يتوجه ملايين الناخبين في إسكتلندا وويلز وإنجلترا يوم 7 مايو/أيار إلى صناديق الاقتراع في انتخابات محلية وإقليمية يُتوقع أن تعيد رسم الخريطة السياسية البريطانية، وسط مؤشرات على تراجع هيمنة الحزبين التقليديين، وصعود قوى بديلة.
وتُعد هذه الانتخابات اختبارا حاسما لمستقبل رئيس الوزراء كير ستارمر الذي يواجه تراجعا حادا في شعبيته، في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي إلى استياء واسع من أدائه.
ويخشى حزب العمال من نتائج "مدمرة" تنهي سلطته وتزعزع قبضته على البلاد، وتتيح صعود أحزاب أخرى كانت على هامش الحياة السياسية، وفق تقارير في صحيفتي آي بيبر وفايننشال تايمز البريطانيتين.
وتنقسم الضغوط التي يواجهها ستارمر إلى داخلية وخارجية، وفق ما يقوله أناند مينون، مدير مركز أبحاث "المملكة المتحدة في أوروبا المتغيرة"، في تحليل نشرته صحيفة آي بيبر.
ويركز مينون على الضغوط الدولية، مؤكدا أن ستارمر يواجه اختبارا معقدا في محاولته إعادة ضبط العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، وتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة.
وقد أكد ستارمر سابقا، أثناء مشاركته في قمة "المجموعة السياسية الأوروبية" بأرمينيا، أن إعادة بناء الروابط الاقتصادية مع بروكسل باتت أولوية إستراتيجية، بحسب التحليل.
لكن هذا الطموح -وفق مينون- يصطدم بشروط أوروبية صارمة، إذ تربط بروكسل أي انفتاح اقتصادي بمساهمات مالية قد تصل إلى نحو مليار جنيه إسترليني (نحو 1.27 مليار دولار) سنويا، إضافة إلى رفضها القاطع لما تصفه بـ"الانتقائية البريطانية" في الاستفادة من السوق الأوروبية دون الالتزام الكامل بقواعدها.
يحذر المحلل من أن مسار "إعادة الضبط" قد يفقد زخمه إذا لم يتم التوصل إلى تسويات ملموسة
وتشمل المفاوضات الجارية ملفات شديدة الحساسية مثل الزراعة ونظام تداول الانبعاثات وسوق الكهرباء وبرنامج "تجربة الشباب".
ويعد الملف الأخير أحد أبرز نقاط الخلاف، إذ يصر الاتحاد الأوروبي على ضمان تسهيلات أوسع للطلاب والمواطنين الأوروبيين، بما في ذلك السماح لهم بدفع الرسوم الجامعية وفق الأسعار المحلية البريطانية التي لا تنطبق عادة على الطلبة الدوليين.
وتشير تقديرات -نقلها المحلل- إلى أن هذا قد يكلف الجامعات البريطانية نحو 580 مليون جنيه إسترليني (نحو 737 مليون دولار)، مما يزيد من حساسية الملف داخليا.
بدورها تؤكد الحكومة البريطانية تمسكها بخطوطها الحمراء، مثل عدم العودة إلى السوق الموحدة أو سياسة حرية التنقل، وفق التحليل.
وفي ظل هذا الجمود النسبي، يحذر المحلل من أن مسار "إعادة الضبط" قد يفقد زخمه إذا لم يتم التوصل إلى تسويات ملموسة، مشيرا إلى أن الاتحاد الأوروبي لا يضع هذه العلاقة في صدارة أولوياته حاليا، مقارنة بملفات أخرى.
ومع تزايد الضغوط الاقتصادية، في وقت تقدر فيه الحكومة نفسها أن " بريكست" كلف الاقتصاد نحو 8%، يجد ستارمر نفسه أمام خيارات صعبة؛ إما تقديم تنازلات مالية وتنظيمية، أو المخاطرة بفشل مشروعه لإعادة التقارب مع أوروبا.
في المقابل، يضيف التحليل أن العلاقة الخاصة مع واشنطن لم تعد بنفس القوة التي كانت عليها سابقا، خصوصا في ظل موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من بريطانيا، مما يضع رئيس الوزراء أمام معادلة دقيقة بين شريكين دوليين رئيسيين لا يقدمان مسارا سهلا.
هذا الضغط الخارجي يتقاطع مع أزمة داخلية أكثر تعقيدا، إذ تؤكد فايننشال تايمز أن الانتخابات المرتقبة ستكون بمثابة استفتاء غير مباشر على بقاء ستارمر في منصبه، في حين تصفها آي بيبر بأنها ستكون "حمام دم سياسي".
وتوضح الصحيفتان أن الأداء الضعيف المتوقع لحزب العمال في إسكتلندا، واحتمال خسارته في ويلز، إلى جانب تراجع كبير في المجالس المحلية في إنجلترا، قد يفتح الباب أمام تحدٍ مباشر لقيادته.
لم يعد النقاش داخل حزب العمال يدور حول احتمال تغيير القيادة، بل حول توقيت ذلك
ولم يعد النقاش داخل حزب العمال يدور حول احتمال تغيير القيادة، بل حول توقيت ذلك، إذ يتحدث عدد متزايد من النواب عن "متى سيتم استبدال ستارمر"، وليس "إن كان سيتم استبداله"، وفق ما نقلته فايننشال تايمز.
غير أن أكثر ما يخشاه حلفاء ستارمر هو استيقاظ الحزب في 8 مايو/أيار على سلسلة هزائم انتخابية هائلة، مما قد يؤدي إلى خروج الأمور عن السيطرة، مع احتمال استقالة الوزراء ومطالبة النواب باستقالة رئيس الوزراء.
والمعضلة الأساسية إذن -كما تؤكد الصحيفة- تكمن في غياب بديل واضح قادر على توحيد الحزب إذا تحقق هذا السيناريو.
وفي هذا السياق تضيف آي بيبر أن العامل الحاسم الذي أبقى ستارمر في منصبه حتى الآن، هو حالة "الشلل" التي تعانيها أبرز الأسماء المرشحة لخلافته.
ويظهر اسم وزير الصحة ويس ستريتينغ كأحد أبرز المرشحين المحتملين، إذ يُعتقد أنه يمتلك شبكة دعم واسعة داخل الحزب ومهارات تواصل قوية.
غير أن آي بيبر وفايننشال تايمز تنقلان عن بعض المصادر أن صعود التيار اليساري داخل حزب العمال يضعف حظوظه، نظرا لانتمائه إلى الجناح اليميني، كما أن مقربين منه يؤكدون أنه لا يستعد حاليا لتحدي سلطة ستارمر، ويواصل دعمه علنا.
أما أنجيلا راينر، نائبة رئيس الوزراء السابقة، فتعاني من تعقيدات قانونية مرتبطة بالضرائب، مما يضعف قدرتها على المنافسة في المدى القريب.
والمرشح الثالث هو عمدة مانشستر الكبرى آندي بيرنهام الذي لم يخفِ طموحه لقيادة الحزب، لكنه ليس عضوا في البرلمان -كما تشير الصحيفتان- وهو شرط ضروري للترشح للقيادة.
وتخلص التقارير إلى أن إزاحة ستارمر ليست مسألة نتائج انتخابية فقط، بل ترتبط أيضا بغياب بديل محتمل وانقسام داخلي، ومخاوف من تداعيات أي تغيير مفاجئ في القيادة على الاستقرار السياسي، وحتى على الأسواق المالية.
ومع ذلك، بين ضغوط الداخل وتحديات الخارج، تبدو حسابات ستارمر أكثر تعقيدا من أي وقت مضى، في لحظة سياسية قد لا تحدد فقط مستقبله، بل أيضا موقع بريطانيا في النظام الدولي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة