في وقت تتسارع فيه وتيرة الكشف عن خفايا قضايا جيفري إبستين، رجل الأعمال الأمريكي الراحل المدان بجرائم جنسية، تتقاطع تقارير صحفية بريطانية لتقدم صورة أكثر اتساعا وتعقيدا عن هذا الملف الذي لم يغلق بعد.
وتكشف مواد نشرتها صحيفتا إندبندنت وآي بيبر عن تداخل مسارات التحقيق الجنائي مع الضغوط السياسية، في ظل إعادة فتح ملفات قديمة تتعلق بمزرعة زورو في ولاية نيو مكسيكو، إلى جانب تداعيات مستمرة على شخصيات عامة ومؤسسات سياسية في الولايات المتحدة وبريطانيا.
قالت صحيفة إندبندنت في تحقيق موسع للكاتب أليكس هانافورد إن مزرعة زورو، الواقعة في صحراء جنوب مدينة "سانتا في" بالولاية، ظلت لسنوات طويلة خارج دائرة التدقيق الجاد، سواء إعلاميا أو أمنيا، رغم ارتباطها الوثيق بإبستين وشبكته، غير أن هذا الوضع بدأ يتغير مع إعادة فتح التحقيقات، مدفوعة بظهور شهادات ووثائق جديدة تشير إلى احتمال وقوع انتهاكات جسيمة داخل الموقع.
وفي تقرير إخباري ثان، ذكرت صحيفة إندبندنت في مادة للكاتب جو سومرليد أن مزاعم الاعتداءات لم تعد مقتصرة على روايات فردية، بل باتت تشمل شهادات متعددة، من بينها ادعاءات عن تعرض رجال لاعتداءات جنسية جماعية بعد تخديرهم.
وتأتي هذه الشهادات في وقت تواصل فيه السلطات المحلية تحقيقاتها لتحديد عدد الضحايا المحتملين، بمن فيهم سكان من الولاية نفسها، كما يقول التقرير.
وتضيف إندبندنت أن عضو مجلس النواب في نيو مكسيكو ماريانا أنايا أكدت أن لجنة التحقيق المعروفة باسم لجنة الحقيقة تلقت بالفعل تواصلا من ضحايا محليين، في تطور قد يغير فهم القضية، إذ كان الاعتقاد السائد أن معظم الضحايا جرى نقلهم من خارج الولاية أو خارج البلاد.
وبحسب تحقيق أليكس هانافورد، فإن الملف لا يقتصر على الاعتداءات، بل يتضمن ادعاءات أكثر خطورة، من بينها رسائل منسوبة إلى موظف سابق تحدث فيها عن وفاة فتاتين أجنبيتين داخل المزرعة خلال ممارسات جنسية عنيفة، مع مزاعم عن دفنهما في محيط الموقع، وتؤكد الصحيفة أن هذه المزاعم لا تزال قيد التحقيق ولم تثبت بعد.
وتشير الصحيفة إلى أن إعادة فتح التحقيق جاءت بعد سنوات من إغلاقه عام 2019 بطلب من جهات فدرالية في نيويورك، وهو ما أثار انتقادات لاحقة، خاصة بعد الكشف عن وثائق جديدة ضمن ما يعرف بملفات إبستين.
وتعمل السلطات في نيو مكسيكو حاليا على طلب الوصول الكامل إلى هذه الملفات غير المنقحة لتعزيز تحقيقاتها، كما تقول الصحيفة.
وتضيف إندبندنت أن لجنة الحقيقة تتمتع بصلاحيات قانونية واسعة، بما في ذلك استدعاء الشهود وإجبارهم على الإدلاء بشهاداتهم، في محاولة لإعادة بناء ما جرى داخل المزرعة خلال عقود، غير أن المحققين يواجهون تحديات كبيرة، أبرزها احتمال ضياع أدلة مادية مع مرور الوقت وتغير ملكية الموقع.
وفي هذا السياق، أشارت الصحيفة إلى أن المزرعة بيعت عام 2023 لرجل أعمال أمريكي أعاد تسميتها، مع خطط لتحويلها إلى موقع ذي طابع ديني، وهو ما يثير مخاوف لدى بعض المحققين من أن أي تغييرات قد تؤثر على الأدلة المحتملة.
كما تناول تحقيق أليكس هانافورد في إندبندنت خلفية فكرية مثيرة للجدل لإبستين، إذ تشير وثائق وشهادات إلى اهتمامه بأفكار تتعلق بما يسمى تحسين النسل، بما في ذلك مزاعم عن رغبته في إنشاء ما وصف بمزرعة إنجاب لنشر حمضه النووي، وهي ادعاءات أثارت جدلا واسعا ولم تثبت قضائيا.
ولفتت الصحيفة إلى أن موقع المزرعة بالقرب من مختبرات علمية حساسة، مثل "مختبر لوس ألاموس" ومختبر "سانديا" كان جزءا من اهتمام إبستين، إذ سعى إلى استقطاب علماء وباحثين عبر فعاليات مغلقة، مما أضفى على أنشطته طابعا معقدا يجمع بين النفوذ المالي والطموحات الفكرية المثيرة للجدل.
وفي سياق مواز، أبرزت صحيفة إندبندنت البعد الاجتماعي للقضية، بعد أن أشارت تصريحات ماريانا أنايا إلى أن ما حدث في المزرعة قد يكون انعكاسا لإهمال أوسع شمل فئات ضعيفة في المجتمع، خصوصا النساء من السكان الأصليين، في ولاية تعاني من معدلات مرتفعة في قضايا الاختفاء والقتل.
وفي تطور آخر، نقلت الصحيفة عن ناجية سابقة روايتها عن العزلة الشديدة داخل المزرعة، ووصفت المكان بأنه بعيد تماما عن أي رقابة، مما جعل الضحايا يشعرون بأنهم معزولون تماما ولا يمكن سماعهم، وهو ما يعزز فرضية أن الموقع استُغل لارتكاب انتهاكات بعيدا عن الأنظار.
على صعيد آخر، تناولت صحيفة "آي بيبر" البريطانية في تقرير منفصل تداعيات قضية إبستين على الزيارة الحالية للملك تشارلز الثالث للولايات المتحدة، مشيرة إلى أن خطابه أمام الكونغرس أثار انتقادات بسبب تجنبه الإشارة المباشرة إلى القضية أو إلى علاقات شقيقه أندرو ماونتباتن وندسور بإبستين.
وأعرب عدد من المشرعين الأمريكيين -حسب الصحيفة- عن خيبة أملهم، ومن بينهم النائب رو خانا الذي قال إن الخطاب لم يلبِّ اللحظة الأخلاقية، خاصة بعد توقعات بأن يتضمن اعترافا بمعاناة الضحايا.
وتضيف الصحيفة أن النائبة لورين بويبرت وجهت انتقادات حادة، معتبرة أن التعامل مع الملف يعكس فجوة بين الخطاب الرسمي والواقع، في إشارة غير مباشرة إلى الاتهامات التي لاحقت الأمير أندرو، والتي ينفيها.
كما تشير "آي بيبر" إلى أن الضغوط لم تقتصر على التصريحات السياسية، بل شملت أيضا تحركات من قبل ناجين، من بينهم ريتا أوه التي نظمت فعالية رمزية للمطالبة بالمساءلة، مؤكدة أن القضية لن تختفي من النقاش العام.
وختمت التقارير -كما أوردت صحيفتا إندبندنت وآي بيبر- بأن ملف إبستين لا يزال مفتوحا على احتمالات جديدة، مع استمرار ظهور شهادات ووثائق تعيد تشكيل فهم ما جرى، وتطرح تساؤلات أوسع حول المساءلة والعدالة، في قضية تتجاوز حدود الجريمة لتصل إلى السياسة والمجتمع على حد سواء.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة