آخر الأخبار

رحلة عبر الحواجز والجدران.. الجزيرة نت تواكب سفر "فلسطينيي 48" إلى الضفة

شارك

القدس المحتلة- مجرد السفر على امتداد الطريق المحاذي لحدود 4 يونيو/حزيران 1967، باتجاه شمال الضفة الغربية، تنكشف طبقات متراكمة من حصار تصاعد تاريخيا؛ حيث الكتل الإسمنتية المتتابعة، والحواجز العسكرية، وجدار يفصل الأرض والناس على جانبي الخط الأخضر.

هنا لم يعد التواصل الجغرافي على مرمى حجر بين الداخل الفلسطيني والضفة الغربية سوى ذكرى بعيدة، إذ تحول إلى رحلة طويلة ومعقدة، تُقاس بساعات من الطرق الالتفافية نحو نابلس أو طولكرم الأقرب إلى مناطق الداخل.

عند حاجز جبارة، جنوبي مدينة طولكرم، تبدأ الحكاية فعليا، حيث تعمل هذه النقطة العسكرية على مدار الساعة، لكنها لم تعد ثابتة الإيقاع كما كانت؛ فبحسب ظروف المرحلة، كثيرا ما يُغلق الحاجز أمام مركبات فلسطينيي الـ48، بينما يسمح بمرور مركبات المستوطنين الإسرائيليين، وعندها يتبدل معنى العبور من إجراء روتيني إلى تجربة مرتبطة بالقيود والانتظار.

مصدر الصورة مدخل بلدة سفارين قضاء طولكرم مغلق بقرار عسكري ورفع المستوطنون العلم الإسرائيلي عليه (الجزيرة)

كاميرات وبوابات وحواجز

على امتداد طريق جبارة المؤدي إلى شارع وادي الشعير شمال غرب مدينة نابلس، تتغير ملامح المشهد بسرعة؛ حيث تترامى القرى الفلسطينية، والخِرب التاريخية والأثرية، لكن الوصول إليها بات محكوما ببوابات عسكرية وكاميرات مراقبة تعمل على مدار الساعة.

أما الطرق الفرعية التي كانت تربط هذه القرى بالشارع الرئيسي، فأُغلقت تماما، لتصبح الحركة مقيدة، ولتغدو لوحة التسجيل الفلسطينية على المركبة سببا في ملاحقة قد تطول أو تتعثر.

في المقابل، تتسع على جانبي الطريق مظاهر مختلفة، منها لافتات ترويجية لمشاريع استيطانية، أبرزها في مستوطنة "أفني حيفتس" الدينية المقامة جنوب شرق طولكرم، إلى جانب حفريات وأعمال بنى تحتية تُعيد تشكيل المكان.

وعلى امتداد المسار، تظهر بؤر استيطانية وزراعية جديدة، من بينها "إلياهو"، الممتدة على تخوم خرب وقرى مثل جبارة وشوفة وسفارين وسمارة، وجميعها محاصرة بشبكة من البوابات والحواجز الإسرائيلية.

مصدر الصورة الشوارع الرئيسية المؤدية إلى شمال الضفة الغربية تعجّ بالأعلام الإسرائيلية لفرض حضور بصري دائم (الجزيرة)

شريان استيطاني

على هذا الامتداد، يرافق المسافر حضور واضح للتوسع الاستيطاني في محيط القرى، حيث تمتد المستوطنات والبؤر الجديدة على حساب أراضٍ قريبة من ما تُعرف بـ"قرى الكفريات" جنوبي طولكرم أيضا، في مشهد يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى الجغرافيا اليومية، ويجعل التنقل بين طولكرم ونابلس تجربة تتجاوز كونها مجرد سفر لا يستغرق أكثر من نصف ساعة في الأحوال العادية، لتصبح خريطة من القيود المتداخلة.

إعلان

الأعلام الإسرائيلية ترفع على مسارات متعددة، في محاولة لفرض حضور بصري دائم، فيما تتوسع البؤر العسكرية مع مواقع استيطانية تدريجيا، كما الحال في مستوطنة "عناب" التي تمددت على سفوح جبال "قرى الكفريات".

وفي مقطع آخر، تظهر بؤرة عسكرية قديمة تحولت إلى حي جديد يطل على طريق وادي الشعير الرابط بين طولكرم ونابلس. هنا، حتى المرور لا يخلو من مفارقات: مركبات فلسطينية محدودة تظهر على الطريق، كأنها استثناء داخل فضاء أوسع من السيطرة والتحكم الاحتلالي.

ومع الاقتراب من بلدة دير شرف في مدخل مدينة نابلس الغربي، يتكثف المشهد أكثر. هذا الطريق الحيوي بين نابلس وطولكرم بات محاطا بتوسع استيطاني جديد، من بينها بؤرة زراعية، وصولا إلى مستوطنة "شافي شومرون" المقامة على أراضي بلدات دير شرف وسبسطية وبرقة والناقورة.

هناك، تظلل الطرق شبكة معززة من كاميرات المراقبة والحواجز العسكرية، حتى يتحول "دوار دير شرف" المعروف إلى نقطة تقاطع لطرق لا تنتهي، وبداية مسارات معقّدة نحو نابلس وجنين شمالا.

مصدر الصورة بوابة حديدية نُصبت بعد الحرب على غزة عند مدخل بلدة دير شرف قضاء نابلس وتشهد تواجدا عسكريا إسرائيليا (الجزيرة)

نابلس.. محطة تسوق وترفيه

ما إن تتجاوز دوار دير شرف باتجاه نابلس، حتى يتبدل الإيقاع، فالطريق التي أثقلتها الحواجز خلفك، تنفتح فجأة على مشهد أسرع، أخف، وكأنك تقترب من مساحة مختلفة تماما. دقائق قليلة، وتكون على مشارف المدينة، حيث يلفتك أولا ذلك الإحساس الهادئ؛ وداعة المكان، وبساطة الناس.

على امتداد شارع سمّي باسم الرئيس محمود عباس، تصطف مئات المحال التجارية على جانبي الطريق، كواجهة مفتوحة لاقتصاد المدينة. هنا تبدأ الحكاية فعليا؛ حافلات تحمل لوحات إسرائيلية، ومركبات بالمئات تقل عائلات من فلسطينيي الـ48، جميعهم يسابقون الوقت للوصول إلى قلب نابلس، التي كانت وما تزال محطة تجارة وترفيه لفلسطينيي شمال الضفة ولأبناء الداخل أيضا.

في حي رفيديا، وعلى طول شارع الرئيس الذي سمي بـ"الشهيد ياسر عرفات" تزدحم المطاعم والمقاهي والفنادق، وتصطف محال الألبسة وحلويات المدينة المشهورة، وتتوزع بإيقاع متناسق، تقدم تجربة تسوّق لا تشبه غيرها. فالأسعار هنا قد تكون أعلى من الأسواق الشعبية، لكنها تظل أقل بالنسبة لفلسطينيي الداخل (مناطق الـ48)، بينما تبقى جودة السلع والخدمات جزءا من المعادلة التي تجذب الزبائن.

تواصل السير، تعبر شارع سفيان، وسط المدينة، حيث تزدحم مواقف السيارات بحافلات ومركبات الوافدين، عند المجمع التجاري الشهير، وهنا تتفرع الخيارات؛ إما الاستمرار في نمط التسوق الحديث، أو التوجه نحو عمق المدينة، حيث الحكاية الأقدم.

ومع الانعطاف نحو شارع غرناطة ودوار الشهداء، تبدأ ملامح نابلس الأخرى بالظهور. البلدة القديمة، أو " دمشق الصغرى" كما يحلو للبعض تسميتها، تفتح أبوابها بأزقتها الضيقة وروائحها العتيقة، ويتباطأ الزمن، وتعلو التفاصيل: حجارة قديمة، حوانيت صغيرة، أصوات باعة، ووجوه تعرف المكان ويعرفها.

رغم ما يطالها من اقتحامات بين حين وآخر، لا تفقد البلدة القديمة روحها. تعود الحياة إليها مع كل زائر، مع كل عائلة تتجول في أزقتها، ومع كل لقاء يجمع فلسطينيي الضفة والداخل في مساحة واحدة. في هذا المكان، لا يكون التسوق مجرد غاية، بل تجربة كاملة؛ مزيج من التاريخ، والناس، والانتماء.

مصدر الصورة فلسطينيون من قضاء الناصرة في الداخل يحرصون على قضاء عطلة نهاية الأسبوع في نابلس (الجزيرة)

فسحة أسبوعية

يقضي سعيد أبو راس برفقة أصدقائه محمد زيدان وهشام عباس رحلة تحمل شيئا من الحنين إلى ما قبل الحرب على غزة. كانت هذه الزيارات طقسا أسبوعيا ثابتا، يقضونها بين الأسواق والمطاعم وأزقة المدينة، هربا من ضغط العمل اليومي.

إعلان

اليوم، يحاولون استعادة تلك التجربة. يتجولون بين معالم نابلس السياحية والتجارية، يقضون ساعات من "النقاهة" كما يصفونها، لكن المشهد لم يعد كما كان تماما، يلاحظون سريعا ارتفاع الأسعار، في تفاصيل صغيرة وكبيرة، من وجبات الطعام إلى السلع المعروضة في المحال.

ورغم ذلك، لا يبدو الأمر مفاجئا بالنسبة لهم. يربطون هذا الارتفاع بغلاء المعيشة وتداعيات الحرب، ويقرون بأن الأسعار تخضع في النهاية لمنطق العرض والطلب، لكنهم يشيرون أيضا إلى عامل آخر لا يقل أهمية: الجودة. فبالنسبة لهم، الفارق في السعر غالبا ما يقابله مستوى مختلف من الجودة، وهو ما يجعل التجربة مقبولة إلى حد ما.

يقول سعيد ورفاقه -للجزيرة نت- إن الغلاء بات يثقل الجميع، في الداخل كما في الضفة، ومع ذلك تبقى نابلس خيارا مفضلا، فحتى مع ارتفاع الأسعار، لا تزال أقل مقارنة بمثيلاتها المضاعفة في الداخل الفلسطيني، وهو ما يمنح هذه الرحلات سببا إضافيا للاستمرار، ولو بوتيرة مختلفة عما كانت عليه في السابق.

مصدر الصورة مدينة نابلس عنوان لفلسطينيي الـ48 للسياحة والتسوق وينعكس ذلك إيجابيا على أسواقها وحركتها التجارية (الجزيرة)

اندثار المسافات القصيرة

من باقة الغربية، البلدة الملاصقة لخط الرابع من يونيو/حزيران (بين الضفة الغربية والداخل)، حرص صلاح مصاروة على جعل رحلاته إلى نابلس وطولكرم جزءا من روتينه الأسبوعي. كانت المسافة قصيرة، والزيارة خفيفة، لا تتجاوز في أغلب الأحيان نصف ساعة من السفر، قبل أن يجد نفسه بين الأسواق والأقارب، لكن هذا الإيقاع انكسر مع السنين.

وبعد الحرب على غزة، انقطع مصاروة عن الضفة لأشهر طويلة. لم يكن القرار سهلا، خاصة وأن له أقارب في نابلس، لكن الطريق لم يعد كما كان. يروي كيف تحولت الرحلة إلى معاناة يومية مع الحواجز العسكرية، حيث يقف لساعات في طوابير الانتظار لعبور حاجز دير شرف، وقتٌ كفيل بأن يسلب الزيارة معناها.

أما طولكرم، التي كانت الأقرب إلى قلبه وجغرافيته، فأصبحت أبعد مما تحتمل الرحلة، يقول للجزيرة نت إن آخر زيارة له استغرقت نحو 3 ساعات، مسافة كانت تُقطع سابقا في نصف ساعة فقط، ويتساءل بمرارة: ما جدوى أن تقضي ساعات طويلة في الطريق ذهابا وإيابا، لتجد نفسك لا تملك سوى وقت قصير للتجول أو التسوق؟.

لهذا، صارت عائلات الداخل، كما يقول، تفضل التوجه إلى نابلس. ورغم القيود والإجراءات، تبقى الطريق إليها "أهون" مقارنة بطولكرم المحاصرة. هناك، في أسواق نابلس، يجد مصاروة بديلا مقبولا؛ مدينة أكثر حيوية، وخيارات أوسع، وأسعار لا تزال أقل من الداخل، رغم موجة الغلاء التي طالت الجميع. يقول إن الأوضاع الاقتصادية في الداخل لم تعد سهلة، والعائلات تبحث دائما عن تكلفة وأسعار أقل.

ومع ذلك تبقى نابلس وجهة مفضلة، ليس فقط للأسعار، بل أيضا لعلاقة تراكمت مع الزمن، "اعتدنا على محال معينة وأصبحنا زبائن دائمين لديها"، في إشارة إلى شبكة غير مرئية من الثقة تربط التاجر بالزبون، وتمنح الرحلة معنى يتجاوز مجرد الشراء.

التاجر إحسان الكيلاني (يمين) يستقبل الزبائن القادمين من مناطق الداخل الفلسطيني (الجزيرة)

ابتسامة تجار لا تغيب

في أحد محال الألبسة الرجالية في نابلس، يقف إحسان زيد الكيلاني خلف بضاعته، يستقبل الزبائن بابتسامة لا تغيب، وكأنها جزء من إستراتيجيته في الصمود، فبالنسبة له، المسألة ليست مجرد بيع وشراء، بل علاقة ثقة طويلة مع الزبون.

يقول الكيلاني للجزيرة نت، إن من يملك زبائنه يحافظ عليهم، أما من يستغل الظروف ويرفع الأسعار، فهو الخاسر في النهاية. يرفض فكرة المساومة القاسية أو استغلال الأزمة، ويؤكد أن الحفاظ على الزبون أهم من أي ربح سريع، خاصة في ظل واقع اقتصادي يثقل كاهل الفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر.

إعلان

هذا الواقع كما يراه الكيلاني، لا ينفصل عن المشهد الأمني، فالحصار والإجراءات العسكرية لا تقيّد الحركة فقط، بل تخنق السوق وتحدّ من قدرة الناس على الوصول والتسوق، وهو ما ينعكس مباشرة على حركة البيع والشراء.

حافلات لفلسطينيي 48 تحط في موقف بشارع سفيان وسط نابلس (الجزيرة)

نشاط جزئي

على مقربة منه، يشارك طارق جمال شتيوي، صاحب محل للألبسة الشرعية، الرواية ذاتها، لكن بنبرة تحمل قلقا أكبر؛ حيث يشير إلى أن أسواق نابلس كانت تعتمد بشكل أساسي على المتسوقين من فلسطينيي الداخل، الذين كانوا يملؤون شوارعها يوميا.

اليوم تغير المشهد، فالمدينة التي كانت تضج بالحياة، يقول شتيوي للجزيرة نت "تعيش ركودا واضحا، ولا تستعيد جزءا من نشاطها إلا في نهاية الأسبوع"، وتحديدا يومي الخميس والسبت، مع قدوم الزوار من فلسطينيي الـ48 بعد انتهاء دوامهم.

خلال باقي أيام الأسبوع، تبدو الأسواق أهدأ مما ينبغي. الحركة متوسطة، وأحيانا ضعيفة، وتعتمد في الغالب على سكان المدينة أنفسهم، الذين يواجهون بدورهم ظروفا اقتصادية صعبة، في ظل البطالة وقلة فرص العمل.

يتحدث شتيوي عن أشهر طويلة خلال الحرب والتصعيد، حيث كادت الحركة التجارية أن تتوقف تماما، قبل أن تعود تدريجيا مع عودة جزئية للوافدين من الخارج. ومع ذلك، يؤكد أن هذا التحسن لا يزال محدودا، إذ تكتفي العائلات بشراء الأساسيات فقط، رغم العروض والتخفيضات.

التجار يقولون إن النشاط التجاري في نابلس القديمة لا يتجاوز 20% من وضعه قبل حرب الإبادة (الجزيرة)

نشاط تجاري ضعيف

في أسواق البلدة القديمة، حيث يمتد "خان التجار" ومحلات "الكنافة" الأقدم والأشهر في المدينة، يُقدر رائد حسيب، صاحب محل للألبسة الرجالية، أن النشاط التجاري لا يتجاوز 20%.

ويقول حسيب -للجزيرة نت- إن السوق يعيش حالة ركود واضحة، لا يكسرها سوى توافد العائلات من الداخل، التي تمنح المكان دفعة مؤقتة من الحياة. لكنها، كما يوضح، حركة غير مستقرة، تأتي على فترات وتنقطع، ما يجعل السوق رهينة للظروف الأمنية وإجراءات الاحتلال.

ورغم هذا الواقع، يحاول التجار التكيّف، فالعروض مستمرة، والأسعار تُخفّض قدر الإمكان، في محاولة لجذب الزبائن والحفاظ على استمرارية العمل.

وفي الأسواق الشعبية تحديدا، تبدو المنافسة أوضح، حيث تعرض البضائع بأسعار في متناول الجميع، كنوع من التحدي للظروف، ومحاولة للإبقاء على الحد الأدنى من الحركة.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا