرار.
ونقلت الصحيفة عن إليزابيث إيكونومي المسؤولة السابقة في إدارة بايدن، أن ترمب وشي يلتقيان على الرغبة في تثبيت العلاقة، ويريان في التجارة والاستثمار المجال الأكثر قابلية لإنتاج نتائج قريبة، لكن هذا الاستقرار لا يلغي الشكوك العميقة؛ فكل طرف يحاول تقليل اعتماده على الآخر من دون تمزيق علاقة اقتصادية لا يزال الاقتصادان محتاجين إليها.
وتصف صحيفة نيويورك تايمز سقف القمة بأنه أدنى بكثير من وعود ترمب الانتخابية، فقد تعهد خلال حملته بفرض تعريفات على الصين تصل إلى 60% أو أكثر، وبسحب الامتيازات التجارية التي حصلت عليها عند دخولها منظمة التجارة العالمية.
أما الآن، فالقمة تتركز على نتائج أضيق، كمشتريات زراعية وطائرات، وربما تفاهمات بشأن الرسوم أو الفنتانيل، لا اتفاق واسع يفرض تغييرات بنيوية على الاقتصاد الصيني، وفقا لما ورد عن الصحيفة.
ورأت نيويورك تايمز أن جزءا من تقلص طموح ترمب تجاه الصين يعزى إلى ما جرى خلال العام الماضي، حين ردت بكين على الرسوم الأمريكية بقيود على تصدير المعادن النادرة والمغانط التي تحتاجها شركات أمريكية في صناعات تمتد من السيارات والأسلحة إلى الأدوات الكهربائية.
وأمام احتمال تعطل مصانع أمريكية ووقوع ضرر اقتصادي واسع، اضطرت الإدارة إلى خفض سقفها والبحث عن هدنة بدل مواجهة مفتوحة.
ونقلت الصحيفة عن ماري لافلي، من معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، أن الصين استخدمت "نقاط اختناق" تمتلكها في سلاسل الإمداد، وردت على واشنطن بطرق لم تلجأ إليها سابقا.
وقد دفعت هذه الضربة الإدارة الأمريكية – حسب نيويورك تايمز- إلى تعليق إجراءات كانت معدة للرد، بينها قيود تكنولوجية واسعة ورسوم على السفن الصينية، قبل لقاء ترمب وشي في كوريا الجنوبية في أكتوبر/تشرين الأول، حين فضّل الرئيس الأمريكي الدفع نحو هدنة.
وذهبت مجلة فورين بوليسي في الاتجاه نفسه، فرأت أن ترمب الذي بنى جزءا كبيرا من صعوده السياسي على خطاب متشدد ضد الصين، يدخل بكين هذه المرة في وضع أقرب إلى التهدئة والصفقات.
وأشارت المجلة إلى أن إدارة ترمب الثانية لم تعد تدير ملف الصين عبر عملية سياسية واسعة كما في ولايته الأولى، بل من خلال دائرة أضيق وأكثر انضباطا حول الرئيس، مع تراجع دور بعض الصقور التقليديين وارتفاع صوت الداعين إلى الاستقرار وتجنب الانفصال الكامل.
وتشير المجلة إلى أن بكين فاجأت واشنطن حين ردت على الرسوم الأمريكية بورقة المعادن النادرة، وهو ما ولد قناعة داخل إدارة ترمب بأن التعامل مع الصين يحتاج حذرا أكبر.
وفي هذا السياق، لم تعد معركة الصين -كما نقلت المجلة عن أحد المحللين- في نظر هذه الإدارة "معركة قابلة للفوز" بسهولة.
ولا تقف القمة عند ملف التجارة، بل يسعى ترمب -حسب وول ستريت جورنال- إلى دفع بكين للضغط على طهران من أجل إيجاد مخرج لحرب إيران، مستفيدا من كون الصين المشتري الرئيسي للطاقة الإيرانية وصاحبة نفوذ اقتصادي مهم على النظام الإيراني.
وتقول الصحيفة إن الحرب تضغط على الاقتصاد العالمي وعلى موقع ترمب السياسي، وترفع المخاوف من خسارة الجمهوريين في انتخابات عام 2026.
أما مجلة نيوزويك فنقلت عن السفير الصيني في واشنطن شيه فنغ قوله إن الصين تريد وقف الحرب فورا، وترفض "الاستخدام التعسفي للقوة" في العلاقات الدولية.
ووصف السفير إغلاق مضيق هرمز واضطراب سوق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية بأنه "كارثة" على الصين والعالم، مؤكدا أن بكين لا تستفيد من الحرب كما يقول بعض منتقديها، بل تتضرر من آثارها.
وكشف هذا الملف أحد أوجه "صفقات الاضطرار" في القمة، إذ يحتاج ترمب إلى الصين في حرب بدأها ولا يجد لها مخرجا واضحا، وشي يحتاج إلى وقف اضطراب الطاقة وسلاسل الإمداد من دون أن يظهر كمن يستجيب لضغط أمريكي مباشر.
لكن الملف الأخطر في نظر محللين يتمثل في تايوان، تقول وول ستريت جورنال إن شي يتوقع أن يضغط على ترمب لتقليص الدعم العسكري الأمريكي للجزيرة وتعديل الخطاب الأمريكي بشأن استقلالها.
وتريد بكين -وفق الصحيفة- أن تنتقل واشنطن من القول إنها "لا تدعم" استقلال تايوان إلى القول إنها "تعارضه" صراحة، وهو تحول من شأنه أن يضرب سياسة الغموض الإستراتيجي التي حافظت عليها الولايات المتحدة طويلا.
وتضيف الصحيفة أن مسؤولين أمريكيين قالوا إن تحضيرات ترمب للقمة لم تتضمن خططا لتغيير موقف واشنطن من تايوان، لكن ترمب نفسه أشار إلى استعداده لمناقشة مسائل مرتبطة بالجزيرة، بما في ذلك حزمة أسلحة أمريكية بمليارات الدولارات كانت واشنطن تعدها لتايبيه.
ومن جهتها، نقلت نيوزويك عن السفير الصيني دعوته واشنطن إلى الالتزام بمبدأ "الصين الواحدة" والبيانات المشتركة الثلاثة، واعتباره قضية تايوان "أكبر عقبة" أمام العلاقات الثنائية.
وهنا تظهر حدود الصفقات التجارية، لأن شراء فول الصويا أو بوينغ قد يخفف التوتر مؤقتا، لكنه لا يمحو سؤالا سياديا وأمنيا قادرا على إشعال مواجهة أوسع.
تتحدث نيويورك تايمز عن نتائج محتملة للقمة تشمل مشتريات صينية بعشرات المليارات من الدولارات، وربما إنشاء "مجلس تجارة" جديد يشرف على تنفيذ تلك المشتريات، لكن الصحيفة نقلت عن خبراء أن القمة ستكون على الأرجح "عالية في الرمزية ومنخفضة في الطموح"، وأن الطرفين يمران بمرحلة إدارة مخاطر أكثر من مرحلة بناء اتفاق تاريخي.
وعززت فورين بوليسي هذه القراءة، مشيرة إلى أن ترمب يدخل القمة بمنطق رجل أعمال يرى أن الخصمين يمكن أن يبقيا متنافسين بشدة، بشرط أن يظل الاعتماد المتبادل بينهما مفيدا للطرفين، لذلك تبدو القمة مرشحة لإعلانات عن مشتريات زراعية وطائرات واستثمارات، أكثر من كونها مقدمة لتحول إستراتيجي في العلاقة.
غير أن الهدنة لا تبدو صلبة -كما تشير فورين بوليسي- لأن ملامح صقورية عادت تظهر في الأسابيع الأخيرة، من بينها عقوبات ثانوية على مصافٍ صينية تعالج النفط الإيراني، ومذكرة من البيت الأبيض تتهم الصين بنسخ ابتكارات أمريكية في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. مما يعني محاولة إدارة ترمب موازنة أمرين، إبقاء الهدنة مع بكين، وعدم تجميد أدوات الضغط بالكامل.
وفي المحصلة، لا تبدو قمة ترمب وشي انتقالا من الحرب التجارية إلى سلام اقتصادي، بل من مواجهة عالية النبرة إلى صفقات ضرورة، خاصة أن ترمب الذي وعد بكسر الصين تجاريا، اكتشف أن بكين تملك أوراقا موجعة في المعادن النادرة وسلاسل الإمداد، وأنه يحتاج نفوذها في إيران وهدوءها الاقتصادي قبل انتخابات صعبة.
أما شي الذي يواجه تباطؤا داخليا، فيحتاج بدوره إلى استقرار مع واشنطن، لكنه يريد ثمنا سياسيا واقتصاديا لهذا الاستقرار، وهكذا تتحول القمة إلى محاولة لإدارة خصومة لا يستطيع الطرفان إنهاءها ولا تحمل انفجارها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة