في القرى المسيحية القريبة من الحدود الجنوبية للبنان، لا تحتاج القذائف إلى بلوغ الساحات أو الكنائس أو البيوت، حتى يشعر السكان بوقعها. فالطريق، والمتجر، وموعد العودة إلى المنزل، كلها تصبح جزءا من حسابات يومية مفتوحة على احتمالات عدة.
لكن الحرب دخلت هذه القرى مرارا، وخلفت قتلى، وهدمت بيوتا على أصحابها أو في غيابهم.
لكن آثار الحرب بين حزب الله وإسرائيل في تلك القرى تتجلى بوضوح من خلال حياة الناس اليومية، المتاجر الفارغة من البضائع، والطرقات التي تتضاءل فيها الحركة مع حلول المساء، وقلق المزارعين الذين يحسبون ألف حساب في الطريق إلى مزارعهم. ويتحول الانتظار في هذه البلدات إلى نظام حياة: انتظار فتح طريق، أو وصول مؤونة، أو موافقة عبور تتأخر أحيانا وتضيع أحيانا أخرى في تعقيدات الوضع العام محليا وعلى مستوى البلاد عموما.
يقول سكان ومسؤولون محليون إن الدخول إلى هذه القرى والخروج منها باتا يمران عبر ما يعرف بـ”الميكانيزم”، وهي آلية تنظم الحركة في مناطق تُصنّف باعتبارها “محيّدة”. لكن هذا التصنيف يترك السكان أمام واقع ملتبس: بلدات تبدو محمية نظريا ومحاصرة في الواقع، وحياة مدنية تعتمد على ترتيبات أمنية لا يملك الأهالي قرارها.
بعد لقائه بالبطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي في مارس الماضي، قال السفير الأميركي في لبنان، ميشال عيسى، إن واشنطن حصلت على التزام إسرائيلي بعدم استهداف البلدات المسيحية في الجنوب، ما لم تدخل إليها عناصر حزبية.
لكن هذه الصيغة تضع السكان أمام شرط أمني خارج عن سيطرتهم. فالقرى المدنية تصبح، عمليا، مطالبة بضمان ما يجري على أطرافها أو داخلها، فيما يبقى قرار الحرب والاستهداف في يد أطراف مسلحة وجيوش لا يملك الأهالي التأثير في حساباتها.
وسرعان ما كشفت الوقائع الميدانية حدود هذا الترتيب. ففي مارس، قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف خلية داخل إحدى القرى المسيحية الجنوبية بعد رصد دخولها إليها. كانت الحادثة كافية لتذكير السكان بأن “التحييد” ليس ضمانة ثابتة، وأن أي خرق أمني يمكن أن يحوّل البلدة، في لحظة واحدة، من مساحة مستثناة إلى هدف محتمل.
في رميش، البلدة الحدودية ذات الغالبية المسيحية، لا يحتاج السكان إلى لغة السياسة كي يعبروا عن معاناتهم، فالواقع أكثر بلاغة من اللغة ذاتها: حركة محدودة، وإمدادات متقطعة، وخدمات أساسية تتراجع تحت ضغط الحرب.
“الوضع صعب جدا”، يقول رئيس البلدية، حنا العميل، لموقع “الحرة”. والصعوبة هناك تقاس بقدرة السكان على تأمين ما يحتاجونه للبقاء في البلدة، من الغذاء إلى المياه والكهرباء.
يقول العميل إن المساعدات لا تصل وفق حاجات الأهالي، وإنما وفق ما يُسمح بإدخاله بعد التنسيق عبر “الميكانيزم”. فالشحنات تدخل أحيانا ولا تصل في أحيان أخرى، من دون جدول ثابت، ما يجعل تأمين الأساسيات مرتبطا بقرارات وترتيبات خارج سيطرة السكان.
ومنذ الأيام الأولى للحرب، انقطعت الكهرباء بالكامل، ثم تعطلت معها إمدادات المياه. ومع خروج البئرين الارتوازيين اللذين يغذيان شبكة البلدة عن الخدمة، تحولت المياه من خدمة أساسية إلى همّ يومي، يزيد من عزلة رميش ويجعل بقاء السكان فيها أكثر كلفة.
في ما يتعلق بالغذاء، يقول سكان ومسؤولون محليون إن الخضار والفواكه غابت تقريبا عن البلدة منذ أكثر من شهر، فيما يعتمد كثيرون على المعلبات والحبوب. ومع الوقت، يتحول هذا النمط الغذائي إلى مصدر قلق صحي، خصوصا لدى الأطفال، مع تراجع التنوع في الطعام وصعوبة الحصول على بدائل طازجة.
حتى حليب الأطفال لم يعد متاحا بصورة منتظمة. يصل جزء منه عبر مبادرات فردية من مغتربين من أبناء رميش، لكن إدخاله إلى البلدة يبقى خاضعا للتنسيق والانتظار، ما يجعل حاجة أساسية كهذه رهنا بجهد أهلي لا بنظام إمداد ثابت.
أما في مجال العناية الصحية فتبدو الأزمة أقسى. إذ يعمل القطاع الصحي ضمن حدود ضيقة جدا. تؤمّن بعض المنظمات جزءا من الأدوية، غير أن ما هو متوفر من أدوية الأمراض المزمنة لا يسد الحاجة. ولا يوجد في رميش مستشفى، بل مستوصف قادر على التعامل مع الحالات الأولية فقط، فيما تحتاج الحالات الحرجة إلى نقل خارج البلدة. والتأخر في إخراج مريض أو مصاب قد يحوّل المسافة بين رميش وأقرب مركز علاج إلى عامل حاسم في حياة السكان.
“المصير غير واضح”، يقول العميل، مشددا على أن الأولوية اليوم هي لتأمين ممر إنساني دائم يربط البلدة ببيروت، ويعيد الحد الأدنى من انتظام الحياة إلى سكانها.
في عين إبل، يتضاءل عدد السكان جراء الحرب. يقول رئيس البلدية أيوب خريش لـ”الحرة” إن عدد المقيمين تراجع من نحو 2200 إلى حوالي 1100. أي أن نصف سكان البلدة غادروها.
وغيّر هذا التراجع إيقاع الحياة في البلدة. إذ أُغلقت منازل، وخفّت الحركة في الشوارع، وفضّلت عائلات كثيرة الانتقال إلى مناطق أكثر أماناً بدل العيش مع أصوات قصف قريب وصعوبة في تقدير ما إذا كانت الطرق ستبقى مفتوحة عند الحاجة.
وللتعايش مع هذا الواقع، جرى تأمين المياه عبر بئر بلدي، والكهرباء عبر مولدات، واستمرت المساعدات في الوصول خلال فترات الهدنة، كما أُنشئ مستشفى ميداني. لكن هذه الإجراءات تبقي الحياة ممكنة بالحد الأدنى، من دون أن تعيد إليها الإحساس بالأمان.
وزاد القصف الذي طال أطراف البلدة من قلق السكان، بعدما أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص ودمر عددا من المنازل، ما جعل الخطر أقرب إلى البيوت لا مجرد أصوات انفجارات قريبة أو بعيدة.
“نسمع القصف ولا نملك شيئا لنفعله”، يقول خريش.
في دبل، البلدة الحدودية الأخرى، “لا أحد يدخل ولا أحد يخرج”، يقول رئيس البلدية عقل نداف لموقع “الحرة”. من بين نحو 1700 شخص يعيشون في البلدة، لم يغادرها سوى ثلاثة من كبار السن ضمن موكب للسفير البابوي باولو بورجيا.
الخدمات شبه متوقفة، والكهرباء مقطوعة، والمياه تُستخرج من الآبار، ومياه الشرب تصل عبر المساعدات، فيما يتزايد النقص في الخبز والطحين ومواد التنظيف.
ليس هناك مستشفى في دبل، بل مستوصف بإمكانات بسيطة. لذلك يعتمد كثير من الأهالي على أقاربهم في بيروت لتأمين الدواء وإرساله حين تتاح فرصة لإيصاله.
يقول نداف إن القصف طال أطراف البلدة، وألحق أضراراً بمنازل وأسفر عن قتلى. ويخشى من تتهيأ لهم فرصة للمغادرة أن يدمر القصف بيوتهم في غيابهم.
غياب الدولة
ما يجمع هذه القرى لا يقتصر على موقعها الحدودي. فهي تشترك في المعاناة جراء تراجع الخدمات، والغياب الحكومي، وطرق وإمدادات متقطعة، وحركة سكان بلا ضمانات سلامة.
وكانت الرابطة المارونية قد شددت على أن حماية أبناء هذه القرى تقع ضمن مسؤوليات الدولة اللبنانية، كما تقع عليها مسؤولية إيواء النازحين وإغاثتهم. ودعت الدولة إلى عدم التخلي عن صلاحياتها، وإجراء الاتصالات اللازمة مع اليونيفيل ولجنة “الميكانيزم” لتأمين حماية السكان وفتح طريق حيوي يربط القرى ببعضها وبباقي المناطق اللبنانية.
وقال النائب نزيه متّى لموقع “الحرة” إن الدولة تبذل ما تستطيع، لكن الظروف “ليست سهلة إطلاقاً”. وأضاف أن أي انتشار للجيش اللبناني في بعض البلدات قد يعرّضه لمخاطر، “لاسيما وأن المعركة الدائرة ليست معركة الدولة اللبنانية”. ويرى متّى أن مساعي تحييد هذه القرى لم تقتصر على الدولة، بل شاركت فيها أيضاً أطراف سياسية، خصوصاً حزب القوات اللبنانية.
أما مدير المركز الكاثوليكي للإعلام، المونسنيور عبدو أبو كسم، فيرى أن المطلوب من الدولة كان منع الجنوب من الوصول إلى هذا الوضع منذ البداية، لكن “حجم التحديات فاق قدرتها”. وقال لموقع “الحرة” إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى حضور أكثر فاعلية للدولة، خصوصاً في إعادة الإعمار، وبسط سلطة الجيش على كامل الجنوب حتى الحدود.
في ظل هذا الفراغ، أصبحت الكنيسة أحد خطوط الدعم الأساسية للقرى الحدودية.
يقول مدير المركز الكاثوليكي للإعلام، المونسنيور عبدو أبو كسم، إن الكنيسة “تضطلع بدور فاعل في دعم القرى الجنوبية، ولا سيما البلدات المسيحية الواقعة على الشريط الحدودي”، وهي بلدات يصفها البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي بأنها “سياج الوطن”.
ويقول أبو كسم إن هذا الدعم يصل عبر قوافل إغاثية تنظمها كاريتاس لبنان، ومؤسسة أعمال الشرق، والبعثة البابوية، إلى جانب جمعيات مسيحية أخرى. وتتحرك هذه القوافل بين القطاع الغربي والأوسط والشرقي، حاملة مواد غذائية ومحروقات وأدوية، إضافة إلى اللحوم والخضار والفواكه.
وتصل المساعدات، بحسب أبو كسم، إلى بلدات مثل عين إبل ورميش ودبل، ومرجعيون والقليعة ومحيطهما، إضافة إلى قرى الزهراني. ويشيد بدور سفير الفاتيكان، الذي يقول إنه ينظم مواكب الإغاثة بالتعاون مع الجمعيات ويشرف عليها شخصياً، ويتحمل مخاطر الوصول إلى القرى لتسليم المساعدات والوقوف إلى جانب الكهنة. كما يشير إلى الجولات التي يقوم بها البطريرك الراعي في المنطقة.
إلى جانب العزلة الحالية، يجري الحديث عن سينارير أكثر خطورة، وهو إنشاء منطقة أمنية إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، خالية من السكان، لمنع حزب الله من إعادة بناء بنيته العسكرية قرب الحدود.
يعني هذا السيناريو إخلاء بلدات أو فصلها عن محيطها، وتغيير الخريطة السكانية في منطقة عاشت طويلا على توازن دقيق بين القرى والطوائف والطرق الزراعية والعائلية. ويحذّر المونسنيور عبدو أبو كسم من “احتمال فصل قرى الشريط الحدودي عن محيطها”، رغم أن خطوط الإمداد ما زالت قائمة حالياً عبر “الميكانيزم”.
ويقول أبو كسم إن “الخطر لا يطال المسيحيين وحدهم، بل يشمل جميع أبناء الجنوب”، لكنه يشدد على أن المسيحيين في القرى الحدودية ما زالوا “صامدين في قراهم رغم الضغوط والظروف الصعبة، ومتمسكين بالبقاء في أرضهم”.
أما النائب نزيه متّى فيقول إنه لا يرى “خطرا حقيقيا” على استمرار الوجود المسيحي في هذه البلدات. ويرى أن صمود القرى المسيحية في الجنوب يشكل عنصر قوة يمكن أن يساعد الدولة لاحقا على استعادة سلطتها الكاملة في المنطقة.
المصدر:
الحرة