يشهد حزب "إصلاح المملكة المتحدة" اليميني المتطرف، بقيادة زعيمه نايجل فاراج، صعودا لافتا في الأوساط السياسية، عبر تبني خطاب مناهض للهجرة يدعو إلى تشديد الرقابة على الحدود.
وتكشف النتائج الأولية للانتخابات المحلية في بريطانيا عن صعود حزب "إصلاح المملكة المتحدة"، مقابل تكبّد حزب العمال البريطاني الحاكم بقيادة رئيس الوزراء كير ستارمر خسائر فادحة.
ويؤكد حزب "إصلاح المملكة المتحدة" أن هدفه يتمثل في تعزيز سيادة القانون عبر منح الأولوية للسيادة البرلمانية، وتقليص معدلات الهجرة، والحد من نفوذ الهيئات الدولية.
إلا أن مراجعة تمويل الحزب تكشف صورة مختلفة عن هذا الخطاب، إذ تتدفق الأموال إلى الحزب عبر الحدود، حسبما أورده تقرير لموقع الجزيرة الإنجليزي.
ويمتد العديد من الداعمين الماليين للحزب وحلفائه الأيديولوجيين إلى خارج المملكة المتحدة، ضمن شبكات دولية واسعة، يعدّ فاراج نفسه ناشطا بارزا فيها.
وتضم هذه الشبكة عددا محدودا من المتبرعين الأفراد، من بينهم أكبر داعمي الحزب، الملياردير البريطاني التايلندي والمستثمر في العملات المشفرة كريستوفر هاربورن.
وإلى جانب الدعم المالي الفردي، يشير التقرير إلى أن صعود الحزب يرتبط أيضا برحلات خارجية وشبكات نفوذ عابرة للحدود، في تناقض واضح مع خطابه القومي.
وحول مدى قانونية هذه التبرعات، يقول الخبير في التمويل السياسي والتنظيم الانتخابي بجامعة "بريستول" سام باور – لموقع الجزيرة الإنجليزي – إن نظام التمويل السياسي في بريطانيا يسمح بتبرعات غير محدودة شريطة الالتزام بالشفافية.
إلا أن الشفافية التي وُضعت لتحقيق التوازن مع حرية التبرع – يضيف باور – لم تعد تفي بالغرض، في ظل انتشار التبرعات غير الواضحة والهدايا وضعف قواعد تنظيم أنشطة جماعات الضغط، ما يضعف آليات الرقابة.
ويعتبر مدير السياسات في منظمة الشفافية الدولية في بريطانيا دانكن هيمز أن الديمقراطية البريطانية باتت تتحول إلى "ألعوبة في يد فاحشي الثراء".
ويوضح هيمز أن الأحزاب السياسية أصبحت تعتمد بشكل متزايد على عدد محدود من كبار المانحين، محذرا من أن تأثير هذه الأموال بات واضحا في السياسة، إذ تشتري النفوذ السياسي وحتى مقاعد في مجلس اللوردات.
ورغم أن التبرعات كانت جزءا ثابتا من النظام السياسي البريطاني، فإن باور يرى أن حزب "إصلاح المملكة المتحدة" ضخّم هذا النموذج إلى مستويات قياسية.
وتبرع رجل الأعمال بأكثر من 22 مليون جنيه إسترليني (نحو 30 مليون دولار أمريكي) للحزب، منها 12 مليون جنيه إسترليني (نحو 16.3 مليون دولار أمريكي) في عام 2025 وحده.
وأثارت علاقة هاربورن بزعيم الحزب فاراج جدلا واسعا، بعد أن كشفت صحيفة الغارديان أن الأخير تلقى منه هدية بقيمة 5 ملايين جنيه إسترليني (نحو 6.8 ملايين دولار أمريكي) لم يُفصح عنها مطلع عام 2024، قبل أسابيع من إعلانه الترشح للبرلمان عن دائرة كلاكتون.
وأحال حزب المحافظين فاراج إلى مفوض المعايير البرلمانية للتحقيق بشأن عدم كشفه عن هذا المبلغ، فيما قال فاراج إن المال قُدم له كهدية "لتأمين استقراره المالي لبقية حياته".
ولم يتوقف دعم هاربورن عند الهدايا، إذ أنفق الملياردير نحو 25 ألف جنيه إسترليني (نحو 34 ألف دولار أمريكي) على رحلة لزعيم الحزب إلى جزر المالديف قُيدت تحت مسمى "بعثة إغاثة إنسانية"، بحسب ما ورد في سجل المصالح المالية لأعضاء البرلمان البريطاني.
وحتى وقت نشر التقرير، لم يردّ حزب "إصلاح المملكة المتحدة" على طلب موقع الجزيرة الإنجليزي للتعليق في هذا الصدد.
كما شملت تلك الرحلات الخارجية فعاليات خطابية مدفوعة، ففي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أنفق رجل الأعمال اللبناني النيجيري والمتبرع البارز للحزب باسم حيدر نحو 55 ألف جنيه إسترليني (نحو 75 ألف دولار أمريكي) لنقل فاراج ومساعديْن له للمشاركة في "فعالية خطابية خيرية" بالولايات المتحدة، وفقا للسجل المذكور.
ويرى باور أن حزب "إصلاح المملكة المتحدة" يكتفي بالامتثال "بالحد الأدنى" لقوانين الشفافية الانتخابية، مشيرا إلى أن الحزب يبدو "غير معنيّ" بالكشف عن المعلومات ما لم يُجبر على ذلك، وهو نهج يتوقع استمراره مستقبلا.
بيد أن بعض التعديلات القانونية المحدودة بدأت تلوح في الأفق، فعقب الكشف عن هدية هاربورن، أعلنت الحكومة البريطانية خطة لفرض سقف سنوي قدره 100 ألف جنيه إسترليني (نحو 135 ألف دولار أمريكي) على تبرعات البريطانيين المقيمين في الخارج، إلى جانب حظر مؤقت على التبرعات عبر العملات المشفرة.
وبينما لن يتغير نظام التبرعات السياسية في بريطانيا بين ليلة وضحاها، يؤكد الخبير ضرورة التوصل إلى صيغة توافقية، مقترحا تحديد سقف للتبرعات عند مليون جنيه إسترليني (نحو 1.35 مليون دولار أمريكي)، في خطوة يرى أنها قد تسهم في تخفيف التأثير "السام" للمال على الحياة السياسية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة