آخر الأخبار

من الأقوى عسكريًا: روسيا أم أوروبا؟

شارك

لا ينعكس التفوق العددي بالضرورة على ميزان القوة، إذ يرى محللون أن العامل الحاسم لا يكمن في الأرقام وحدها، بل في مستوى الخبرة القتالية التي يمتلكها الجيش.

على الرغم من أن دول الاتحاد الأوروبي تضخ منذ سنوات أموالًا طائلة في ميزانياتها الدفاعية ، فإن المعطيات تكشف واقعًا مختلفًا: روسيا، بإنفاق أقلّ ظاهريًا، تبدو متقدمة على الدول الأوروبية مجتمعة من حيث الفاعلية العسكرية والقدرة الإنتاجية.

في عام 2024، وافق الكرملين على ميزانية دفاعية بلغت 13.1 تريليون روبل، أي ما يعادل نحو 146 مليار دولار وفق سعر الصرف الرسمي. في المقابل، خصصت دول الاتحاد الأوروبي الـ27 ما مجموعه 343.2 مليار يورو للدفاع، بحسب وكالة الدفاع الأوروبية. ورغم هذا الفارق، فإن الخبراء يحذرون من أن المقارنة المالية وحدها لا تعكس ميزان القوة الحقيقي.

وفي هذا السياق، يحذّر مفوض شؤون الدفاع في الاتحاد الأوروبي أندريوس كوبيليوس في حديثه لـ"يورونيوز" من أن روسيا ما تزال تتفوق عسكريًا على الاتحاد الأوروبي، وأن اللحاق بها سيستغرق سنوات.

وتتضح هذه الفجوة بشكل أكبر عند احتساب الإنفاق وفق تعادل القوة الشرائية، حيث يرتفع الإنفاق العسكري الروسي في 2024 إلى نحو 462 مليار دولار، متجاوزًا لأول مرة منذ عقود مجموع الإنفاق الدفاعي للاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، والذي بلغ في الفترة نفسها نحو 457 مليار دولار.

وقد خلص المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) إلى هذه الأرقام في تقرير صدر في فبراير/شباط 2025، وهي نتائج لم تُفاجئ معظم المحللين، لكنها سلّطت الضوء على حقيقة تتجنب العديد من الحكومات الأوروبية مواجهتها.

وقد ذهبت الاستخبارات الألمانية أبعد من ذلك، إذ قدّرت أن روسيا أنفقت نحو 250 مليار يورو على الدفاع في عام 2025، أي ما يقارب نصف ميزانيتها الإجمالية ونحو 10% من ناتجها المحلي الإجمالي، بعد احتساب بنود غير مدرجة رسميًا ضمن الميزانية، مثل مشاريع البناء العسكرية الموزعة على إدارات حكومية مختلفة.

في المقابل، لم يتجاوز الإنفاق الدفاعي في الاتحاد الأوروبي 1.9% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، مع توقع ارتفاعه إلى 2.04% في 2025. أما روسيا، فقد تخطت في الفترة نفسها 6% من ناتجها المحلي الإجمالي، مع اتجاهها للوصول إلى 7.5% في العام نفسه.

ويترجم هذا التفاوت نفسه إلى الميدان، إذ تشير بيانات 2024 إلى ارتفاع إنتاج الدبابات الروسية بنسبة 220%، وزيادة إنتاج المركبات المدرعة بنسبة 150%، ما يعكس تسارعًا لافتًا في وتيرة التصنيع العسكري.

الجنود والخبرة

على الورق، لا تبدو أوروبا بعيدة عن روسيا من حيث القوى البشرية العسكرية . فبحسب تقرير “التوازن العسكري لعام 2025” الصادر عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، يبلغ إجمالي القوات العاملة في الجيوش الأوروبية، بما في ذلك تركيا، نحو 1.97 مليون جندي، وهو رقم يفوق عدد القوات في كل من الولايات المتحدة (1.32 مليون) وروسيا (1.13 مليون).

وفي المقابل، يسعى الكرملين إلى رفع عدد قواته إلى 1.5 مليون جندي نظامي، مع هدف أوسع يصل إلى 2.39 مليون جندي عند احتساب القوات شبه العسكرية إلى جانب الجيش النظامي.

لكن هذا التفوق العددي الأوروبي لا ينعكس بالضرورة على ميزان القوة الفعلي، إذ يرى محللون أن العامل الحاسم لا يكمن في الأرقام، بل في الخبرة القتالية المتراكمة. فالجيش الروسي يخوض منذ أكثر من ثلاث سنوات حربًا تقليدية واسعة النطاق، تتضمن قصفًا مدفعيًا كثيفًا، وحربًا إلكترونية متقدمة، وعمليات قتالية حضرية على نطاق لم تشهده أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

وتظهر الفجوة أيضًا في القدرات المدرعة. إذ تمتلك روسيا نحو 3460 دبابة عاملة، من بينها 620 دبابة من طراز “تي-90إم”، إلى جانب أعداد كبيرة من “تي-72” و“تي-80”، فضلاً عن أكثر من 2100 دبابة مخزنة. كما ضاعفت موسكو إنتاجها من الدبابات ثلاث مرات بين عامي 2021 و2024، لترتفع من نحو 100 دبابة “تي-90” سنويًا إلى ما بين 280 و300 دبابة بحلول عام 2024.

أما أوروبا، فتعاني من مشكلة بنيوية أعمق لا تعالجها زيادة الميزانيات وحدها، تتمثل في التشتت العسكري بين دولها. إذ تستخدم جيوش الاتحاد الأوروبي 178 نوعًا مختلفًا من أنظمة السلاح، مقارنة بـ30 نوعًا فقط في الجيش الأمريكي.

ففي سلاح الجو، تشغّل الدول الأوروبية 20 نوعًا مختلفًا من المقاتلات، مقابل ستة أنواع في الولايات المتحدة، بينما تستخدم 14 طرازًا مختلفًا من دبابات القتال، في حين يعتمد الجيش الأمريكي على طراز واحد.

وتحتفظ روسيا بأسطول يضم نحو 4300 طائرة عسكرية، في حين تمتلك أوروبا قوات أكبر عددًا، لكنها موزعة على طيف واسع من الطرازات والأنظمة، ما يضعف الكفاءة التشغيلية والتكامل الميداني.

وفي النهاية، لا تكمن المفارقة في حجم القوات أو عدد المعدات، بل في بنية القيادة نفسها؛ فبينما تعمل القوات الروسية تحت قيادة مركزية واحدة، تتوزع القوات الأوروبية على أكثر من عشرين جيشًا وطنيًا، بعقائد مختلفة ومستويات جاهزية غير متساوية، ما يحد من قدرتها على العمل كقوة موحدة في مواجهة تهديدات مماثلة.

العامل النووي: المعادلة التي تغير كل شيء

تمتلك روسيا نحو 5,459 رأسًا نوويًا، ما يجعلها أكبر قوة نووية في أوروبا والعالم من حيث الحجم. في المقابل، تمتلك كل من فرنسا والمملكة المتحدة، وهما الدولتان النوويتان الوحيدتان في القارة، 290 و225 رأسًا نوويًا على التوالي، بإجمالي يبلغ 515 رأسًا نوويًا.

ورغم هذا التفاوت الكمي الكبير، يرى محللون في مؤسسة “راند” أن الترسانة الأوروبية مجتمعة لا تزال قادرة على إحداث أضرار جسيمة في المدن الروسية الكبرى، بما يكفي للحفاظ على توازن الردع في سيناريوهات التصعيد النووي.

لكن التحول الأبرز لم يكن في الأرقام، بل في المقاربة السياسية خلال عام 2025. ففي يوليو/تموز من ذلك العام، وقّعت فرنسا والمملكة المتحدة “إعلان نورثوود”، وهو اتفاق يهدف إلى تعزيز التنسيق بين قدراتهما النووية وتطوير آليات مشتركة للدفاع عن “المصالح الحيوية” الأوروبية.

وردّت روسيا على هذا التطور بتحذير واضح، مؤكدة أنها ستأخذ في حساباتها العسكرية والسياسية ما وصفته بـ“القدرة الإجمالية” للترسانتين البريطانية والفرنسية معًا، في إشارة إلى احتمال اعتبارهما قوة نووية أوروبية موحّدة في أي حسابات ردع مستقبلية.

وكان المستشار الألماني فريدريش ميرتس قد فتح في فبراير 2025 نقاشًا بشأن “التشارك النووي” في أوروبا، داعيًا إلى إعادة التفكير فيه، وتوسيعه بما يتجاوز المظلة النووية الأمريكية ليشمل القدرات الفرنسية أو البريطانية ضمن إطار أوروبي أوسع.

ويأتي هذا الطرح في سياق تحولات أمنية داخل القارة العجوز، مع تزايد الشكوك حول موثوقية الالتزامات الأمريكية تجاه حلف شمال الأطلسي ، خصوصًا في ظل مواقف إدارة الرئيس دونالد ترامب التي أعادت طرح مسألة صلابة الضمانات الأمنية التي اعتمدت عليها أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

في المقابل، يواجه هذا التصور تحديات سياسية وعملية، إذ تقوم منظومة الردع النووي الأوروبية على دولتين فقط تمتلكان السلاح النووي هما فرنسا والمملكة المتحدة، ما يجعل أي حديث عن “مظلة أوروبية بديلة” مرتبطًا بمدى استعداد باريس ولندن لتوسيع التنسيق الاستراتيجي دون التخلي عن قرارهما السيادي.

كما يعيد هذا النقاش إبراز إشكالية أوسع داخل الاتحاد الأوروبي تتعلق بغياب منظومة دفاعية موحدة. فالاتحاد، رغم قوته الاقتصادية، لا يمتلك جيشًا موحدًا، بل يعتمد على 27 جيشًا وطنيًا بعقائد وميزانيات وتسليح مختلف، دون قيادة عملياتية مركزية توحّد القرار العسكري.

وقد ينعكس هذا التشتت على أي مواجهة محتملة مع قوة مركزية مثل روسيا، التي تمتلك هيكل قيادة موحدًا واقتصادًا موجهًا للصناعات العسكرية، ما يفرض تحديات تتجاوز التمويل إلى مستوى التنسيق والقرار السياسي والعسكري.

وفي هذا السياق، تشير تقديرات معهد كيل إلى أن أوروبا ستحتاج في حال مواجهة مباشرة إلى تعزيز قواتها بنحو 300 ألف جندي إضافي، ورفع الإنفاق الدفاعي بشكل مستدام إلى ما فوق 2% من الناتج المحلي الإجمالي لسنوات، لسد فجوات الجاهزية والتنسيق.

ورغم ارتفاع الإنفاق الدفاعي الأوروبي في 2025 إلى 739 مليار يورو، يؤكد خبراء أن التحدي الأساسي يظل سياسيًا، إذ تبقى القدرة على صياغة عقيدة دفاعية مشتركة واتخاذ قرار عسكري موحد العامل الأكثر حساسية في مستقبل الأمن الأوروبي.

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا