كشفت عدة تقارير، كما يوضح الباحث كيم أَلَادَيْ نجم الدين، الباحث النيجيري المختص بالشؤون الإفريقية، في دراسته "نصرة الإسلام والمسلمين: تصدع التحالف من الداخل وزحف الفوضى نحو خليج غينيا" الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، أن "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، التحالف الموصوف بالإرهابي المرتبط بتنظيم القاعدة، تمر بانشقاقات وتوترات داخلية أجبرتها على شنِّ حملات تطهير داخلية للحدِّ من الانشقاق والانضمام إلى التنظيم المنافس "داعش في الساحل".
ورغم أن بعض عمليات الجماعة الأخيرة تُظهر أنها تزداد شوكة ونفوذًا، خاصة بعد أن أعلنت، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وجودها على الأراضي النيجيرية، مع شنِّها، في فبراير/شباط 2026، حملة منسقة ضد قوات دول منطقة الساحل الأوسط وصولًا إلى بنين، إلى جانب أنشطتها في توغو وساحل العاج منذ عام 2022؛ فإن تقارير الانشقاق تؤشر إلى صور أخرى عن واقع الجماعة وانتشارها الجغرافي وأزماتها المعقدة المرتبطة بطبيعة تشكلها وطموحات قادتها الفرعيين.
هذا التحالف منح الجماعة شرعية عملياتية وجعلها الفاعل الأبرز في الساحل، كما أتاح لها العمل كشبكة عابرة للحدود، قادرة على تنفيذ هجمات معقدة، مستفيدة من التنسيق اللوجيستي والاستخباراتي بين فروعها. إلا أن هذه الوحدة الظاهرة كانت تخفي خلفها تباينات عميقة، سواء على مستوى الخلفيات الإثنية أو الأولويات الإستراتيجية أو حتى الرؤى المتعلقة بإدارة المناطق التي تسيطر عليها.
وتتخذ الجماعة هيكلًا هرميًا ثلاثي المستويات، يبدأ بقيادة مركزية يتصدرها إياد أغ غالي، ويمتد إلى قادة إقليميين، ثم إلى كتائب محلية تنفذ العمليات. غير أن هذا البناء الهرمي لم يكن كافيًا لضبط التناقضات الداخلية، خاصة مع توسع نطاق العمليات جغرافيًا، وامتداد الجماعة من شمال مالي إلى بوركينا فاسو والنيجر، ثم إلى تخوم دول خليج غينيا.
كما تعتمد الجماعة في نشاطها على مزيج من الحرب غير المتكافئة واستغلال المظالم المحلية، حيث تنجح في التجنيد عبر توظيف الإحساس بالتهميش لدى بعض المكونات الإثنية، إلى جانب تقديم خدمات قضائية محلية في المناطق الريفية، بما يمنحها نوعًا من الشرعية الاجتماعية. غير أن هذا التداخل بين المحلي والعابر للحدود، وبين الأيديولوجي والبراغماتي، شكّل في الوقت ذاته أحد أبرز مصادر التوتر داخلها.
تكشف الدراسة أن الانشقاقات داخل الجماعة ليست طارئة، بل هي امتداد لتوترات بنيوية صاحبتها منذ التأسيس. ويبرز العامل الإثني كأحد أهم مصادر هذا التوتر؛ إذ تهيمن نخبة من الطوارق، خصوصًا من قبيلة "إيفوغاس"، على القيادة العليا، ما خلق شعورًا بالتهميش لدى مقاتلين من إثنيات أخرى، خاصة الفولاني المرتبطين بـ"كتيبة ماسينا".
هذا التفاوت الإثني انعكس على اختلاف الأولويات؛ ففي حين تميل القيادة الشمالية إلى التركيز على الحكم الذاتي وبناء نفوذ إقليمي، تنشغل الكوادر الجنوبية بقضايا محلية تتعلق بالأرض والرعي والصراعات المجتمعية. وقد أدى هذا التباين إلى نشوء ما يشبه "تحالف مصلحة" أكثر منه تنظيمًا منسجمًا، حيث تعطي الفصائل المحلية الأولوية لمصالحها القبلية على حساب التوجيهات المركزية.
كما لعب التوسع الجغرافي دورًا مهمًا في تعميق الانقسامات، خاصة مع اندفاع بعض الفروع نحو الجنوب باتجاه بنين وتوغو وساحل العاج. فقد أدى هذا التوسع إلى إضعاف قدرة القيادة المركزية على التحكم في العمليات، نتيجة البعد الجغرافي وانقطاع قنوات الاتصال، وهو ما منح القادة الميدانيين استقلالية أكبر في اتخاذ القرار، وأدى إلى تباين في الإستراتيجيات بين من يسعى لترسيخ السيطرة في الشمال ومن يندفع للتوسع السريع في الجنوب.
ويتضح هذا التوتر بشكل خاص في تجاهل بعض القادة المحليين لتوجيهات القيادة، خصوصًا فيما يتعلق بضبط العمليات أو تجنب التصعيد في مناطق معينة، مقابل السعي لتحقيق مكاسب اقتصادية من خلال السيطرة على الموارد، مثل مناجم الذهب وطرق التجارة.
يُعد وجود تنظيم "داعش في الساحل" عاملًا حاسمًا في تفاقم الانشقاقات داخل "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين". فالتنظيم المنافس لا يقدّم فقط بديلًا أيديولوجيًا، بل يطرح أيضًا نموذجًا عملياتيًا أكثر تشددًا، ما يجذب العناصر غير الراضية عن نهج الجماعة الذي يوصف بالبراغماتي، خاصة في ما يتعلق بالهدنات أو التفاهمات المحلية.
وقد شهدت العلاقة بين التنظيمين منذ عام 2019 سلسلة من المواجهات العنيفة، إلى جانب حالات انشقاق متكررة، حيث انضم مقاتلون وقادة من الجماعة إلى "داعش في الساحل"، بحثًا عن نموذج أكثر صرامة أو هربًا من التهميش داخل جماعتهم الأصلية. وغالبًا ما تتبع هذه الانشقاقات موجات من العنف، إذ تسعى الفصائل المنشقة إلى إثبات ولائها الجديد من خلال استهداف رفاقها السابقين.
كما أفرزت هذه المنافسة ما يمكن وصفه بـ"المزايدة الأيديولوجية"، حيث تجد الجماعة نفسها أمام خيارين متناقضين: إما الحفاظ على نهجها البراغماتي لكسب الحاضنة المحلية، أو التشدد لمنع تسرب عناصرها إلى التنظيم المنافس. وهذا التوتر الداخلي يضعف تماسكها، ويجعلها عرضة لمزيد من الانشقاقات.
تسلط الدراسة الضوء على جانب آخر من التوترات، يتعلق بإدارة المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة، خاصة في ما يتصل بالقضاء وجمع الموارد. فبينما تسعى القيادة إلى تقديم نموذج "حكم" يمنحها شرعية، تظهر خلافات بين القادة حول طبيعة هذا الحكم، بين من يدعو إلى التدرج لكسب السكان، ومن يفضّل فرض إجراءات صارمة.
كما تبرز إشكالات في إدارة الموارد، خاصة مع انتشار الاتهامات بالفساد أو سوء توزيع "الغنائم"، مثل الإتاوات المفروضة على الأنشطة الاقتصادية، بما في ذلك التعدين. وقد أدت هذه الخلافات إلى تصاعد التوتر بين الفروع، خاصة بين الجنوب والشمال، حيث يشعر بعض القادة المحليين بأن موارد مناطقهم تُستنزف لصالح القيادة المركزية.
ويؤدي هذا الواقع إلى تآكل الثقة داخل الجماعة، ويدفع بعض الفصائل إلى الانشقاق أو العمل بشكل شبه مستقل، بينما تلجأ القيادة إلى حملات قمع داخلية لإعادة فرض السيطرة، وهو ما يزيد من حدة التوتر بدلًا من احتوائه.
لا تقتصر آثار الانشقاقات على البنية الداخلية للجماعة، بل تمتد إلى المشهد الأمني في الساحل وغرب أفريقيا. إذ يشير الباحث إلى أن الفصائل المنشقة تميل إلى تصعيد العنف لإثبات ذاتها، ما يؤدي إلى ارتفاع مستوى العمليات الدموية، خاصة ضد المجتمعات المحلية.
كما يسهم ضعف السيطرة المركزية في تسريع التوسع نحو دول خليج غينيا، حيث يتحرك القادة المحليون باستقلالية أكبر، مستغلين الفراغات الأمنية، ويفرضون سيطرتهم على طرق التجارة والموارد. وهذا التوسع غير المنسق يجعل من الصعب على الدول المعنية التعامل مع تهديد موحد، إذ تواجه بدلًا من ذلك شبكة من الفاعلين المتعددين.
ومن أخطر التداعيات أيضًا تصاعد المواجهة مع "داعش في الساحل"، حيث تجد الجماعة نفسها مضطرة للقتال على جبهتين: ضد قوات الدول، وضد التنظيم المنافس. وقد حوّل هذا الوضع بعض مناطق الساحل إلى بؤر صراع شديد التعقيد، تتداخل فيها الولاءات وتتعدد فيها خطوط المواجهة.
كما تؤدي الانشقاقات إلى تغيّر في أنماط التجنيد، حيث تنتقل من خطاب أيديولوجي مركزي إلى تعبئة محلية تستغل المظالم الاجتماعية، وهو ما يعزز من عسكرة المجتمعات الريفية، ويجعل الانضمام إلى هذه الجماعات خيارًا مرتبطًا بالبقاء الاقتصادي والاجتماعي.
وفي المقابل، يزداد تعقيد جهود مكافحة ما يوصف بالإرهاب، إذ لم يعد التهديد متمثلًا في تنظيم موحد، بل في شبكة لا مركزية من الفصائل، ما يقلل من فعالية إستراتيجيات استهداف القيادات، ويجعل العمليات الأمنية أكثر صعوبة.
تخلص الدراسة، كما يعرضها كيم أَلَادَيْ نجم الدين عن مركز الجزيرة للدراسات، إلى أن الانشقاقات داخل "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" ليست عرضًا عابرًا، بل نتيجة طبيعية لبنيتها القائمة على تحالف اضطراري بين مكونات متباينة. فالعوامل الإثنية، والتنافس على الموارد، والتباين في الإستراتيجيات، إلى جانب ضغط المنافسة مع "داعش في الساحل"، كلها تدفع الجماعة نحو مزيد من التفكك.
غير أن هذا التفكك لا يعني بالضرورة تراجع خطرها، بل قد يعيد تشكيلها في صورة أكثر لا مركزية وغموضًا، بما يزيد من تعقيد المشهد الأمني في الساحل وغرب أفريقيا، ويدفع الفوضى جنوبًا نحو خليج غينيا، حيث تتقاطع مصالح الفصائل المتنافسة مع هشاشة الدول وضعف قدراتها على المواجهة.
الدراسة كاملة
https://studies.aljazeera.net/ar/article/6519
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة