على هاتفها الخلوي تحتفظ الحاجة يسرى أبو الخير بصورة تذكارية لزوجها الشهيد، تعود إليها كلما قادها الحنين والشوق إليه، أما في ذاكرتها فلا يغيب عنها مشهد إعدامه، بل تحتفظ بعدة رصاصات أطلقها جنود الاحتلال الإسرائيلي عليه عندما اقتحموا عليهم منزلهم في قطاع غزة.
ليس هذا فقط مشهد القهر الذي ترويه يسرا (70 عاماً)، فثمة مآسٍ أخرى عاشتها وحفيداتها في سجون الاحتلال أشد وأفظع على يد مجندات وجنود إسرائيليين، لم تزل تحتفظ بها أيضاً وتعرف تفاصيلها بالكامل، وتسردها أيضاً.
وإلى يوم 8 ديسمبر/كانون الأول 2023 تعود يسرا لتروي مشهد إعدام زوجها المسن رفيق (77 عاماً)، حيث اقتحم الجنود المدججون بالسلاح منزلهم بعد أن فجروا بابه، "كان زوجي يقف خلف الباب مباشرة، فأطلقوا عليه رصاصة بالرأس واثنتين في القلب، فاستشهد على الفور، ثم سحبوا غطاء النوم وألقوه عليه".
كانت يسرا واحدة من نحو 20 شخصاً في المنزل، فاعتقل الجنود عدداً منهم، كانت هي وحفيدتاها واثنان من أبنائها الذكور ونجل أحدهما من بين المعتقلين. لكن مشهد اعتقالها وحفيدتيها الطفلتين آنذاك سجود وتقى، كان الأشد وقعاً وألماً عليها، وروين ثلاثتهن -للجزيرة- ما عشنه من عذاب داخل الأسر قبل أن يُفرج عنهن.
وعن تلك اللحظات تقول يسرا، التي اعتقلت لـ55 يوماً، إنها اقتيدت وحفيداتها مكبلات الأيدي ومعصوبات الأعين عبر حافلة عسكرية إلى معسكر للجيش، وفيه مكثن 6 أيام، بلا راحة أو ملابس أو أغطية تقيهن برد الشتاء القارس، "وكانت أيدينا موثقة بالقيد ليل نهار، ولا نقدر على تحريكها مطلقاً، وقد جرحت من شدة الرباط والضغط".
ومن ثم تم اقتيادهن إلى سجن الدامون، تضيف يسرا بينما كانت تجلس على أريكة وتسند يديها على "ووكر" طبي (مشاية طبية) "السجن عذاب نفسي، ولم يرحمونا أنا وحفيداتي، والأسيرات يعشن في جحيم".
وأوضحت أن أشد ما كانت تواجهه هو اقتياد حفيداتها للتحقيق "وأظل أغلي غلياً (قلقة جداً) حتى يرجعن وأعرف ما جرى معهن. اعتقالي كان رحمة من الله لهن. وكنت أخفف عنهن ألمهن وخوفهن".
وتعدى الأمر التعذيب النفسي إلى الجسدي، تقول الأسيرة المحررة سجود أبو الخير (18 عاماً) إنهم اقتيدوا بداية إلى معسكر عتانوت في القدس ومن ثم إلى سجن الدامون وبعد ذلك إلى معسكر وسجن سدي تيمان، "وعشن بها جميعاً عذابات وويلات".
وكلما انتقلت الأسيرات الثلاث من سجن لآخر كان العقاب يشتد، ويتخلله ضرب وإهانة وشتائم بكلام بذيء جداً، كما ويتم نزع ملابسهن دون احترام للخصوصية أو حتى احتياجات البنات الشخصية.
وأضافت "كانوا يتركوننا أثناء الدورة الشهرية دون ملابس، حتى تتسخ كثيراً، وبعد فترة طويلة يعطوننا البديل وسط استهزاء من الجنود. حتى جدتي كانت أكبر الأسيرات سناً ولم يراعوا ذلك مطلقاً، وكان العقاب أشد لكوننا من غزة".
لم يراعي السجانون طفولة الحفيدتين "بل كانوا يتعمدون إذا اشتكينا من ألم معين، ضربنا على موضع الألم، فإن قلنا نعم هنا يزيدوا الضرب ليذهب الوجع، وإن قلنا لا، أيضاً يضاعفوا الضرب ليزول الألم كما يدعون" تضيف الأسيرة المحررة.
وتؤكد أن الجنود كانوا يشتمونهن بألفاظ قاسية لا تستطيع إعادة التلفظ بها وتعدها "تحرُّشاً" يسيء لها كفتاة، وتقول: "كنا نسأل الأسيرات عن التحقيق، فكن يؤكدن لنا أنهن تعرضن للتهديد بالاغتصاب والتحرش والقتل، وأنا أيضاً هددت بالقتل".
أما تقى أبو الخير التي كانت تبلغ 15 عاماً حين اعتقلت، فأشارت إلى أنها تعرضت للتحقيق 5 مرات، ويوجه لها ذات الأسئلة وسط إهانات وشتائم، "وكانت مجندة ضخمة تنفخ دخان سيجارتها وسكنها علي بشكل من الاستحقار".
ومجندة ثانية -تواصل تقى- "أمسكت بي وسألتني كم عمرك؟ فأخبرتها 15 عاماً، فقالت لي: "أنت مجرد طفلة"، فظننت حينها أنها ستراعي ذلك، لكنها ألقت بي أرضاً وراحت تشتمني وتضربني بعنف وتسحبني مثل الشاة".
ولم تكن تمضي ليلة على سجود وشقيقتها إلا وأعينهن تفيض من الدمع، ليس ضعفاً أو يأساً، وإنما كطفلات من المفترض أن يكون مكانهن في المدرسة وليس بين 4 جدران، "ومع ذلك كنا نصبر أنفسنا أنا وأختي".
وتختم تقى وهو لسان حال سجود أيضاً: "الاعتقال محا كينونتي كطفلة وكل أحلامي، وجعلني فجأة كبيرة، وحتى الآن لا زلت أعيش آثار السجن وتفزعني كوابيسه في المنام".
من جهته، قال نادي الأسير الفلسطيني (مؤسسة شبه حكومية) -في بيان- إنّ الفترة التي تزامنت مع الحرب الأخيرة على قطاع غزة شهدت تصعيداً مضاعفاً داخل السجون الإسرائيلية التي يزيد عدد الأسرى فيها على 9400 معتقل، لا سيما في وتيرة عمليات القمع الممنهجة.
ويُعدّ سجن "الدامون" من أبرز السجون التي شهدت تصاعداً في هذه العمليات، حيث تُحتجز فيه غالبية الأسيرات البالغ عددهن 88 أسيرة، إلى جانب عدد منهن في مراكز التحقيق والتوقيف. ومن بين الأسيرات طفلتان، و3 أسيرات حوامل في أشهرهن الأولى، اعتُقلن مؤخراً على خلفية ما يدّعيه الاحتلال بـ"التحريض".
وذكر النادي أنّ منظومة الاحتلال الإسرائيلي فرضت، في أعقاب جريمة الإبادة الجماعية، واقعاً غير مسبوق داخل السجون، عبر تكريس نظام تعذيب بنيوي قائم على التجويع، والتنكيل بمختلف أشكاله، بما فيه الاعتداءات الجنسية، إلى جانب فرض ظروف بيئية تسهم في انتشار الأمراض والأوبئة، فضلاً عن سياسات السلب والحرمان المنظمة، وعزل الأسرى والأسيرات عن العالم الخارجي، والاستمرار في منع عائلاتهم من زيارتهم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة