تتجه أنظار العالم في منتصف مايو/أيار 2026 نحو العاصمة الصينية بكين، حيث يُعقَد اللقاء المؤجّل بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جين بينغ.
تأتي هذه القمة التاريخية في توقيت بالغ التعقيد، إذ تلقي الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بظلالها على المشهد العالمي، محولة أزمة إقليمية إلى صدمة اقتصادية خانقة في أسواق الطاقة.
وهنا يطرح السؤال المحوري: هل جعلت هذه الحرب وتداعياتها يد "شي" هي العليا على ترمب في اللقاء المنتظر؟
تميل تحليلات عديدة إلى أن الأزمة أضعفت موقف واشنطن نسبيا ووسعت هامش المناورة أمام بكين، إلا أنه من الصعب الجزم بانقلاب كامل في موازين القوى، إذ إن أدوات الضغط المتبادلة لا تزال قائمة.
هذا التحول في موازين القوى لا يفاجئ بعض المحللين، إذ إن سياسات ترمب، بما في ذلك الحرب على إيران، باتت تعمل كعامل تسريع لصعود بكين بدل احتوائه، عبر تفكيك التحالفات التقليدية وإرباك صورة واشنطن كقوة قائدة، بحسب الباحث أشرف إبراهيم في برنامج "المخبر الاقتصادي".
وقد أثبتت الوقائع أن بكين استعدت للحرب مبكرا، فوفقا لتحليل لوكالة بلومبيرغ، أمر شي قياداته منذ عام 2023 بالاستعداد لـ"سيناريوهات متطرفة"، ما أثمر عن وصول الاكتفاء الذاتي للطاقة في الصين اليوم لنحو 80%. وعبر تنويع وارداتها النفطية لتشمل روسيا (17.5%) والسعودية (15%)، امتصت الصين الصدمة الأولى لتعطل إمدادات الشرق الأوسط.
ولا يقتصر الأمر على تأمين النفط، بل إن الحرب سرّعت التحوّل العالمي نحو البدائل الخضراء، وهو ملعب تهيمن عليه بكين تماما، إذ تشير تقديرات مجلة "ذا ديبلومات" إلى أن صادرات الصين من الطاقة النظيفة قفزت في مارس/آذار 2026 إلى 26 مليار دولار.
هذا المشهد دفع يورغ ووتكه، الشريك في مجموعة "أولبرايت ستونبريدج"، لوصف الموقف لشبكة "سي إن إن" قائلا: " الولايات المتحدة الأمريكية تقاتل دون أن تنتصر، والصين تنتصر دون أن تقاتل"، معتبرا الصينيين هم "الفائزون سياسيا، لأنهم يبدون كالأشخاص البالغين في الغرفة".
وبالتوازي مع تحوّل ميزان التفاوض بين الزعيمين، تبرز تحولات أوسع في آسيا، إذ يشير تحليل كريستوفر هاردينغ في صحيفة تايمز إلى أن كثيرين في جنوب شرق آسيا باتوا يرون "عدم موثوقية واشنطن" خطرا يفوق التوسّع الصيني، خاصة في دول كماليزيا وإندونيسيا التي تضررت من صدمة الطاقة، ما يمنح الرئيس الصيني ورقة تفاوضية مريحة لاستقبال ضيفه الأمريكي.
رغم هذه المكاسب، تنقل "سي إن إن" عن مصادر صينية وجود انقسام داخل بكين حول كيفية إدارة الصراع، وخصوصا معضلة "ما بعد الزيارة"، إذ تخشى بكين من فخ سياسي إذا أقدم ترمب على تصعيد عسكري ضد إيران فور مغادرته الصين، مما يظهرها وكأنها تخلّت عن طهران.
إلى جانب ذلك، تواجه الصين تهديدات اقتصادية إذا طال الصراع، فوفقا لـ"ذا ديبلومات"، يتسبّب تعطّل الملاحة في هرمز باحتجاز 13 مليون برميل نفط يوميا.
وترصد صحف صينية مثل "غلوبال تايمز" هذا الحصار بوصفه مأزقا سياسيا يضع بكين بين حماية مصالحها النفطية والحفاظ على توازنها الدبلوماسي، وسط تقديرات بأن توقيت الحصار قد يكون "تكتيكا تفاوضيا" من ترمب لانتزاع تنازلات في بكين.
كما أن الركود العالمي الناتج عن أزمة الطاقة قد يضرب الاقتصاد الصيني المُعتمد على التصدير.
ولا تقتصر الحساسية على الأرقام الرسمية، إذ توجد شبكات مصافٍ مستقلة تُعرَف بـ"أباريق الشاي" في شاندونغ، تستحوذ على الجزء الأكبر من النفط الإيراني الملتف على العقوبات. وتقدر وزارة الخزانة الأمريكية -وهي طرف في هذا الملف- أن الصين تشتري فعليا 90% من صادرات إيران النفطية.
وقد برز هذا التشابك مؤخرا في فرض واشنطن عقوبات على كبرى المصافي الصينية، ورد بكين بمنع الامتثال لها، في مواجهة تضيف طبقة من التعقيد إلى حسابات القمة المرتقبة.
بعيدا عن الأرقام، قدمت الحرب دروسا عميقة ستلقي بظلالها على طاولة القمة، فبالنسبة لبكين، تلفت بلومبيرغ إلى أن إغلاق مضيق هرمز قدم نموذجا عمليا لـ"الحصار البحري" كبديل للغزو الشامل لتايوان.
ويوضح هاردينغ أن الدرس يتعلّق بفعالية الخنق الاقتصادي، إذ يمر عبر مضيق تايوان 40% من تجارة الحاويات العالمية، ما يجعله سلاحا فتاكا يتقاطع مع حسابات "نموذج هرمز"، التي ستكون حاضرة بقوة في ذهن شي جين بينغ أثناء تفاوضه مع نظيره الأمريكي.
أما أمريكيا، فقد استحضرت الغارديان مقارنة لاذعة، مشبّهة ترمب ببريطانيا في أزمة السويس عام 1956، معتبرة أن الحرب تكشف "انكشاف القوة الأمريكية" في حقبة تحول جيوسياسي أكثر من إثباتها، وهو استنتاج يعني أن الرئيس الأمريكي سيدخل قاعة اللقاء في بكين مفتقدا لهالة القوة المطلقة التي حاول فرضها.
مع تراجع شعبية ترمب الداخلية لنحو 34% وحاجته الماسة لخفض أسعار الوقود، ستكون القمة محاولة لـ"إدارة المنافسة" لا إنهائها، كما تشير "ذا ديبلومات".
أما اقتصاديا، فقد صرّح هنري هويياو وانغ لمجلة فوربس بتوقعه اتفاق الزعيمين على تأسيس "مجلس تجاري واستثماري" لتنظيم التبادل بعيدا عن القطاعات الحساسة.
أما سياسيا، فستسعى واشنطن لاستثمار نفوذ الصين لتهدئة الشرق الأوسط، بينما ستطالب بكين بموقف أمريكي يعارض استقلال تايوان.
في المحصلة، سيصل ترمب لبكين مثقلا بحرب استنزفت أوراقه، بينما يجلس شي مدعوما باقتصاد مرن. ورغم أن الصين لا يبدو نصرها واضحا تماما، فإن طريقة إدارتها للأزمة جعلتها الطرف الأقل تضررا والأكثر جاهزية لحصد المكاسب.
وهي خلاصة تتقاطع مع ما يذهب إليه الباحث أشرف إبراهيم من أن قرارات ترمب قصيرة المدى تحولت عمليا لعامل يسرّع صعود الصين ويوسّع هامش مناورتها، بدل أن تكون أداة لاحتوائها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة