في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في خضم الحرب الدائرة في السودان، اختارت ناجيات من الاغتصاب الاحتفاظ بأطفال أنجبنهن نتيجة اعتداءات جنسية ارتكبت خلال النزاع، رغم الوصمة الاجتماعية والظروف الإنسانية القاسية.
وتروي نسمة (26 عاما) -التي تستخدم اسما مستعارا- كيف تحولت رحلة عودتها إلى الخرطوم لاستخراج وثائق عائلية إلى مأساة غيرت حياتها بالكامل. ففي إحدى مناطق الخرطوم بحري، أوقف عناصر من قوات الدعم السريع الحافلة التي كانت تستقلها، وفصلوا الرجال عن النساء قبل أن تتعرض لاغتصاب جماعي على يد 3 مقاتلين.
وبعد أشهر من الصدمة، اكتشفت حملها وقررت قبل الولادة الاحتفاظ بطفلها "لأنه لا ذنب له".
وأنجبت نسمة ابنها ياسر الذي أتم عامه الأول حاليا، وقالت إنها لم تقرر بعد ماذا ستقول له عن أبيه حين يكبر، لكنها أكدت أنها في الوقت الحالي لا تفكر إلا في إيجاد وظيفة بشهادتها الجامعية لتتمكن من رعاية ابنها.
ويعد ياسر واحدا من آلاف الأطفال الذين وُلدوا لنساء ناجيات من الاغتصاب خلال سنوات الحرب الثلاث بين الجيش وقوات الدعم السريع في السودان.
وفي بلدة طويلة بدارفور، التي تحولت إلى ملاذ لعشرات آلاف النازحين، تتكرر القصص ذاتها بصيغ مختلفة.
تروي حياة (20 عاما) للوكالة الفرنسية أنها تعرضت للاغتصاب في أثناء فرارها من مخيم زمزم قرب الفاشر بعد اقتحامه من قوات الدعم السريع، في هجوم قالت الأمم المتحدة إنه أودى بحياة أكثر من ألف شخص وشهد عمليات اغتصاب ممنهجة استهدفت نساء من أقليات عرقية غير عربية.
ورغم المأساة، فإن حياة تتمسك بطفلها الرضيع، معبرة عن أملها في أن "يحظى بمستقبل أفضل"، وألا يعيش ما عاشته والدته من عنف ونزوح وفقدان.
وتكشف شهادات ناجيات أخريات حجم الكارثة الإنسانية التي خلفتها الحرب على النساء، فراوية (17 عاما) أصبحت حاملا بعد تعرضها للاغتصاب أثناء محاولتها الفرار من الفاشر، بينما تعرضت علياء للاحتجاز لأسابيع بعد اغتصابها قبل أن تتمكن من الهرب وتفقد جنينها لاحقا.
أما ماجدة، التي فقدت زوجها وشقيقها خلال الحرب، فقد قررت الاحتفاظ بالطفل الذي تحمله رغم ارتباطه بجريمة الاغتصاب، معتبرة أن فقدانه سيكون حزنا إضافيا.
وفي أحد حقول إقليم دارفور، تعرضت حليمة (23 عاما) للاغتصاب للمرة الأولى في سن المراهقة من جانب أحد الرعاة، ثم اغتُصبت مجددا في أثناء فرارها إلى مخيم زمزم عام 2022، ومرة ثالثة في أثناء هروبها من المخيم بعد هجوم الدعم السريع، وقد "أنقذتها" وسائل منع الحمل الطارئة التي قدمها لها الأطباء في طويلة من حمل طفل ثالث نتيجة الاغتصاب.
وتقول منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية دينيس براون إنه في بلدة واحدة في دارفور، هناك مئات الفتيات اللواتي اغتُصبن، ولم تذهب أي منهن إلى عيادة طبية، ومعظمهن حوامل.
وتشير تقارير أممية ومنظمات حقوقية إلى أن الاغتصاب استُخدم على نطاق واسع خلال الحرب السودانية كسلاح للترهيب والسيطرة والتطهير المجتمعي، لا سيما في إقليم دارفور.
وقالت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالعنف ضد النساء والفتيات ريم السالم إن الاعتداءات الجنسية في السودان تُستخدم "لتدمير النسيج الاجتماعي وتغيير تركيبته".
وتؤكد منظمات إنسانية أن غالبية الضحايا لا يبلِّغن عما تعرضن له، بسبب الخوف من الانتقام أو الوصمة الاجتماعية في مجتمع محافظ. كما تواجه النساء ضغوطا عائلية قاسية، إذ تتعرض بعض الناجيات للطرد أو التهميش أو الطلاق بعد كشف تعرضهن للاغتصاب.
وقالت وزيرة الدولة للشؤون الاجتماعية سليمة إسحاق الخليفة إن كثيرا من الحالات لا يتم توثيقها، سواء ما يتعلق بحالات الحمل الناتجة عن الاغتصاب أو بعمليات الإجهاض والولادة.
وأضافت أن بعض الأسر ترفض استقبال الأطفال المولودين نتيجة الاعتداءات، في حين تلجأ عائلات أخرى إلى تبني الأطفال بشكل غير رسمي.
من جهتها، حذرت الأمم المتحدة من انتشار الإجهاض غير الآمن بين الناجيات، في ظل ضعف الخدمات الصحية والنفسية.
وقالت قابلات وعاملات في المجال الإنساني إن كثيرا من النساء يصلن إلى العيادات في حالات نزيف خطيرة بعد محاولات إجهاض باستخدام أدوية خطرة أو وسائل بدائية.
ورغم إعلان السلطات السودانية تخفيف القيود على الإجهاض في بعض المناطق التي استعادها الجيش، فإن نقص الوعي والخوف من الفضيحة الاجتماعية حالا دون استفادة كثيرات من تلك الإجراءات.
كما تواجه الأمهات تحديات قانونية ومعيشية متزايدة، أبرزها استخراج شهادات ميلاد للأطفال، مما يحرم كثيرين منهم من الحصول على الرعاية الصحية أو التعليم والخدمات الأساسية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة