في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
نابلس- على الطريق الرئيسي بين مدينتي نابلس و جنين شمالي الضفة الغربية، وعند مدخل بلدة برقة التي تتوسط المدينتين، اقتلع الاحتلال الإسرائيلي عشرات أشجار السرو والتين واللوزيات والحمضيات، في محيط منزل فادي مسعود.
طال التجريف أشجار زيتون روماني معمرة، وفق سكان محليين، لم تكن مجرد مصدر للزيت، بل "أفرادا من العائلة" تحمل أسماء الأجداد وتفاصيل حياتهم، قبل أن تتحوَّل فجأة إلى حطام تحت جنازير الجرافات.
حين انتهت الجرافة من عملها، ولم تبقَ شجرة زيتون واحدة تظلل الأرض، اقترب ضابط إسرائيلي من فادي مسعود وجيرانه السبعة الواقفين أمام بقايا أشجارهم، وقال لهم جملة واحدة تختصر كل شيء: "ضربناكم في أعز ما تملكون، شيء عزيز جدا عليكم، ضربناكم في شجرة الزيتون".
في تلك الجملة، التي قيلت بعد أن دهست جنازير جرافة "دي 10" العسكرية الضخمة، مئات السنين من الجذور في دقائق، يكمن جوهر ما حدث في قرية برقة شمال غرب نابلس يوم 27 أبريل/نيسان الماضي.
لم تكن "الحجة الأمنية" التي سيقت كذريعة للاقتلاع هي الدافع الحقيقي، وفق شهادات 3 من أبناء القرية، إنما ضرب ما هو "عزيز جدا" عليهم وعلى ذاكرة جمعية فلسطينية.
واقتلع الاحتلال في تلك العملية وحدها نحو 500 شجرة، عشرات منها زيتون روماني تجاوز عمرها مئات السنين. لكن الأرقام على فداحتها لا تحكي القصة، وهي أن كل واحدة من هذه الأشجار كانت تحمل سيرتها الخاصة، اسما ووجها وذاكرة و4 أجيال مرت تحت ظلها.
في الضفة الغربية، لا يوصف تجريف شجرة الزيتون كخسارة زراعية فحسب، بل كجزء من عملية ممنهجة لـ"مسح الذاكرة" واقتلاع الشهود الصامتين على تاريخ الأرض.
وبدأت حكاية عائلة مسعود مع الأرض منذ عام 1955، حين وضع الجد اللبنة الأولى للمنزل وزرع محيطه بمختلف أنواع الأشجار في المنطقة تعرف أصلا باسم "الجنينة". يقول فادي مسعود -للجزيرة نت- إن أشجار "الزيتون الرومي" تسبق بناء المنزل بقرون، ووقفت شاهدة على تبدل الأزمان.
يواصل مسعود حديثه بينما يقف بين بقايا الجذوع المهشمة: "أشجار الزيتون كانت موجودة قبل البيت، جدي بنى البيت بين سنتَي 1955 و1959، وكان الزيتون هنا من قبل، عمره مئات السنين لذلك سميت بالجنينة، من كلمة الجنة".
في هذه الأرض، كان 4 أجيال من العائلة قد عرفوا بعضهم بعضا من خلال الأشجار، الجدّ زرع السرو الذي ارتفع 8 أمتار فوق سطح المنزل ذي الطوابق الثلاثة. فيما زرع الأب، الذي توفي قبل سنتين، التين بيديه، وحين كان يفعل ذلك، كان يقول له الناس -بحسب فادي- "لن تثمر بحياتك"، فيرد "أنا لا أزرعها لنفسي، وإنما لتأكلوا منها أنتم وأولادكم".
وكبرت أشجار التين تلك حتى صار الأب في سنواته الأخيرة يقطف ثمارها من شرفة الطابق الثاني، يمد يده فيلتقط التينةَ التي زرعها بنفسه قبل عقود. هذه الصورة هي ما جرى محوُها مؤخرا على يد الاحتلال، إذ كانت "حوالي 12 شجرة تين" من بين ما اقتُلع.
في هذه الأرض كانت للزراعة طقوس عائلية، يقول فادي: "في أيام العطل، كنا ننزل كلنا إلى محيط البيت حيث الجنينة، ونزرع الشجر، ونضع السماد، ونقلّم الأغصان المريضة. الشجرة مثل طفل صغير نعتني فيها، ومهما كبرت نخاف عليها أكثر".
والمقارنة البصرية اليوم بين "جنة" عائلة مسعود السابقة وبين المشهد الحالي هي مقارنة بين الحياة والعدم. فبينما كانت أشجار السرو تتمايل طولا والزيتون الرومي يغطي الأرض، لم تترك جرافات الاحتلال خلفها سوى غبار السناسل (الأسوار الحجرية) المهدومة والأغصان المحطمة التي دُهست عمدا لمنع إعادة زراعتها.
على بعد أمتار من بيت فادي، على الجهة المقابلة للشارع الرئيسي تقف أرض أخرى صاحبها سلامة شبيب، خبير ومهندس زراعي يعرف تاريخ كل شجرة في قطعة أرضه كما يعرف تواريخ ميلاد أبنائه.
يقف سلامة تحت شجرة نجت من الاقتلاع مستظلا بها بينما تتكدس حوله جذوع ما اقتلع من جاراتها، "معظم الأشجار التي اقتلعت هي إرث الآباء والأجداد"، يقول سلامة. ويضيف وهو يشير إلى جذع مقطوع "من خلال النظر إلى جذع هذه الأشجار، يتبيّن أن عمره ما يقارب فوق 300 عام وبقية الأشجار تم زراعتها تعاقبا على قاعدة الحكمة الشعبية: زرعوا فأكلنا، ونزرع فيأكلون".
ولأنه خبير زراعي، يضع سلامة الخسارة في إطارها الصحيح. إذ ليست الخسارة اقتصادية أساسا كما يقول، مضيفا "شجرة الزيتون لها تأثير اقتصادي كبير علينا ولكنه لا يساوي شيئا مقارنة مع أعمار هذه الأشجار، وطمس هويتنا وتاريخنا وذاكرتنا في هذا المكان".
وعند سلامة -كما كل الفلسطينيين- تكتسب الشجرة بعدا ثالثا، إلى جانب البعدين العائلي والديني: بعد الشهادة التاريخية، فالشجرة في رؤيته شاهد، ويقول: "وجود هذه الشجرة يُثبّتنا في هذا المكان، ويُبرهن للعالم أجمع أن عمرها أكبر من عمر الاحتلال بمئات السنين".
وهذه الأرض بالذات، يقول سلامة، كانت مزروعة بأشجار الإجاص (الكمثرى) والرمان قبل أن يستقر الأهالي على الزيتون "لأنه لا يحتاج إلى عناية مقارنة مع المحاصيل الأخرى".
وكل تلك الطبقات الزراعية: الكمثرى ثم الرمان ثم الزيتون، كانت تشكل تراكم الذاكرة وأرشيفا حيا مفتوحا تحت السماء، ثم جاءت الجرّافة ومحت ذلك كله في بضع دقائق.
ما حدث في بُرقة ليس عملا معزولا، بل حلقة في خطة ممنهجة يمكن قراءتها على الخريطة بمجرد رؤيتها، فهذه المنطقة مستهدفة بشكل ممنهج منذ سبعينيات القرن الماضي.
وفي هذا السياق، يصف الناشط ضد الاستيطان من برقة، ذياب مسعود ما حدث بـ"الكارثة البيئية" ويقول: "كل الأراضي الواقعة على الجهة اليمنى لمدخل البلدة تعرّضت لتجريف متواصل، لكن الاعتداء الأخير كان الأضخم والأكثر قسوة؛ حيث جُرفت مجموعة من الأراضي تحوي مئات الأشجار المعمرة كالزيتون الروماني".
ولم يتوقف التخريب عند الحقول فحسب، بل طال الأشجار الموجودة داخل أسوار المنازل وفي الأسيجة التابعة لها، حيث تم تجريف جزء منها وإجبار الأهالي على قص الجزء الآخر تحت تهديد السلاح.
ولفت ذياب إلى أن التذرُّع بـ"الحجج الأمنية" ليس إلا غطاء لتبرير التضييق على السكان وتدمير حياتهم لإجبارهم على الرحيل وتهجيرهم قسرا من أراضيهم، في ظل غياب تام لأي دور للمحاكم الإسرائيلية التي رفضت اتخاذ أي إجراء لحماية حقوق الفلسطينيين.
وعن الإطار الأوسع لهذه الاعتداءات، أشار ذياب إلى أنّ ما جرى يرتبط بشكل وثيق بمخططات التوسع الاستيطاني في المنطقة، لا سيما عقب عودة المستوطنين إلى مستوطنة "حومش" التي أُخليت عام 2005 بقرار أحادي الجانب نفّذته حكومة أرييل شارون وتضمن إخلاء مستوطنات قطاع غزة و5 مستوطنات شمال الضفة الغربية.
وأضاف أنّ النشاط الاستيطاني يشهد تمددا متسارعا على مساحات شاسعة تقدر بآلاف الدونمات، متجاوزا الحدود السابقة للمستوطنة، ليطال أراضي تقع بين بلدتي بزاريا وبرقة، ضمن مساحة إجمالية تقارب 6 آلاف دونم (الدونم يعدل ألف متر مربع).
ولم يقتصر الأمر على الأرض، بل سيطر المستوطنون وبقوة السلاح على "عين الدلبة"، وهي مصدر مياه تاريخي يُغذي برقة منذ ستينيات القرن الماضي، ويُوفّر نحو 30% من احتياجاتها المائية، حسب ذياب.
وحذّر من امتداد "التغوُّل الاستيطاني" من مناطق (ج) الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة وفق اتفاقية أوسلو إلى مناطق "أ"التي يُفترض أنها تخضع لسيطرة فلسطينية إداريا وأمنيا وكذلك مناطق (ب) التي تتبع إداريا فقط للسلطة الفلسطينية.
وأشار إلى إقامة بؤرة استيطانية جديدة على تلة "بدّس" التي تتوسط برقة والقرى المحيطة بها مثل رامين وبزاريا، ضمن مناطق مصنفة "أ"، في خطوة تهدف إلى السيطرة على 5 آلاف دونم إضافية.
وتضم التلة أراضي تعود لمزارعين، إلى جانب عدد من المشاريع التابعة لإحدى الشركات الوطنية، وخزانا للمياه المعالجة يتبع لبلدية نابلس، ما يجعل حياة المزارعين في حالة خطر دائم، يؤكد ذياب مضيفا "المخطط الاستيطاني يهدف إلى حصر الفلسطينيين داخل محيط منازلهم فقط".
ورأى ذياب أنّ تعمّد استهداف شجرة الزيتون تحديدا يترك جرحا غائرا في النفس الفلسطينية لا يمكن مداواته؛ فهذه الشجرة "هي إرث الأجداد والآباء، والعلاقة بين الفلاح الفلسطيني وزيتونه تعكس ارتباطا روحيا ووجدانيا لا ينفصم".
ويصف المشهد لحظة اقتحام الجرافات الإسرائيلية للأرض "بكى الجميع بصمت. الشيوخ والنساء وحتى الأطفال، لشعورهم بأن هناك اعتداء مباشرا يستهدف روحهم وتراثهم وتاريخهم الإسلامي والعربي".
وأردف يقول: "هذا الفعل ليس مجرد إزالة لغطاء نباتي، بل هو إجرام ممنهج يستهدف تحطيم صمود الإنسان عبر ضرب أقدس ما يملك في أرضه، وهي الشجرة المباركة التي توفر له الظل والمأكل والأمان منذ فجر التاريخ".
ووصف ذياب المشهد ملخصا جوهر ما يجري بتأكيده أن هذا الاستهداف هو "حرب الرواية"؛ إذ يحاول الاحتلال طمس الذاكرة الفلسطينية التي تمثلها أشجار الزيتون الروماني الممتدة لآلاف السنين، ويعد وجودها البرهان القاطع والحي على الجذور الأصيلة في هذه الأرض، والشاهد الذي ينفي رواية الاحتلال الذي لا يتجاوز عمر دولته بضعا وسبعين عاما.
لذلك، يرى المستوطنون في هذه الشجرة "حربة" تواجه ادعاءاتهم، لأنها تثبت للعالم أن الفلسطيني موجود هنا منذ 4000 عام وما زال متمسكا بأرضه. وختم ذياب موضحا أن محاولة اقتلاع الزيتون في برقة وبيتا والمغير واللبن الشرقية وسائر قرى الضفة، ليست سوى محاولة يائسة لنزع "الشاهد التاريخي من مكانه، سعيا لتزييف الواقع وصياغة رواية جديدة تخلو من أصحاب الأرض الحقيقيين".
ترصد تقارير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الرسمية الفلسطينية نمطا تصاعديا ممنهجا منذ مطلع 2024؛ ففي أبريل/نيسان الماضي وحده استهدف جيش الاحتلال والمستوطنون 4414 شجرة زيتون بالتسميم أو الاقتلاع والتخريب " 2169 في محافظة الخليل، تلتها رام الله والبيرة بـ 1170، ونابلس بـ 740. فيما بلغت اعتداءات المستوطنين منذ مطلع هذا العام 2016 اعتداء.
خلف هذه الأرقام، تقف قصص مزارعين فقدوا مصدر رزقهم وذاكرتهم في لحظات، بعدما كانت هذه الأشجار ترافق تفاصيل حياتهم اليومية ومواسمهم السنوية.
ومع تكرار المشهد في أكثر من منطقة، من نابلس إلى رام الله والخليل، يتكرّس نمط واحد من الاستهداف؛ في كل موقع أرض كـ"الجنينة"، وعائلة كآل مسعود، وشجرة معمرة تختصر في اقتلاعها حكاية 4 أجيال.
وبحسب الأرقام التراكمية في تقارير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الحكومية الفلسطينية اقتلع الاحتلال أو خرب وسمم ما لا يقل عن 120 ألف شجرة في الضفة الغربية منذ 2020 وحتى نهاية أبريل/نيسان.
وتكشف البيانات أن استهداف شجر الزيتون يأخذ منحنى تصاعديا؛ ففي عام 2020 سُجّل اقتلاع وتدمير 16 ألفا و507 شجرات، ارتفع العدد إلى 22 ألفا و108 في 2021، وتراجع نسبيًا في 2022 إلى 10 آلاف و291 شجرة، و21 ألفا و731 شجرة في 2023.
ومع تصاعد الاعتداءات في أكتوبر\تشرين الأول 2023، عادت الأرقام للارتفاع في 2024 لتصل إلى 14 ألفا و212 شجرة، بينها 10 ألفا و459 شجرة زيتون، قبل أن تبلغ ذروتها في 2025 مع اقتلاع وتضرر 35 ألفا و273 شجرة، منها 26 ألفا و988 شجرة زيتون؛ أي أكثر من ضعفي حصيلة العام السابق.
أما خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، فقد اقتلع الاحتلال أكثر 9 آلاف شجرة، منها 6 آلاف و700 شجرة زيتون، بينها 4 آلاف و414 شجرة خلال أبريل\نيسان الماضي وحده.
فادي مسعود يتفقد ما تبقى من أشجار الزيتون التي كانت تحيط بمنزله منذ عقود طويلة (الجزيرة)مسعود يشير إلى أرضه التي استهدفها جيش الاحتلال واقتلع أشجارها (الجزيرة)آثار التجريف الإسرائيلي في أرض فادي مسعود ومواطنين آخرين في قرية برقة شمال غرب نابلس (الجزيرة)بقايا الأشجار التي جرفها الاحتلال من أرض المواطن فادي مسعود وكشف منزله (الجزيرة)مدخل بلدة برقة الشارع الرئيسي بين نابلس وجنين حيث جرف الاحتلال اراضي المواطنين (الجزيرة)جذع شجرة رومانية جرفها الاحتلال من أرض المواطن فادي مسعود في قرية برقة (الجزيرة)سلامة شبيب يحتضن شجرة زيتون نجت من التجريف الاسرائيلي في أرضه (الجزيرة)جذع شجرة زيتون رومانية جرفها الاحتلال في أراضي المواطنين بقرية برقة شمال غرب نابلس (الجزيرة)
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة