نشرت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية تقريرا عن الدور المتنامي الذي تلعبه منصة "تروث سوشيال" في التعبير عن أفكار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، مشيرة إلى أن الحساب الرئاسي تحول إلى ما يشبه "منصة بث متواصل"، تمتزج فيها مواقف ترمب الشخصية مع محتوى سياسي متشدد ونظريات مؤامرة ورسائل هجومية ضد الخصوم.
وقالت الصحيفة -في تقرير مطول للصحفيين أنتوني ديباروس وآني لينسكي- إن ترمب يمضي أيامه الرسمية المعتادة بين الاجتماعات واللقاءات السياسية والأنشطة العامة داخل البيت الأبيض، لكنه يبدأ مع حلول الليل نشاطا مختلفا يتمثل في النشر المكثف على وسائل التواصل الاجتماعي.
وأشار التقرير إلى أن حساب ترمب على "تروث سوشيال" نشر في إحدى الليالي 55 رسالة بين العاشرة مساء والواحدة بعد منتصف الليل، تضمنت مزاعم متكررة بشأن "سرقة" انتخابات عام 2020، وانتقادات لوزارة العدل الأمريكية، ودعوات لاعتقال الرئيس الأسبق باراك أوباما.
وبحسب تحليل أجرته وول ستريت جورنال لآلاف المنشورات، شهد حساب ترمب نموا ضخما منذ عودته إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، إذ ارتفع عدد متابعيه من نحو 8.6 ملايين إلى أكثر من 12.6 مليون متابع، في حين تجاوز عدد المنشورات وإعادات النشر 8800 منشور خلال فترة قصيرة نسبيا.
وأوضحت الصحيفة أن فترات النشاط الليلي الكثيف أصبحت سمة متكررة لحساب ترمب، مشيرة إلى تسجيل 44 موجة نشر تضمنت أكثر من 12 منشورا بين الثامنة مساء والسادسة صباحا منذ عودته إلى الرئاسة.
ولفتت وول ستريت جورنال إلى أن الأول من ديسمبر/كانون الأول شهد أعلى معدل للنشر، عندما بث الحساب نحو 160 منشورا خلال أقل من أربع ساعات.
وقالت الصحيفة إن هذه المنشورات الليلية غالبا ما تتضمن أكثر الرسائل حدة واستقطابا، بما في ذلك تضخيم نظريات المؤامرة، والتحذير من المهاجرين، وتهديد الخصوم السياسيين، والسخرية من المعارضين.
كما يعتمد الحساب بصورة متزايدة على إعادة نشر مواد من حسابات مجهولة أو هامشية على منصات التواصل الاجتماعي.
وأشارت وول ستريت جورنال إلى أن بعض موجات النشر جاءت مدفوعة بأحداث سياسية أو عسكرية، ففي يناير/كانون الثاني الماضي، وبعد عملية عسكرية أمريكية ناجحة في فنزويلا، نشر حساب ترمب نحو 90 منشورا خلال ساعة واحدة، تضمنت مقاطع فيديو وتعليقات سياسية حادة.
ومن بين المواد التي أعاد الحساب نشرها، مقطع مصور لترمب يهاجم فيه الصومال ويقول إنها "ليست دولة بل مجرد أناس يتجولون ويقتل بعضهم بعضا".
وذكرت الصحيفة أن الحساب نشر منذ يناير/كانون الثاني 2025 أكثر من 120 منشورا ينتقد الصومال أو الجالية الصومالية، بما في ذلك منشورات تستهدف النائبة الديمقراطية إلهان عمر، وهي من أبرز الشخصيات السياسية المنحدرة من أصول صومالية في ولاية مينيسوتا.
وترى وول ستريت جورنال أن هذا السيل المتواصل من المنشورات يخلق حالة من "الضباب السياسي"، إذ تختلط التصريحات الرسمية للرئيس بالمنشورات الساخرة والمقاطع المثيرة للجدل ونظريات المؤامرة، في حين تمر كثير من الرسائل دون تدقيق واسع بسبب توقيت نشرها الليلي وكثافتها الكبيرة.
وفي ما يتعلق بآلية إدارة الحساب، كشفت الصحيفة أن المساعدة التنفيذية لترمب ناتالي هارب، تؤدي دورا محوريا في تشغيل حساب "تروث سوشيال"، وأوضحت أن هارب تعرض على ترمب بشكل يومي مسودات مطبوعة لمنشورات مقترحة تتضمن مواد مأخوذة من حسابات أخرى يعتقد المقربون من الرئيس أنها ستنال إعجابه.
وأضاف التقرير أن هارب تتولى لاحقا نشر دفعات من الرسائل بعد موافقة ترمب عليها شخصيا، أحيانا خارج ساعات العمل الرسمية، كما أكدت مصادر داخل البيت الأبيض للصحيفة أن ترمب يوافق بنفسه على كل ما ينشر عبر الحساب، مع أنه يتولى أحيانًا كتابة بعض المنشورات بنفسه.
وكشفت الصحيفة أن هارب نشرت في وقت سابق بتوجيه من ترمب، مقطعا تضمن صورا وصفت بأنها عنصرية بحق باراك وميشيل أوباما، إضافة إلى صورة مولدة بـ الذكاء الاصطناعي تظهر ترمب في هيئة تشبه المسيح، وقد أثار المنشوران انتقادات حادة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي قبل أن يتم حذفهما لاحقا.
ونقل التقرير عن ترمب قوله إنه لم يشاهد الجزء المتعلق بصور أوباما قبل الموافقة على النشر، في حين أرجع مسؤول في البيت الأبيض الحادثة إلى "خطأ في المونتاج".
كما تحدث التقرير عن توتر داخل البيت الأبيض بسبب أسلوب إدارة الحساب، إذ يشعر بعض المسؤولين بالاستياء من تجاهل ناتالي هارب لمراجعة المنشورات مع مكتب رئيس الموظفين أو فريق الاتصالات أو مسؤولي الأمن القومي قبل نشرها، في حين تؤكد هارب – حسب الصحيفة- أنها دائما "تعمل لصالح ترمب فقط".
وفي تعليق رسمي، قال مدير الاتصالات في البيت الأبيض ستيفن تشيونغ -حسب ما نقلته وول ستريت جورنال- إن منصة "تروث سوشيال" أصبحت أكثر تأثيرا لأنها تتيح للرئيس الأمريكي التعبير المباشر عن أفكاره "من دون تشويه من وسائل الإعلام المنحازة".
وتشير وول ستريت جورنال إلى أن محتوى الحساب يتراوح بين الإشادة بترمب ومهاجمة خصومه السياسيين والتعبير عن الغضب تجاه قضايا الهجرة والجريمة والثقافة والانتخابات، كما يعتمد الحساب بصورة متكررة على صور مولدة بالذكاء الاصطناعي تُظهر ترمب بصورة بطولية أو تسخر من خصومه.
وبحسب تحليل الصحيفة، فإن نحو منشور واحد من كل عشرة منشورات نصية يتضمن أوصافا مهينة لأشخاص أو جماعات، مثل "فاسد" أو "غبي" أو "خاسر"، كما تكررت عبارة "الأخبار الكاذبة" نحو 140 مرة.
واختتمت وول ستريت جورنال تقريرها بالإشارة إلى أن حساب ترمب لم يعد مجرد منصة شخصية، بل تحول إلى أداة سياسية وإعلامية تبث مواقف البيت الأبيض وقرارات السياسة الخارجية بصورة مباشرة وفورية، خصوصا في ظل تصاعد التوترات الدولية، بما في ذلك الحرب مع إيران التي حظيت وحدها بأكثر من 240 منشورا بين نصوص ومقاطع فيديو ورسائل سياسية منذ أواخر فبراير/شباط الماضي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة