في 28 من فبراير/شباط 2026، كانت قاذفات "B-2 Spirit" تحلق قادمة من قواعد داخل الأراضي الأمريكية لتضرب مواقع الصواريخ الباليستية المحصنة في باطن الأرض الإيرانية، بينما كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي العملياتية تولد قوائم الاستهداف بسرعة تتجاوز قدرة أي تحقق بشري. ألف هدف في 24 ساعة.
خوارزميات "Maven Smart" تعالج كميات هائلة من بيانات المراقبة وتحدد أولويات الضربات في الوقت الفعلي، بعيدا عن أي يد بشرية تحدق في وجه ما تصنعه.
وفي الوقت ذاته تقريبا، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي يقتبس من سفر الأمثال مسوِغا الهجمات بـ"حرب الفداء"، وكان وزير الدفاع الأمريكي يصف إنقاذ طيار في يوم عيد الفصح بـ"قيامة المسيح"، فيما أصدر مجتبى خامنئي بيانه الأول متعهدا بـ"الثأر".
وفي مدرسة "شجرة طيبة" في ميناب التي راح ضحيتها أكثر من 160 طفلة، اختار الخطاب الأول للمرشد الجديد اسما قرآنيا يحول القتلى المدنيين إلى رموز دينية واجبة الاستثمار العسكري.
هذا المشهد ثلاثي الأبعاد؛ ألف هدف بالخوارزمية، وسفر من التوراة، وآية قرآنية، يستوجب توقفا تحليليا جادا، ليس لأن الدين والحرب التقيا في التاريخ لأول مرة، فهذا اللقاء قديم قِدم الحرب نفسها، بل لأن طبيعة هذا اللقاء في حرب 2026 تختلف اختلافا نوعيا عن كل النماذج التاريخية السابقة، وتنتج شكلا من العنف يتجاوز السابق في خطورته وفي استعصائه على آليات الاحتواء التي طورتها الإنسانية عبر القرون.
الأطروحة التي يقاربها هذا المقال هي أن الحرب المعاصرة حين تمتزج بخطاب ديني لا تعيد تقديم "الحرب المقدسة" التاريخية، بل تنتج طفرة نوعية جديدة بالكامل.
الحرب المقدسة تاريخيا
لفهم ما هو جديد حقا، ثمة حاجة لاستيعاب ما كان قديما. "الحرب المقدسة" بمعناها الكلاسيكي في الحروب الصليبية أو حملات التطهير الديني في أوروبا، اتسمت بأربع خصائص بنيوية كانت تشكل حدودها الداخلية في الوقت ذاته.
الفارس الصليبي الذي قطع آلاف الكيلومترات سيرا على قدميه نحو القدس كان يحمل في جسده تكلفة الإيمان. الشهادة كانت تعني الموت الفعلي لا تحديد الهدف من مسافة آمنة.
هذا التلاحم بين الجسد والمعنى كان يفرض حدا نفسيا طبيعيا على التصعيد؛ فللإنسان- الذي يرى العدو في عينيه- حدود مختلفة عمن يضغط على زناد لا يرى ما يصيب.
هذا المكان يمنح الحرب حدودا معنوية ومادية؛ فالحرب تنتهي حين تسترد الأرض أو تصان، وهو أمر قابل للتحقق ومن ثم قابل للإنهاء. العنف كان "موضعيا" في الأفق الرمزي بمعنى حقيقي.
هذه الخصائص الأربع ليست مثالية متخيَلة؛ فالحروب المقدسة التاريخية ارتكبت مجازر فظيعة ومارست عنفا لا يحتمل. لكنها كانت تحمل في بنيتها ذاتها بذور إمكانية الاحتواء. وهذا تحديدا هو ما يختفي في حرب 2026.
اللحظة الراهنة.. 3 عقائد لنهاية العالم
حين نطبق هذه الخصائص على واقع حرب 2026، يتضح أن ما نواجهه ليس استمرارا للنمط التاريخي بل انقطاعا جوهريا عنه في عدة نقاط:
القاتل لا يرى الدم ولا يسمع الصراخ ولا يتنفس رماد المبنى المدمر. وحين تغيب هذه التغذية الراجعة الحسية، يصبح الخطاب الديني الوظيفة الوحيدة التي تملأ الفراغ المعنوي؛ فأنت لست قاتلا مجهولا أمام شاشة، بل منفذ لإرادة إلهية.
في الحرب المقدسة الكلاسيكية كانت تكلفة الإيمان جسدية ومباشرة، اتخذت أشكالا عدة: الجوع في الطريق إلى القدس، والجرح في المعركة، والموت في ساحة القتال. اليوم تؤدَى هذه التكلفة بالبطاقة الائتمانية للاقتصاد القومي لا بدم الفرد. وهذا التحول لا ينتج تخفيفا للحرب، بل حربا بلا حدود نفسية داخلية.
الخوارزمية تنتج لائحة أهداف وتقدمها كناتج موضوعي لمعالجة بيانات، مما يضفي عليها وهم الحياد التقني. الخطاب المسياني (عقائد آخر الزمان) من الطرف الآخر ينتج لائحة أهداف ويقدمها كتنفيذ للإرادة الإلهية. في كلا الحالين يهمَش العقل النقدي البشري الذي يسأل: هل هذا صحيح؟ هل هذا مشروع؟ هل الثمن مقبول؟
ألف هدف في 24 ساعة مستحيل تقنيا أن يخضع لتحقق بشري كاف، وهذا ينتج حروبا تدار بلا فرامل. والأخطر في التقاطع بين الديني والعسكري أنه ينتج منظومة مزدوجة التعطيل؛ فالتقني يعطل الرقابة الإجرائية، والديني يعطل الرقابة الأخلاقية، وينتج عن تضافرهما حرب تشعر بأنها ذاتية التبرير من الطرفين المادي والمعنوي.
في حرب 2026، مات المقاتل الإيراني في غارة فجر الثلاثاء، وبحلول ظهر الثلاثاء كانت مقاطع تقدمه شهيدا قد وصلت إلى 100 مليون متابع عبر قنوات تليغرام والمنصات الاجتماعية، مصحوبة بآيات قرآنية منسقة بصريا ونصوص تعبوية مصممة للانتشار.
المعنى الديني في حرب 2026 ينتَج ويستهلك ويعيد إنتاج الدوافع الجماهيرية في "الوقت الفعلي"، بسرعة لا تتيح أي هضم نقدي أو مراجعة عقلانية. هذا لا يشبه بأي وجه البطء الذي كان يتيحه النمط التاريخي.
والأثر الإجمالي لذلك؛ دورة تصعيد في المعنى الديني أسرع من دورة الحرب الفعلية، مما يجعل إمكانية فتح مساحة للتفاوض الدبلوماسي تصطدم بجدار رمزي مسبق البناء.
حين يقدم ترمب الحرب بوصفها "مهمة إلهية" لتمهيد العودة الثانية للمسيح، وحين يقدم نتنياهو تحالفاته بمرجعية "من هودو إلى كوش" الكتابية ويعرف الحرب بعقيدة "العماليق" الاستئصالية، وحين يقدم مجتبى خامنئي الفوضى التي تنتجها الحرب باعتبارها "المقدمة الضرورية لظهور المهدي" بمعناه الشيعي الغيبي، نكون أمام ظاهرة بنيوية استثنائية: ثلاثة مشاريع عقائدية تتعلق بنهاية الزمان وبعودة المخلص (المسيح أو المهدي)، تعمل في آن واحد ومن مواقع متحاربة، وكل منها يقدم "النهاية الأبدية" بوصفها هدفا إستراتيجيا.
ولفهم هذا التصادم بعمق، ثمة حاجة لتمييز جوهري بين الأنواع الثلاثة لعقائد نهاية الزمان في هذه الحرب، إذ لا تعمل بالآلية ذاتها.
العقيدة الأمريكية المسيحانية الصهيونية في صيغتها السياسية قائمة على انتظار العودة الثانية للمسيح التي تستلزم قيام دولة إسرائيل الكاملة وتحرير الأماكن المقدسة.
هذه العقيدة تربط العمل العسكري بتسريع حدث غيبي تصوره المؤمنون، وحين تصبح عقيدة عملياتية يصير الصراع في منطقتنا ليس مجرد مصلحة إستراتيجية بل هو شرط لاهوتي لتحقيق الوعد الإلهي.
العقيدة الصهيونية الدينية "العماليق" وما يترتب عليها، تختلف بنيويا؛ فهي ليست انتظارا لحدث مستقبلي بل تفويضا لتنفيذ أمر كوني ساري المفعول. وصية توراتية بالاستئصال الكامل تطبَق على خصوم معاصرين من خلال تأطيرهم بوصفهم "عماليق" الزمان الحاضر. الفرق الجوهري هي أن مسيانية العودة تنتظر، أما عقيدة "عماليق" فتنفذ.
وحين تلتقي العقيدتان في خطاب واحد تصبح الحرب واجبا لاهوتيا فوريا ووسيلة لتسريع نهاية الزمان في الوقت ذاته.
الفكر المهدوي في صياغة المرجعية الإيرانية؛ يقوم على أن ظهور الإمام المهدي مرتبط بمرحلة فوضى واضطراب عالمي يمهد لظهوره المنقِذ.
وهنا تكمن العقدة التحليلية العميقة؛ فالحرب المقدسة الكلاسيكية كانت في الغالب ذات بنية أحادية عقيدة النهاية، طرف واحد يحمل خطاب "النهاية المقدسة"، بينما يعرّف الطرف الآخر نفسه بمصطلحات دينية مختلفة أو دنيوية -كما فعل المسلمون حين وصفوا الحروب الصليبية بحروب الفرنجة فنزعوا عنها الصفة المقدسة.
ما تشهده حرب 2026 هو تصادم ثلاثة مشاريع نهاية الزمان في الوقت ذاته، وهو بنية متحركة لا تسمح بأي "نقطة إرساء" يمكن أن تشكل أساسا للتسوية. في النزاعات السياسية يمكن تقديم تنازلات؛ لكن المرسوم الإلهي غير قابل للتفاوض من أي طرف من الأطراف.
وهنا تكشف بيانات مركز بيو الصادرة من أيام عن مفارقة تجريبية بالغة الدلالة تعمق هذا التحليل: 70% من الأمريكيين يرون أن ترمب غير متدين أو غير متدين إطلاقا، بمن في ذلك 49% من الجمهوريين أنفسهم، و51% من البروتستانت الإنجيليين البيض. لكن في الوقت ذاته، 67% من هؤلاء الإنجيليين البيض يقولون إن ترمب يدافع عن الناس ذوي المعتقدات الدينية المشابهة لمعتقداتهم.
هذه الفجوة بين "غير متدين" و"يدافع عن معتقداتنا" تكشف عن ظاهرة ثالثة لا تختزل في ثنائية الخطاب الحقيقي والخطاب التوظيفي، وهو نمط جديد ظهر مع الديمقراطية الشعبوية الرقمية يمكن تسميته "التعاقد المسياني الواعي". القاعدة تعرف أن قائدها لا يؤمن بما يقول، لكنها توافق؛ لأن ما يقوله يقدم قضيتها المقدسة المشتركة بصوت مسموع في مراكز القرار.
وهذا الشكل من الخطاب الديني أشد خطورة من الإيمان الشخصي الصادق؛ لأنه يفتقر إلى إمكانية التفنيد، لأنك لا تستطيع إقناع جمهور بأن قائده غير صادق دينيا حين يعترف هو بذلك ضمنيا ويواصل دعمه. أثر القضية المقدسة انفصل عن مصدره الأصلي وصار يعمل بصورة مستقلة، وهذا الانفصال هو الجديد الخطير.
نختم فنقول؛ في اللحظة التي تلتقي فيها عقيدة نهاية الزمان الإيرانية بالمسيانية الصهيونية بعقيدة العودة الثانية للمسيح في حرب واحدة، وتلتقي فيها شبكات تليغرام اللامركزية بقاعدة إنجيلية تعرف أن قائدها لا يؤمن ولا تكف عن دعمه، تكون الإنسانية قد وصلت إلى نقطة اللاعودة، خاصة إذا صاحبها انتهاء النظام الدولي المبني على القواعد وانتفاء القانون الدولي الإنساني، وهو ما يستدعي أن نخصص له مقالا آخر.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة