في ظل تصاعد الحرب المعلوماتية المرافقة للصراع بين الولايات المتحدة وإيران، لم تعد المعارك تُخاض فقط بالسلاح، بل أصبحت تُدار أيضا عبر الصور والمقاطع والمحتوى الرقمي، في مشهد يزداد فيه "ضباب الحرب" كثافة وتعقيدا.
ولخصت الكاتبة "غريتيل كان" هذه الحالة في تقرير نُشر في موقع معهد رويترز للصحافة، والذي تناول كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل بيئة التغطية الإعلامية للحروب.
تقول الكاتبة إن مفهوم "ضباب الحرب"، الذي صاغه المنظّر العسكري كارل فون كلاوزفيتز لوصف حالة الغموض في ساحة المعركة، بات اليوم أكثر تعقيدا في العصر الرقمي، حيث تُنتَج الحروب وتُعاد صياغتها بصريا عبر الإنترنت، مضيفة أن هذا التحول يجعل التحقق من الوقائع أكثر صعوبة، ويضع الصحفيين أمام تحديات غير مسبوقة.
وأضافت أن الصراع بين واشنطن وطهران يُعد نموذجا واضحا لهذا التحول، إذ تغمر منصات التواصل الاجتماعي موجات من الصور ومقاطع الفيديو والروايات المتضاربة، في وقت أصبح فيه التمييز بين الحقيقي والمفبرك أكثر تعقيدا مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وأوضحت "غريتيل" أن عام 2026 شهد طفرة كبيرة في حجم وانتشار المحتوى المُصنّع بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك مقاطع طائرات مسيّرة مزيفة، وصور أقمار صناعية مفبركة، وتصريحات مركّبة، ولفتت إلى أن هذا المحتوى لا يقتصر على حسابات مجهولة، بل باتت حتى بعض الجهات الرسمية تنخرط في نشره.
وفي هذا السياق، قالت إن أحد أبرز ملامح هذا التحول يتمثل في "حرب الميمز"، حيث يتنافس الطرفان على تشكيل الرأي العام عبر محتوى ساخر أو ترفيهي يحمل رسائل سياسية.
وأضافت أن الحسابات الرسمية للبيت الأبيض نشرت مقاطع دعائية تمزج بين لقطات الضربات العسكرية ومشاهد من أفلام وألعاب الفيديو، في حين اعتمدت إيران بشكل أكبر على إنتاج محتوى بصري باستخدام الذكاء الاصطناعي، مثل مقاطع بأسلوب "ليغو" وتزييفات عميقة.
وأشارت الكاتبة إلى أن هذا النمط من الخطاب الرقمي لا يستهدف دائما خداع الجمهور بشكل مباشر، بل يسعى إلى ترسيخ سرديات معينة حتى وإن بدا المحتوى زائفا بشكل واضح، موضحة أن الهدف هو التأثير على إدراك الجمهور للحرب أكثر من إقناعه بواقعة محددة.
ونقلت عن خبراء أن هذا التوجه يمثل جيلا جديدا من الدعاية الحربية تطور بشكل ملحوظ منذ أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث أصبحت الميمز أداة مركزية في تعبئة الجمهور وتوجيه النقاشات العامة.
وحذرت من أن تقديم الحرب في قالب ترفيهي أو ساخر قد يؤدي إلى تبلّد الحس الإنساني تجاه الضحايا، وهذا ما عبر عنه مسؤول في منظمة هيومن رايتس ووتش بالقول إن "تحويل الحرب إلى محتوى شبيه بالألعاب أو الميمز قد يُفقدها واقعيتها، ويزيد من احتمالات تصاعد العنف".
وفي محور آخر، تناول التقرير ما يُعرف بـ"أرباح الكذّاب"، وهي ظاهرة تتيح للجهات الفاعلة التشكيك في الأدلة الحقيقية عبر الادعاء بأنها مفبركة.
وأضافت الكاتبة أن هذه الظاهرة برزت بوضوح عقب هجوم على مدرسة في مدينة ميناب الإيرانية، حيث انتشرت صور حقيقية إلى جانب صور مزيفة، مما أدى إلى خلق حالة من الشك حتى في الأدلة الموثوقة.
وأوضحت أن هذا التداخل بين الحقيقي والمُصنّع يفاقم أزمة الثقة، خاصة عندما يُنشر المحتوى المزيف عبر منصات أو وسائل إعلام تبدو موثوقة، وهو ما يمنحه مصداقية زائفة ويُسهم في تضليل الجمهور.
كما نقلت عن باحثين أن انتشار الصور المفبركة، خاصة تلك التي تحاكي صور الأقمار الصناعية، يتيح للجهات المرتبطة بالدول "تجميل" رواياتها الرسمية أو دعمها بأدلة بصرية مضللة، مشيرة إلى مثال تداول صور زُعم أنها تُظهر تدمير رادار أمريكي في قطر، قبل أن يتبين أنها مُولدة بالذكاء الاصطناعي.
وفي ما يتعلق بآليات انتشار هذا المحتوى، قالت الكاتبة إن خوارزميات المنصات الرقمية تلعب دورا مركزيا في تضخيمه، إذ لم يعد المستخدم يرى فقط ما يتابعه، بل ما تدفعه إليه هذه الخوارزميات، مما يعزز انتشار السرديات المثيرة أو المضللة.
وأضافت أن أدوات التحقق من مصدر المحتوى، مثل تقنيات "إثبات المنشأ"، لا تزال محدودة الانتشار، ولا تُستخدم على نطاق واسع يمكن أن يُحدث أثرا فعليا في بيئة المعلومات السريعة.
كما أشارت إلى أن القيود التي تفرضها بعض الشركات على صور الأقمار الصناعية في الشرق الأوسط تعوق عمل الصحفيين والمحققين، وتحد من قدرتهم على التحقق المستقل من الأحداث، وهو ما يفتح المجال أمام مزيد من التضليل.
صورة مفبركة بالذكاء الاصطناعي لجثة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي (إكس)وفي ختام التقرير، شددت الكاتبة على أن الصحافة المهنية لا تزال تمثل خط الدفاع الأساسي في مواجهة هذا المشهد المعقد، مضيفة أن العمل الميداني، والتواصل مع مصادر موثوقة، والشفافية في عرض المعلومات، تبقى أدوات لا غنى عنها.
وقالت إن الصحفيين، خاصة أولئك الذين لا يستطيعون الوصول المباشر إلى مواقع الأحداث، مطالبون بتوضيح ما هو مؤكد وما لا يزال قيد التحقق، واستخدام الأدوات التقنية المتاحة دون الإفراط في الاعتماد عليها.
وأضافت أن المعركة بين التضليل والتحقق ستبقى مستمرة، في ظل سباق دائم بين من يسعى لنشر المعلومات المضللة، ومن يعمل على كشفها، مؤكدة أن الحفاظ على مصداقية المعلومات بات تحديا مركزيا في تغطية الحروب الحديثة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة