تتعدد السيناريوهات المحتملة لكيفية ومكان وظروف اندلاع صراع مباشر، وشامل بين دول الاتحاد الأوروبي، وروسيا.
على سبيل المثال، قد يشعل الحصار الغربي المفروض على مقاطعة كالينينغراد، وما يتبعه من محاولات روسية لكسر هذا الحصار عبر ممر "سوالكي"- وهو جزء من الحدود بين ليتوانيا وبولندا-، فتيل هذا الصراع.
وقد تكون ذريعة الحرب عملية غربية للاستيلاء على سفن تابعة لـ"أسطول الظل" الروسي في مكان ما في بحر البلطيق بالقرب من مضيق الدانمارك، مما يستدعي ردا مضادا من السفن الحربية والغواصات الروسية.
كما لا يمكن استبعاد وقوع حادث بحري في الشمال، في جنوب بحر بارنتس، بالقرب من سبيتسبيرغن، أو في خطوط العرض القطبية الشمالية العليا.
وقد تتفاقم الأمور وتخرج عن السيطرة في جمهورية ترانسنيستريا المعلنة من جانب واحد على الأراضي المولدوفية، وكذلك على امتداد جزء من الحدود البيلاروسية البولندية، أو البيلاروسية الليتوانية.
قد يكون سبب اندلاع نزاع ما، هو وصول طائرات معادية مسيرة بشكل غير متوقع، أو تصاعد النشاط السيبراني لأحد الأطراف، أو تعطل مفاجئ لمجموعات كبيرة من أقمار الاتصالات الفضائية.
إن قائمة الأسباب المحتملة لحرب كبرى لا يحدها إلا الخيال، فضلا عن وعي وخبرة المراقبين الذين يبحثون عن هذه الأسباب.
هناك عدد أقل بكثير من السيناريوهات التي تصف متى، وكيف يمكن أن تنتهي مثل هذه الحرب.
بطبيعة الحال، يأمل المرء أن يتبع التصعيد الأوّلي تهدئة سريعة، وأن يتفق الطرفان على وقف إطلاق النار بعد اندلاع الأعمال العدائية بفترة وجيزة، ثم على تسوية دبلوماسية للنزاع وإنشاء نظام أمني أوروبي جديد.
وتعلَّق بعض الآمال على الوساطة الخارجية، وبعثات حفظ السلام الدولية، وظهور حركات مناهضة للحرب داخل أوروبا نفسها.
مع ذلك، يدرك الجميع أنه في حرب أوروبية كبرى، ستكون المخاطر جسيمة للغاية بالنسبة لكل طرف، وبالتالي من غير المرجح أن يميلوا إلى اختزال مواجهتهم بـ"اختبار قوة" محدود ومحكم السيطرة.
إن إجبار أحد الطرفين على الاعتراف بالهزيمة سريعا وتقديم تنازلات كبيرة، فضلا عن الاستسلام، باسم السلام، سيكون أمرا بالغ الصعوبة. بل على العكس تماما، سيصر الطرف الخاسر في ساحة المعركة على تصعيد الموقف، حتى لو وصل به الأمر إلى استخدام أسلحته النووية.
بالتالي، فإن أبسط تبادل للهجوم النووي سيؤدي حتما إلى سلسلة من ردود الفعل؛ إذ سيجبَر الطرفان على الرد من خلال تبادل الضربات بشكل موسع، مما سيؤدي إلى تصعيد سريع للنزاع.
وسيجعل التصعيد السريع في حدة الهجمات المتبادلة، من المستحيل احتواء النزاع ضمن حدود حرب نووية "محدودة"، مما يعني عشرات، وربما مئات الملايين من الضحايا، ودمارا كليا أو جزئيا للعديد من المدن الأوروبية، وتلوثا إشعاعيا طويل الأمد لأراض شاسعة، وتغيرا مناخيا جذريا، وأوبئة جماعية، وأزمة غذاء، وغيرها من العواقب الكارثية.
فهل ستتمكن الولايات المتحدة من البقاء بمنأى عن مثل هذه المواجهة الأوروبية؟
كما هو معروف، تنص المادة الخامسة الشهيرة من معاهدة شمال الأطلسي على أن أي هجوم مسلح على دولة أو أكثر من دول حلف شمال الأطلسي، يعتبر هجوما عليها جميعا، مما يجعل الانسحاب الأمريكي أمرا بالغ الصعوبة.
ولكن حتى بدون المادة الخامسة، التي يمكن لواشنطن تجاهلها تحت أي ذريعة مناسبة، فإن تجنب التدخل الأمريكي سيكون صعبا للغاية.
ويعود ذلك أساسا إلى امتلاك الولايات المتحدة بنية تحتية عسكرية ضخمة في أوروبا، تضم أكثر من 80 ألف جندي و50 منشأة عسكرية، بما في ذلك خمس قواعد للأسلحة النووية التكتيكية (ناهيك عن قاعدة إنجرليك الجوية في منطقة آسيا التابعة لتركيا).
في ظل هذه الظروف، يبدو تورط الولايات المتحدة في حرب نووية أوروبية أمرا حتميا، حتى لو حاول البيت الأبيض تبني موقف عدم التدخل في الشؤون الأوروبية.
لذا، فإن أي صدام تقليدي واسع النطاق بين روسيا وجيرانها الغربيين، بغض النظر عن السبب، سيؤدي- باحتمالية كبيرة- إلى حرب نووية قارية، ثم إلى حرب نووية عالمية، مما سيؤدي إلى تدمير الحضارة الأوروبية كما نعرفها. هذا المنطق واضح جدا بحيث لا يمكن تجاهله أو إغفاله في أوروبا.
ومع ذلك، تتحدث العواصم الأوروبية اليوم باستمرار عن احتمال نشوب حرب تقليدية كبرى مع روسيا خلال السنوات القليلة المقبلة.
فلماذا كل هذا الحديث عن حرب وشيكة كبرى مع روسيا إذا كانت تعد بمثابة انتحار جماعي أوروبي؟
الإجابة البديهية هي أن الحديث عن الحرب ضروري؛ لتبرير الإنفاق المالي غير المسبوق على تعزيز القدرات العسكرية والصناعية العسكرية الأوروبية.
فبدون هذا التعزيز، يصبح الحديث عن تحقيق "الاستقلال الإستراتيجي" لأوروبا عن الولايات المتحدة، وتحويل الاتحاد الأوروبي إلى مركز قوة عالمي متكامل، أمرا لا طائل منه.
بعبارة أخرى، يعد التهديد الحقيقي بحرب كبرى مع روسيا شرطا أساسيا لتحول أوروبا- التي كانت تدار من واشنطن- إلى قوة جيوسياسية مستقلة. فهل سينجح الاتحاد الأوروبي في تحقيق هذا التحول؟
الإجابة الإيجابية عن هذا السؤال ليست واضحة. فلتنفيذ الخطط العسكرية المتفق عليها مسبقا، سيتعين على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي زيادة إنفاقها الدفاعي المجمع إلى ما بين 800 و900 مليار دولار سنويا بحلول منتصف العقد القادم.
وهذا الرقم يضاهي ميزانية الدفاع الأمريكية الحالية. ومع ذلك، يتعين على الأوروبيين أيضا مراعاة ارتفاع تكاليف استيراد الطاقة، وتوسيع برامج الرعاية الاجتماعية لكبار السن، وسبل تجاوز الفجوة التكنولوجية مع الولايات المتحدة والصين، والحفاظ على دعم أوكرانيا، والعديد من القضايا الأخرى التي تتطلب موارد مالية ضخمة.
إذن، في ظل هذه الظروف، يعد ترسيخ فكرة حرب محتملة، بل وحتمية، مع روسيا في الوعي العام الأوروبي وسيلة ملائمة، وإن لم تكن مضمونة، لإجبار الناخبين على ترشيد الإنفاق، وقبول تراجع مستويات المعيشة كضرورة مؤلمة ولكنها حتمية.
فقد يثور الناخبون الأوروبيون في مرحلة ما ويرفضون الثقة بـ"أحزاب الحرب" التي تحكمهم حاليا. وقد تستيقظ النزعة السلمية الأوروبية، التي تعيش حاليا حالة من الجمود، وكما حدث مرارا في الماضي، قد تندلع الاحتجاجات في شوارع وساحات مدن القارة.
ومع ذلك، فإن الحديث الدائر حاليا في أوروبا عن حرب قارية كبرى مستقبلية باعتبارها أمرا ممكنا، بل وحتميا، ليس مجرد ذريعة سياسية عابرة، فضلا عن كونه مجرد كلام فارغ.
وراء هذا الحديث يكمن تسارع عسكرة القطاعات المدنية في الاقتصادات الأوروبية، ولا سيما ألمانيا. ويكمن وراء ذلك ارتفاع حاد في مستوى التعاون العسكري الإستراتيجي والتقني بين الدول الأوروبية الرائدة.
كما يكمن وراءه إعادة توجيه سريعة للبحث والتطوير في أوروبا نحو التطورات الدفاعية. ومع مرور كل عام، تكتسب هذه العمليات زخما إضافيا، ويصبح إيقافها أكثر صعوبة.
كل هذا يذكرنا بالأوضاع في أوروبا مطلع القرن الماضي. حينها لم يكن الكثيرون يؤمنون باحتمالية اندلاع حرب أوروبية كبرى، لكن الجميع كانوا يستعدون بحماس لهذه الحرب "الافتراضية"، آملين في إجبار خصومهم على تقديم تنازلات قبل اندلاع النزاع المسلح، وفي أسوأ الأحوال، تجنب إراقة الدماء قدر المستطاع.
في نهاية المطاف، اندلعت الحرب العالمية في نهاية يوليو/تموز 1914، حاملة معها كوارث لا تحصى، وانهيار النظام العالمي الذي كان قائما قبل الحرب.
والفرق الجوهري مع عصرنا الحالي هو أن عالم 1914، لم يكن يمتلك أسلحة نووية، أو الوسائل اللازمة لإيصالها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة