تسببت شظايا الحرب المندلعة في إيران وتداعيات إغلاق مضيق هرمز في إحداث زلزال جيوسياسي واقتصادي لم تقتصر آثاره على منطقة الخليج العربي فحسب، بل امتدت لتعيد صياغة خريطة التحالفات الدولية من برلين إلى مانيلا، واضعة مصداقية "المظلة الأمنية" الأمريكية على المحك أمام تنامي النفوذ الصيني الذي استغل أزمة الطاقة لتقديم نفسه كبديل إستراتيجي ومزود للحلول الخضراء.
وقد كشفت ثلاث صحف أمريكية كبرى، هي كريستيان ساينس مونيتور وفورين بوليسي ونيويورك تايمز ، عن أبعاد متشابكة للحرب الإيرانية تتجاوز ساحات القتال المباشرة، لتصل إلى قلب التوازنات الاقتصادية والسياسية في أوروبا وآسيا.
ففي مقال نشرته صحيفة كريستيان ساينس مونيتور، أفاد كاتب عمود الرأي نيد تيمكو بأن الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة باتوا أكثر قلقا بشأن استدامة شراكتهم معها بعد تداعيات الحرب ضد إيران، خاصة مع شعور متزايد بأن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تتعامل معهم على أنهم عبء أو أطراف ثانوية، لا شركاء إستراتيجيين.
ووفق المقال، فقد أثار قرار واشنطن المفاجئ سحب 5 آلاف جندي أمريكي من ألمانيا صدمة واسعة في أوروبا، ليس بسبب الخطوة في حد ذاتها، إذ كانت الدول الأوروبية تتوقع تقليصا تدريجيا للوجود العسكري الأمريكي، بل بسبب توقيت القرار وطبيعته العقابية.
وأشار الكاتب إلى أن القرار فُسر في الأوساط الدبلوماسية بأنه إجراء عقابي ضد المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي تجرأ على انتقاد الحرب علانية أمام طلاب مدرسة ثانوية، مشيرا إلى أن إيران قد "أهانت" الولايات المتحدة.
هذا السلوك الأمريكي المفاجئ جعل الحلفاء في حلف شمال الأطلسي ( الناتو) في حالة ذهول، حيث اضطر المتحدث باسم الحلف للاعتراف بأن القادة يحاولون جاهدين فهم ما تعنيه هذه الخطوة وتوقيتها المريب.
وبحسب المقال، فإن الحلفاء الأوروبيين -خصوصا ألمانيا وفرنسا وبريطانيا- كانوا قد بدؤوا بالفعل زيادة الإنفاق الدفاعي استعدادا لتحمل مسؤولية أكبر في حماية القارة من التهديدات الروسية، إلا أنهم ما زالوا يعتمدون على المظلة الأمريكية لضمان الردع العسكري الفعال.
الضغوط الأمريكية على دول جنوب شرق آسيا لم تقتصر على الجانب العسكري، بل سبقها استخدام الرسوم الجمركية والمطالبة بزيادة الإنفاق الدفاعي، مما أوصل رسالة واضحة مفادها أن شروط التعامل مع واشنطن قد تغيرت بشكل جذري
بواسطة الباحث نيد تيمكو
ولفت تيمكو في مقاله التحليلي إلى أن التوتر امتد ليصل إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وهي المنطقة التي أعلن ترمب أنها أولوية قصوى لسياسته الخارجية.
ففي آسيا، تبدو الصورة مشابهة لما انتاب القارة الأوروبية من هواجس، بحسب الصحيفة التي أوردت أن دولاً مثل اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين اضطرت إلى تعزيز قدراتها الدفاعية، لكنها لا تزال بحاجة للدعم الأمريكي في مواجهة الصين وكوريا الشمالية.
وبالرغم من أن هذه الدول تعتمد بشكل حيوي على الطاقة التي تمر عبر مضيق هرمز الذي خنقته الحرب، إلا أنها تجد نفسها أمام رئيس أمريكي لا يتوانى عن انتقادها علانية لرفضها الانضمام إلى المجهود الحربي بالقوة لفتح المضيق، كما تقول صحيفة كريستيان ساينس مونيتور.
على المنوال نفسه سار أليخاندرو رييس، الباحث الأول في مركز دراسات الصين المعاصرة والعالم بجامعة هونغ كونغ، حيث ركز في مقالته بمجلة فورين بوليسي على تأثير حرب إيران على منطقة جنوب شرق آسيا.
واعتبر الكاتب أن الأزمة الناجمة عن تلك الحرب دفعت دول تلك المنطقة إلى إعادة تقييم توازناتها بين واشنطن وبكين، ليس بدافع التحول الأيديولوجي نحو الصين، بل نتيجة الحاجة إلى حماية مصالحها الاقتصادية وتقليل تعرضها لصدمات السياسات الأمريكية.
وكان صندوق النقد الدولي قد حذر من أن آسيا هي المنطقة الأكثر عرضة للصدمات الطويلة الأمد بسبب اعتمادها الكثيف على الوقود من الشرق الأوسط.
واعتبر رييس في مقاله أن المشكلة تتجاوز مجرد نقص النفط الخام لتشمل المواد البتروكيماوية واللقيم اللازم للصناعات والزراعة، مما يقلص الأدوات السياسية المتاحة للحكومات المحلية.
وأوضح أن إعلان الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس الابن حالة الطوارئ في قطاع الطاقة خلال مارس/آذار الماضي عكس حجم الأزمة التي تواجهها دول المنطقة، بعدما تراجعت احتياطيات الوقود إلى مستويات حرجة.
وتبرز أهمية منطقة جنوب شرق آسيا -برأي الكاتب- باعتبارها أكثر من مجرد قصة اقتصادية إقليمية؛ فهي تُعد واحدة من أوضح المسارح العالمية لما يُعرف بـ"السيادة المقيدة".
وتضم هذه المنطقة مزيجاً من الحلفاء بموجب معاهدات رسمية، ومراكز للتصنيع، وخطوط مواجهة بحرية، ومستوردي طاقة، ودولاً تعتمد على التجارة، مع تفاوت كبير في مستويات القدرة على الصمود.
لكن الخطر الأعمق -برأي الكاتب- لا يقتصر على الندرة وحدها، بقدر ما يتمثل في تكريس السوابق. فإذا أصبح "التفاوض القسري" حول مضيق هرمز أمراً طبيعياً ومقبولاً، فإن هذا المنطق لن يظل محصوراً في الخليج، بل سينتقل شرقاً ليصل إلى مضيق ملقا، الذي يمر عبره ما يقرب من 22% من التجارة العالمية، وإلى مضيقي "سوندا" و"لومبوك" في إندونيسيا، وإلى البنية البحرية الأوسع التي يعتمد عليها ازدهار قارة آسيا بأسرها.
أما فيتنام، فقدمتها مقالة المجلة باعتبارها نموذجاً أكثر مرونة، حيث تسعى هانوي إلى توسيع علاقاتها مع الصين دون التخلي عن استقلاليتها السياسية.
وفي المقابل، اعتبر كاتب المقالة أن إندونيسيا تملك قدرة أكبر على المناورة بفضل حجمها الاقتصادي ومرونتها الدبلوماسية، رغم اضطرارها إلى تخصيص ما يقارب 5.9 مليارات دولار إضافية لدعم الطاقة هذا العام بسبب الحرب.
وفي ظل هذا التراجع في الثقة بالطرف الأمريكي، تحركت الصين بذكاء إستراتيجي، وهو ما فصلته صحيفة نيويورك تايمز في تقريرها من هونغ كونغ.
وجاء في تقرير الصحيفة أن بكين استغلت أزمة الطاقة لتعميق نفوذها لدى جيرانها المتعطشين للوقود، مقدمة نفسها كبديل مستقر وقوة عظمى مسؤولة.
ورغم أن الصين هي أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، إلا أنها راكمت احتياطيات ضخمة واستثمرت مئات المليارات في تكنولوجيا الطاقة النظيفة، مما جعلها تتعامل مع الأزمة من موقع قوة.
وبعد إغلاق مضيق هرمز، فرضت الصين قيوداً على صادراتها من المنتجات النفطية لتأمين احتياجاتها المحلية، مما وضع العديد من الدول الآسيوية تحت ضغط شديد ودفعها إلى طلب المساعدة من بكين.
وأشارت الصحيفة إلى أن فيتنام طلبت من الصين المساعدة في مواجهة نقص وقود الطائرات، فيما طلبت الفلبين تخفيف القيود على صادرات الأسمدة، بينما سعت أستراليا إلى ضمان استمرار شحنات الوقود عبر تفاهمات مباشرة مع المسؤولين الصينيين.
الصين تستخدم الأزمة كأداة قوة ناعمة لإظهار قدرتها على دعم أمن الطاقة لدى جيرانها، مع التمهيد لبيع التكنولوجيا الخضراء مستقبلا
بواسطة ميشال ميدان، باحثة في مجال الطاقة الصينية
وبحسب الصحيفة، فإن بكين استخدمت الأزمة لتقديم نفسها باعتبارها "شريك الاستقرار" في آسيا، مؤكدة أنها لا ترغب في إغلاق مضيق هرمز، لكنها في الوقت نفسه تروج للطاقة المتجددة باعتبارها البديل الآمن عن الاعتماد على الوقود الأحفوري القادم من الشرق الأوسط.
كما أبرزت الصحيفة أن الصين كثفت اتصالاتها الدبلوماسية مع الفلبين وأستراليا وفيتنام وتايلاند وكمبوديا ولاوس وميانمار وبنغلادش منذ اندلاع الحرب، في إطار حملة تهدف إلى توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي.
ورأت الصحيفة أن الحرب الإيرانية منحت بكين فرصة إستراتيجية لتسويق فائض إنتاجها من السيارات الكهربائية والألواح الشمسية وتقنيات الشبكات الذكية، في وقت كانت تواجه فيه انتقادات دولية بسبب إغراق الأسواق بمنتجات منخفضة التكلفة.
وأضافت أن استمرار الأزمة أدى إلى تراجع حدة الانتقادات الغربية للصادرات الصينية، بعدما أصبحت كثير من الدول الآسيوية ترى في التكنولوجيا والطاقة الصينية وسيلة لتقليل تعرضها للصدمات الجيوسياسية المرتبطة بالنفط والغاز.
مجمل القول إن تغطيات الصحف الثلاث تعكس صورة لعالم يتغير بسرعة تحت وطأة الحرب وأزمة الطاقة والتنافس بين القوى الكبرى.
ففي حين تتراجع ثقة الحلفاء بقدرة الولايات المتحدة على إدارة الأزمات دون تحميل شركائها كلفة باهظة، تبدو الصين مستعدة لاستثمار كل ثغرة سياسية أو اقتصادية لتعزيز نفوذها، ليس عبر القوة العسكرية المباشرة، بل من خلال الطاقة والتكنولوجيا والدبلوماسية الاقتصادية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة