مع تحديد موعد إجراء الانتخابات البرلمانية في روسيا في سبتمبر/أيلول المقبل، يتواتر الحديث في أوساط الخبراء وعلماء الاجتماع الروس على ما يصفونه بضعف الإقبال الشعبي على الانتخابات والاعتقاد بعدم جدوى المشاركة.
يأتي ذلك على خلفية نتائج استطلاعات للرأي أجريت مؤخرا، وأدت إلى خلاصة مفادها أن كثيرا من الناخبين يعتبرون أن أصواتهم لا تؤثر على النتيجة النهائية، بل ويسود اعتقاد واسع بأن نتائج الانتخابات محددة مسبقا، نظرا لغياب المنافسة الحقيقية.
ويذهب علماء اجتماع لوصف الواقع الحالي بأنه تعبير عن اللامبالاة السياسية والاغتراب، والعجز عن إدراك العلاقة بين الانتخابات وجودة حياتهم اليومية، مما يؤدي إلى ابتعادهم عن العملية السياسية، بما في ذلك بسبب وجود "خيارات غير جذابة"، لا تعكس أي منها مصالح الناخب.
وفي مقال لها على موقع "بوليتيكا"، تشبه الكاتبة سفيتلانا سافونوفا هذا المشهد بتقديم خمسة أطباق فاسدة، يُطلب من الناخب اختيار واحد منها على الأقل، وبالتالي فمن الطبيعي أن يختار الطبق الأقل فسادا.
وتتابع الكاتبة أن هذا السيناريو يتكرر مع انتخابات مجلس الدوما القادمة، بالنظر إلى نتائج استطلاعات الرأي التي أجراها مركز أبحاث الرأي العام الروسي في أبريل/نيسان الماضي، والتي تشير إلى ارتفاع شعبية "حزب الشعب الجديد" وتقدمه إلى المركز الثاني، في وقت يتراجع فيه تأييد "حزب روسيا الموحدة" (الحاكم).
لكن الكاتبة تشير إلى أن المنظمات غير الحكومية والمدونين على مواقع التواصل الاجتماعي يقدمون وجهات نظر مختلفة عن توزيع الأصوات، لكن الأمر المثير للاهتمام ليس الأصوات نفسها، بل الفضيحة التي اندلعت قبل شهر تقريبا، عندما أجرى أحد المدونين المعروفين استطلاعا للرأي بين مشتركي قناته على تيليغرام، وجاءت نتائجه مفاجئة للجميع.
توضح النتائج أن 41% من المشاركين أبدوا استعدادهم للتصويت لحزب روسيا الموحدة، في حين حصل حزب روسيا العادلة على 23%، والحزب الشيوعي على 16%، وحزب الشعب الجديد على 3% فقط، أما الحزب الليبرالي الديمقراطي فحصل على صفر من الأصوات.
وتقول الكاتبة إنه يمكن تفسير هذا الاستطلاع بطرق مختلفة، ومصداقية هذه الأرقام قد تكون مسألة ذوق شخصي، لكن الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو شيء آخر، وهو أن فوز حزب روسيا الموحدة المذهل فاجأ الجميع.
وتشير الكاتبة في هذا السياق إلى أن مؤسس تطبيق تيليغرام نفسه بافل دوروف، أثار ضجة كبيرة في تعليقه على نتائج منشور المدون، عندما أكد أن أكثر من 90% من الأصوات التي حصل عليها الحزب (الحاكم) تم تضخيمها بواسطة برامج آلية.
علاوة على ذلك، لم تُضخّم الأصوات فقط من قبل، ولصالح حزب روسيا الموحدة، بل أيضا من قبل أحزاب برلمانية أخرى، كالحزب الشيوعي وحزب روسيا العادلة.
وتعتبر الكاتبة أن هذا يدل على أن هذه الاستطلاعات التي تبدو ظاهريا مثيرة للسخرية، تضلل الأحزاب والناخبين، مما يضعف مصداقيتها أكثر فأكثر.
وحسب رأي الكاتبة، فقد توقفت الانتخابات في روسيا منذ زمن طويل عن عكس مزاج الناخبين، وأصبحت أشبه بطقوس لتأكيد الولاء للنظام القائم، وحتى "المعارضة" باتت تتنافس اليوم على إظهار ولائها لمسار الدولة، فلماذا التصويت لها إذا؟
ويتضح -حسب الكاتبة- أنه لا يوجد انخراط حقيقي في العملية السياسية، وأن الحديث يدور فقط حول إضفاء الشرعية على نظام حكم راسخ، وتمديده إلى أجل غير مسمى.
ولفتت الكاتبة إلى أن النخبة السياسية الحقيقية التي تتخذ القرارات فعليا، تشكلت منذ زمن بعيد، في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الثانية، ومن الواضح أنها لا تنوي السماح للمبتدئين بالدخول إلى عالمها القديم المريح.
ووفق وصف الكاتبة، يخلف الآباء أبناءهم والأبناء أحفادهم، ثم تأتي بعدهم في التسلسل الهرمي حاشية من حولهم، وهي أيضا تضم أبناءهم وأحفادهم، وأقارب آخرين من المقربين والبعيدين وأصدقاء، وهكذا وصولا إلى أدنى مراتب هرم السلطة.
وتتابع سفيتلانا سافونوفا القول إن الانتخابات البرلمانية بشكلها الحالي ليست سوى معركة صورية، إذ في الصراع السياسي الحقيقي، تتنافس الأحزاب من أجل مسارها الخاص، ومن أجل السيطرة على الوزارات، ومن أجل حق تحديد الميزانية، أما في روسيا -والكلام للكاتبة- فالانتخابات مجرد طقوس، لأن جميع الأدوار تحدد مسبقا، والأسلحة زائفة.
وخلصت الكاتبة إلى أن الناس يدركون ذلك ويعلمون أن النواب لا يسيطرون على الحكومة، وأن النخبة لا تتشكل عبر الانتخابات، وأن أصوات الناخبين لا تُترجم إلى قوانين حقيقية تتعارض مع إرادة السلطة التنفيذية، وبالتالي فما جدوى هذه الانتخابات؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة