آخر الأخبار

إنفوغراف.. كيف انعكس غياب الأونروا على الأمن الغذائي والمعيشي في غزة؟

شارك

غزة- لم تكن علاقة الزوجين عصام وميرفت الداعور، بوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ( الأونروا) متعلقة بالحصول على بعض المساعدات الطارئة خلال الحرب فقط، بل امتدت لسنوات طويلة اعتمدت خلالها العائلة على خدماتها الأساسية.

يقول عصام إن والديه وأجداده -الذين هجّرهم الاحتلال من قريتهم الأصلية "هربيا" إلى قطاع غزة في نكبة فلسطين عام 1948- كانوا من المستفيدين من برامج الوكالة منذ تأسيسها، مشيرا إلى أن المساعدات الغذائية كانت تصل شهريا بانتظام، إلى جانب توفير التعليم للأبناء والرعاية الصحية داخل عياداتها.

وخلال الحرب -وهي أسوأ أزمة إنسانية يتعرض لها قطاع غزة- زادت الاحتياجات الغذائية والصحية للأسرة، لكنها فوجئت في المقابل بتراجع ملحوظ في الخدمات المقدمة من الأونروا، نتيجة الإجراءات الإسرائيلية ضدها.

مصدر الصورة الزوجان عصام وميرفت الداعور تدهورت أوضاعهما المعيشية بسبب الغياب الكبير لخدمات الأونروا (الجزيرة)

الاحتياجات زادت والخدمات تقلصت

وبحسب عصام -المقيم مع أسرته في مركز إيواء غربي مدينة غزة بعد هدم منزله في محافظة شمال القطاع- فإن هذا التراجع لم يقابله بديل فعال، إذ لم تتمكن الجهات الإغاثية الأخرى من سد الفجوة أو توفير دعم منتظم يلبي الحد الأدنى من الاحتياجات.

ومنذ منع الاحتلال الإسرائيلي وكالة "الأونروا" من إدخال المساعدات لغزة، في مارس/آذار 2025، نشطت مؤسسات دولية أخرى، مثل برنامج الأغذية العالمي، والمطبخ المركزي العالمي (WCK)، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة ( يونيسيف)، وأطباء بلا حدود، وغيرها من المنظمات، لكنها -بحسب السكان- لم تتمكن من ملء الفراغ الكبير الذي تركه غياب وكالة الغوث.

مصدر الصورة

العلاج والغذاء عبء يومي

في الوضع الحالي، تواجه أسرة الداعور تحديات متراكمة في ظل محدودية الموارد وعدم انتظام المساعدات، ما يجعل تأمين الاحتياجات الأساسية، وعلى رأسها الغذاء والعلاج، عبئا يوميا مستمرا.

إعلان

وانعكس ضعف خدمات الأونروا بشكل مباشر على الزوجة ميرفت الداعور، التي تعاني من مرضي السكري وارتفاع ضغط الدم منذ عام 2017.

قبل الحرب، كانت ميرفت تتابع حالتها بشكل دوري داخل عيادات الوكالة، فتحصل على الفحوصات المخبرية والأدوية اللازمة دون انقطاع، ما ساعدها على الحفاظ على استقرار حالتها الصحية. لكن مع تراجع خدمات الوكالة، خلال الحرب، فقدت العلاج المنتظم، واضطرت إلى البحث عن بدائل محدودة.

وتوضح أن غياب المتابعة الطبية المنتظمة زاد من صعوبة السيطرة على مرضها، خاصة في ظل عدم توفر الفحوصات الدورية والأدوية بشكل ثابت.

مصدر الصورة مثقال وادي يقول إن أطفاله يقضون أوقاتهم في الشوارع دون أي مسار تعليمي واضح (الجزيرة)

خدمات تعليمية مفقودة

وقبل الحرب أيضا، كان أبناء مثقال وادي، اللاجئ من مخيم جباليا، يتوجهون صباحا إلى مدارس وكالة الغوث (الأونروا) في المرحلة الأساسية، ضمن نظام تعليمي وجاهي منتظم، داخل بيئة دراسية منظمة ونظيفة، يتلقون فيها كتبهم ودفاترهم وأقلامهم بشكل مجاني.

كان هذا المشهد جزءا ثابتا من حياة الأسرة. أما اليوم، فقد تغير هذا الواقع بشكل كامل؛ مدارس الأونروا مغلقة منذ اندلاع الحرب، ولم تُستأنف العملية التعليمية في المنطقة التي يقيم فيها وادي حاليا، حسب قوله، ليبقى الأطفال خارج مقاعد الدراسة، ويقضون وقتهم في الشوارع دون أي مسار تعليمي واضح.

وكانت الوكالة الدولية تدير مئات المدارس وتقدم خدمات التعليم لنحو 300 ألف طالب وطالبة، لكنها حاليا لم تتمكن سوى من فتح نقاط تعليمية تعمل بشكل جزئي بمعدل 3 أيام أسبوعيا وتضم قرابة 70 ألف طالب.

ولا تقتصر معاناة أسرة وادي على غياب التعليم للأبناء، بل تعدته إلى فقدان الأمن الغذائي، فقبل بداية الحرب، كانت المساعدات الغذائية، التي تشمل الطحين والسكر والزيت وبعض المعلبات، تصل لعائلته من الوكالة بشكل منتظم، أما الآن، فقد توقفت بشكل كامل، في حين تقتصر المعونات المقدمة من جهات أخرى على فترات متباعدة وبكميات محدودة لا تلبي الاحتياجات الأساسية للأسرة.

مصدر الصورة

لا بديل

ومن خلال تجربته في الحرب، يرى الفلسطيني أحمد سالم أن الجهات الإغاثية التي دخلت على خط الاستجابة لم تتمكن من تعويض الدور الذي كانت تؤديه الأونروا، موضحا أن الوكالة، قبل توقف خدماتها، كانت تعمل ضمن نظام واسع ومنظم، يعتمد على قاعدة بيانات دقيقة للأسر، ويستند إلى خبرة طويلة في إدارة وتوزيع المساعدات بشكل منتظم وعادل.

ويشير إلى أن الوكالة كانت تضم آلاف الموظفين، وتدير شبكة ممتدة من المدارس والعيادات ومراكز التوزيع، ما مكنها من الوصول إلى العائلات وتلبية احتياجاتها.

في المقابل، يصف ما تقدمه المؤسسات الأخرى، بأنه تدخل محدود، ويعتمد على استجابات جزئية لا تغطي مختلف الجوانب المعيشية.

مصدر الصورة منير عسلية: جميع السكان في غزة استفادوا من خدمات أونروا وتأثروا بغيابها (الجزيرة)

الضرر يطال غير اللاجئين

وخلافا للاعتقاد السائد بأن خدمات الوكالة الأممية تقتصر على لاجئي نكبة فلسطين عام 1948 فقط، تكشف تجربة الحرب المستمرة أن دورها كان يمتد عمليا إلى شريحة أوسع من السكان، خاصة في مراحل النزوح والأزمات الحادة، حيث استفاد منها غير اللاجئين أيضا، ولو بشكل طارئ، ما جعل غيابها يترك فراغا إغاثيا واضحا في الميدان.

إعلان

منير عسلية ليس من اللاجئين المسجلين لدى الوكالة، يوضح أن الفوارق التقليدية بين "لاجئ ومواطن" تراجعت بشكل كبير مع بداية الحرب، حين فُتحت أبواب مراكز الأونروا أمام الجميع في ظل موجات النزوح الواسعة.

ويشير إلى أنه خلال الأشهر الأولى، تلقّت أسرته طرودا غذائية وأكياس طحين ضمن استجابة وُصفت آنذاك بأنها منظمة وواسعة النطاق، رغم أنه لم يكن يعتمد على خدمات الوكالة بشكل دائم قبل الحرب. لكن هذا التدخل لم يستمر، إذ توقفت المساعدات عن الوصول إلى أسرته، لتجد نفسها أمام أزمة غذائية مباشرة دون مصدر دعم منتظم.

ومن وجهة نظره، فإن الفارق الأساسي بين الأونروا والمؤسسات البديلة لا يتعلق فقط بحجم المساعدات، بل بقدرة النظام نفسه على الاستمرار والتوزيع العادل.

ويوضح أن ما تقدمه مؤسسات دولية أخرى، يأتي غالبا على شكل مساعدات متقطعة، سواء كانت مبالغ مالية تُصرف مرة واحدة أو على فترات متباعدة، أو مساعدات غذائية لا تصل بشكل منتظم، وهو ما يجعلها غير قادرة على خلق حالة استقرار معيشية.

"تصفية" و"فوضى"

ولم يتسن الحصول على تعقيب جديد من مسؤولي الأونروا حول تأثير القيود الإسرائيلية ونقص التمويل، على أنشطتها في قطاع غزة. لكن المستشار الإعلامي للوكالة، عدنان أبو حسنة، صرح للجزيرة نت سابقا أن الاستهداف الإسرائيلي نجح في التأثير على المساعدات الغذائية التي تقدمها الأونروا في غزة، لكنها مستمرة في تقديم خدمات متعلقة بالصحة والتعليم، مؤكدا أن إسرائيل تسعى إلى تصفية الوكالة وليس فقط الحد من أنشطتها.

وقال إن توقف الوكالة عن تقديم الخدمات الإغاثية، تسبب في "فوضى" في عملية توزيع المساعدات، مضيفا "لو كانت المنظمة (الأونروا) هي التي تقود عملية التوزيع لما كانت هذه الفوضى والعشوائية التي بسببها لا يستفيد مجمل السكان".

وتابع: "رغم ضآلة ما يدخل من مساعدات، فإن الأونروا هي الوحيدة التي لديها نظام ومعلومات وبيانات وقدرة على الوصول إلى كل المجتمعات السكانية في قطاع غزة".

ورغم استمرارها في تقديم خدمات متعلقة بالصحة والتعليم، إلا أنه وصف الأوضاع في هذين القطاعين بـ"البائسة"، حيث يفترض أن يعود مئات الآلاف من الطلاب لمقاعد الدراسة، لكن الوكالة تقدم خدمات التدريس "عن بُعد" لنحو 300 ألف طالب.

كما وصف أبو حسنة الوضع الصحي بأنه "خطير، فهناك مئات الآلاف من المرضى، فضلا عن عدم توفر الأدوية والمعدات ونقص حاد بالوقود، الوضع الصحي لا يزال منهارا وبصورة خطيرة".

مدرسة تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بعد قصفها في غزة (الجزيرة)

من منظور اقتصادي

يرى الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر أن الدور الذي كانت تضطلع به هذه الوكالة الدولية قبل الحرب لم يكن دورا هامشيا أو إغاثيا محدودا، بل كان يمثل بنية خدماتية واسعة يعتمد عليها جزء كبير من السكان.

ويقدّر أن نحو 70% من الأسر كانت تستفيد بشكل مباشر أو غير مباشر من خدمات الوكالة، سواء في التعليم أو الصحة أو المساعدات الغذائية.

ومن منظور اقتصادي، يوضح في حديثه -للجزيرة نت- أن الأونروا كانت تشكل أحد أهم مصادر ضخ السيولة النقدية في السوق المحلي، من خلال رواتب آلاف الموظفين والعاملين بعقود دائمة ومؤقتة وبرامج التشغيل لمواجهة البطالة، وهو ما كان يخلق حالة من الحركة الاقتصادية داخل بيئة محاصرة تعاني من محدودية الموارد.

ومع تراجع هذا الدور خلال الحرب، يشير إلى انتقال المجتمع نحو اعتماد شبه كامل على المساعدات، في ظل تدهور واضح في القدرة الشرائية وغياب مصادر الدخل المنتظمة.

95% من الأسر الغزية تعتمد بشكل أساسي على المساعدات لتأمين احتياجاتها اليومية (الجزيرة)

95% يعتمدون على المساعدات

وتظهر المؤشرات الميدانية، بحسب قراءته، ارتفاعا حادا في مستويات اعتماد الأسر الفلسطينية على الإغاثة، حيث كانت النسبة قبل الحرب تدور في حدود 60%، بينما باتت اليوم تقارب 95%.

إعلان

ويرى أبو قمر أن الإشكالية الحالية لا تتعلق فقط بحجم المساعدات، بل بآلية إدارتها وتوزيعها، فالمؤسسات الدولية العاملة حاليا، رغم تعددها، لا تمتلك ما كانت تمتلكه الأونروا من قاعدة بيانات شاملة وخبرة تراكمية في إدارة ملف اللاجئين والسكان المتضررين على نطاق واسع.

هذا الفارق، بحسب رأيه، انعكس على عدالة التوزيع وانتظامه، حيث تعمل كل جهة بشكل منفصل، دون منظومة موحدة تضمن وصول المساعدات وفق معايير ثابتة.

ومن وجهة نظر الخبير الاقتصادي أبو قمر، فإن تغييب دور الأونروا لا يمكن قراءته فقط من زاوية إنسانية أو إغاثية، بل يمتد إلى أبعاد اقتصادية واجتماعية أوسع، انعكست في ارتفاع معدلات الفقر إلى أكثر من 90%، والبطالة إلى ما يزيد على 80%، في ظل غياب أي منظومة اقتصادية بديلة قادرة على توليد دخل أو خلق فرص عمل.

وتعتمد الوكالة في تمويلها على تبرعات الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وتعد الجهة الرئيسية التي تقدم المساعدات الإنسانية للاجئين الفلسطينيين، بما يشمل الغذاء والرعاية الصحية والتعليم والمأوى، لكنها تتعرض لضغوط إسرائيلية مستمرة حيث حظرت سلطات الاحتلال عملها بالقدس نهاية عام 2024.

وتأسست الأونروا عام 1949 بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفُوّضت بتقديم المساعدة والحماية للاجئين الفلسطينيين في مناطق عملياتها الخمس: الأردن وسوريا ولبنان والضفة الغربية وقطاع غزة.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا