آخر الأخبار

الصين تقول للعرب: نحن البديل الموثوق

شارك

يدخل الشرق الأوسط مرحلة لم تعد فيها الافتراضات الأمنية القديمة صالحة. فالصراع الذي يضم الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران لا يزال يلقي بظلاله على الاستقرار الإقليمي، بينما أدت الأزمة الإنسانية في غزة، وتجدد العنف في لبنان، وانعدام الأمن حول الممرات البحرية الحيوية، إلى تعميق حالة عدم اليقين الإستراتيجي.

في الوقت نفسه، توسع النفوذ الصيني الإقليمي ليشمل مجالات أخرى غير التجارة والاستثمار. فمن خلال التعاون في مجال الطاقة، وربط البنية التحتية، والانخراط الدبلوماسي، ينظر إلى بكين بشكل متزايد ليس فقط كشريك اقتصادي، بل أيضا كفاعل مؤثر في الشؤون الأمنية الإقليمية.

تحولات السياسة الأمريكية وتداعياتها الإقليمية

لعقود، كانت الولايات المتحدة القوة الخارجية الرئيسية في الشرق الأوسط. فقد دعمت أمن الخليج، وقادت تحالفات عسكرية، وحافظت على قواعد عسكرية رئيسية، وساهمت في تشكيل ميزان القوى الإقليمي. مع ذلك، عززت التطورات الأخيرة الاعتقاد بأن التزامات واشنطن باتت أقل قابلية للتنبؤ من ذي قبل.

فقد أثار الانسحاب من أفغانستان عام 2021، والتركيز المتزايد على التنافس بين القوى العظمى، تساؤلات حول متانة المظلة الأمنية الأمريكية.

ويتجلى هذا القلق بوضوح في المواجهة التي تشمل إسرائيل وإيران وحلفاءهما. فبينما تواصل الولايات المتحدة دعم إسرائيل، تبدو قدرتها على منع تصعيد أوسع نطاقا، محدودة.

وتواجه دول الخليج معضلة دقيقة، إذ وسع العديد منها علاقاتها مع إسرائيل، لكنها في الوقت نفسه تتشارك الممرات المائية ومواطن الضعف في مجال الطاقة مع إيران، الدولة التي تمتلك قدرات صاروخية وطائرات مسيرة كبيرة.

ومنذ اندلاع الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني في 28 فبراير/شباط 2026، أصبحت مخاوف دول الخليج أكثر إلحاحا وواقعية. وقد أبرزت الضربات الأولية على إيران، وما أعقبها من رد صاروخي إيراني، مدى سرعة تأثير أي مواجهة محلية على النظام الإقليمي الأوسع.

إعلان

وظل مضيق هرمز نقطة ضعف محورية. وشهدت أسواق النفط تقلبات متجددة، في حين أشارت التقارير عن هجمات على منشآت الطاقة في الخليج واستمرار القتال بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، إلا أن التصعيد قد يمتد إلى جبهات متعددة.

بالنسبة لحكومات الخليج، فالدرس واضح: حتى وإن لم تكن طرفا مباشرا في النزاع، فإن بنيتها التحتية للطاقة وخطوط الشحن وخططها للتنويع الاقتصادي تبقى عرضة لتبعات صراع تغذيه جهات أخرى.

من منظور عواصم المنطقة، تكمن المشكلة في شقين:


* أولا، بات من الصعب فهم السياسة الأمريكية، إذ تتأثر بالاستقطاب الداخلي، والدورات الانتخابية، وتغير الأولويات العالمية.
* ثانيا، عندما تتحرك واشنطن، غالبا ما تؤطر السياسة الإقليمية بصيغة ثنائية: دعم إسرائيل ضد إيران، أو عزل طهران، أو المخاطرة بالتعرض للشكوك. هذا يضيق الخناق على دول الخليج دبلوماسيا.

ولذا، تفضل هذه الدول نهج خفض التصعيد، والتنويع الاقتصادي، والانخراط المتوازن. والنتيجة ليست تخليا فوريا عن الولايات المتحدة، بل بحثا مدروسا عن بدائل.

لماذا ينظر إلى الصين بشكل متزايد كبديل مستقر؟

في ظل هذا المناخ من عدم اليقين، اكتسب دور الصين أهمية جديدة. لا تسعى بكين إلى استبدال الوجود العسكري الأمريكي، ولا تقدم ضمانات تحالف تضاهي ضمانات واشنطن. وتكمن جاذبيتها، بدلا من ذلك، في موقف دبلوماسي ثابت، ونموذج انخراط يركز على التنمية، ورفضها جعل الولاء السياسي ثمنا للتعاون.


* أولا: ما يميز جاذبية الصين هو القدرة على التنبؤ.

أكدت بكين مرارا وتكرارا على السيادة، وعدم التدخل، ومعارضة الإكراه الأحادي، ودعم الحوار. لا تحل هذه المبادئ جميع النزاعات، لكنها تعطي حكومات المنطقة فهما أوضح لما ستفعله الصين وما لن تفعله.

عندما قطعت السعودية وإيران علاقاتهما في عام 2016، حافظت الصين على علاقات عمل مع كلا الجانبين. ساعد هذا النهج في تهيئة المناخ السياسي لاتفاقية مارس/آذار 2023 التي يسرتها بكين لإعادة العلاقات الدبلوماسية السعودية الإيرانية.

لم تنهِ هذه الاتفاقية التنافس بين البلدين، لكنها أظهرت أن الصين قادرة على استخدام علاقاتها مع كلا الطرفين لخفض التوتر وتشجيع التواصل المباشر.

وينطبق هذا المنطق نفسه على الأزمة الإسرائيلية الإيرانية الحالية: فقد دعت الصين إلى ضبط النفس، وحماية المدنيين، والتسوية الدبلوماسية، مع تجنب المواجهة الجماعية.


* ثانيا: تقدم الصين شراكة اقتصادية غير مشروطة رسميا بالتحالف السياسي.

دعمت مبادرةُ الحزام والطريق، الموانئَ، والمجمعات الصناعية، ومشاريع الطاقة المتجددة، وشبكات الاتصالات، وممرات الخدمات اللوجيستية في جميع أنحاء المنطقة.

كما تعد الصين من أهم الشركاء التجاريين لاقتصادات الخليج، ومستوردا رئيسيا للطاقة من الشرق الأوسط. وبالنسبة للدول التي تسعى إلى تنويع مصادر دخلها بعيدا عن الهيدروكربونات، فإن القدرات الإنشائية الصينية وشبكات التصنيع والتقنيات الرقمية وأسواق المستهلكين، ذات قيمة عالية.


* ثالثا: يمكن أن يشكل الوجود العسكري الصيني المحدود في الخليج ميزة بحد ذاته.
إعلان

فبكين لا تملك نظام تحالفات يضاهي نظام الولايات المتحدة، ولا قاعدة عسكرية دائمة في الخليج.

ويقتصر نفوذها بشكل رئيسي على الجانبين الاقتصادي والدبلوماسي، مما يسهل على أطراف متعددة التعامل معها دون الظهور بمظهر المنشق عن العلاقات الأمنية القائمة.

بيد أن لنهج الصين حدودا؛ فهي لم تثبت بعد قدرتها على إدارة حرب إقليمية كبرى أو تقديم ضمانات أمنية قوية. ومع ذلك، بالنسبة للعديد من دول الشرق الأوسط، فإن هذا التقييد يجعل الصين مكملا مفيدا للولايات المتحدة، لا بديلا عنها.


* رابعا: نظرة مستقبلية.. صراعات غير مؤكدة، ونفوذ صيني متزايد.

يبقى من غير المؤكد ما إذا كان بإمكان الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران الانتقال من المواجهة إلى تفاهم دبلوماسي دائم. فالخلافات حول البرنامج النووي الإيراني، وقدرات الصواريخ، والشبكات المسلحة الإقليمية، والعقوبات، والعقيدة الأمنية الإسرائيلية، متأصلة بعمق.

وحتى في حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار، قد تواجه المنطقة ضربات محدودة، واضطرابات بحرية، وتصعيدا بالوكالة، ومناورات سياسية على حافة الهاوية.

بالنسبة لحكومات الخليج، لا يهدد هذا الاضطراب الأمن فحسب، بل يهدد أيضا أجندات التنمية طويلة الأجل التي تعتمد عليها شرعيتها الداخلية بشكل متزايد.

من الواضح أن نفوذ الصين سيستمر في النمو؛ لأنه يتوافق مع طلب إقليمي على التنويع الإستراتيجي.

فالسعودية، والإمارات، وقطر، وعمان، ومصر، وغيرها من الفاعلين الإقليميين لا تتخلى عن الولايات المتحدة، لكنها لم تعد ترغب في الاعتماد على راع خارجي واحد. إنها تبني شراكات متداخلة في مجالات الأمن والطاقة والتكنولوجيا والتمويل والبنية التحتية.

وفي هذا النظام متعدد الأقطاب الناشئ، تكمن قيمة الصين في تقديم شكل مستقر وغير عسكري وأقل تدخلا أيديولوجيا من التعاون.

بالنسبة لدول الشرق الأوسط، لا يعد العمل مع الصين في المقام الأول رفضا لواشنطن، بل هو إستراتيجية للمرونة والتحوط وتوسيع هامش المناورة. ولذلك، ينظر إلى الصين بشكل متزايد ليس كبديل للولايات المتحدة، بل كشريك موثوق به في وقت باتت فيه الموثوقية نفسها نادرة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا