آخر الأخبار

الصحافة الصينية: هل يفتح مقترح إيران للسلام تغييرا ومخرجا لترمب وطهران؟

شارك

بعد ستين يوما من الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، ترصد الصحافة الصينية ملامح ما وصفته بحالة "لا حرب ولا تفاوض" بين إيران والولايات المتحدة، وسط محاولات دبلوماسية وصيغ مقترحة للسلام قد تكون مخرجا للطرفين دون أن تعالج جذور الصراع.

وفي حين تتركز التغطيات الغربية على حسابات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الداخلية والضغوط على إيران، تبدو الصحافة الصينية أكثر انشغالا بتداعيات الأزمة على أمن الممرات البحرية واستقرار أسواق الطاقة، وإبراز مسؤولية الولايات المتحدة وحلفائها عن تفجير الأزمة واستمرارها.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 فورين بوليسي: اليابان والصين تقتربان بشكل خطير من الصراع
* list 2 of 2 الصحافة التركية: هل تعيد التحركات الأوروبية في قبرص رسم توازنات شرق المتوسط؟ end of list

هجوم دبلوماسي إيراني

في قراءة مطوّلة نشرتها صحيفة الشعب اليومية الرسمية، تشير وكالة الأنباء الصينية "شينخوا" إلى أن "الحرب مستمرة في إيران منذ 60 يوما، في حين أصبح الطرفان في حالة جمود بعيدة عن الحرب الشاملة وكذلك بعيدة عن المفاوضات الحقيقية"، لافتة إلى أن هذه الحالة سمحت لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن يبادر في الأيام الأخيرة بـ"بتحرك دبلوماسي" شمل زيارات متتالية لباكستان وسلطنة عُمان وروسيا.

مصدر الصورة صحيفة الشعب: القيادة الإيرانية تسعى لتثبيت الوضع الداخلي عبر تبنّي موقف متشدد تجاه واشنطن (الصحافة الإيرانية)

ونقلت الصحيفة عن مصادر متعددة أن طهران قدّمت خلال هذه الجولة خطة جديدة "تدريجية" للتفاوض مع الولايات المتحدة، تقوم على التركيز أولا على أزمة مضيق هرمز والحصار البحري الأمريكي، ثم تمديد وقف إطلاق النار لفترة طويلة أو الاتفاق على إنهاء الحرب نهائيا، على أن يبدأ التفاوض حول الملف النووي بعد إعادة فتح المضيق ورفع الحصار الأمريكي.

ورغم تأكيد واشنطن أنها تلقت الخطة، فإن الرد لم يكن إيجابيا، ونقل التقرير عن مسؤول أمريكي أن الرئيس ترمب قال إنه "غير راضٍ عن هذه الخطة" لأنها لا تتضمن القضايا النووية، في خطوة وصفتها وسائل الإعلام بأنها أضعفت "الآمال في التوصل إلى حل للنزاع الذي عطّل الإمدادات وأجّج التضخم وأودى بحياة الآلاف".

تجميد الصراع

وحاولت التغطية الصينية إعطاء أسباب لاستمرار حالة الجمود، فحسب التقرير يرى الخبراء أن الولايات المتحدة وإيران عالقتان في وضع "لا حرب ولا تفاوض" لثلاثة أسباب رئيسية قد تبقي هذا الوضع قائما لبعض الوقت:

إعلان

* انعدام الثقة السياسية بالكامل، إذ يقول الأكاديمي حسن أحمديان من جامعة طهران إن إيران "تخلّت عن الأوهام تجاه الولايات المتحدة ولن تقبل بسهولة شروطها التفاوضية".

2. التباين الحاد في مواقف التفاوض، حيث تبقى الخلافات الجوهرية حول البرنامج النووي ومضيق هرمز "غير قابلة للتسوية" في المدى المنظور.

3. الضغوط الداخلية على الطرفين، إذ تجد إدارة ترمب نفسها – حسب الخبير باو تشنغ تشانغ من جامعة شنغهاي للدراسات الدولية- في مأزق بين عدم الرغبة في تقديم تنازلات على طاولة المفاوضات، وعدم الاستعداد لخوض حرب شاملة جديدة مع إيران، في وقت يضيّق فيه اقتراب انتخابات التجديد النصفي هامش المناورة السياسية.

مصدر الصورة الشعب الصينية: مقترح إيران للسلام يعطي الأولوية لفتح مضيق هرمز (الجزيرة)

استمرار الحرب بالغ الصعوبة

أما في الجانب الإيراني، فتسعى القيادة الجديدة إلى تثبيت الوضع الداخلي عبر تبني موقف "متشدد" تجاه الولايات المتحدة، لكنها في الوقت ذاته تواجه كلفة بشرية ومادية تجعل استمرار الحرب أمرا بالغ الصعوبة.

ويشير محللون -تستشهد صحيفة "الشعب" بآرائهم- إلى أن هذا الجمود يعكس محاولة كل طرف "مقايضة الوقت بمساحة إستراتيجية"، فالولايات المتحدة تسعى إلى "سحق" الاقتصاد الإيراني عبر الحصار البحري وإحداث تحولات داخلية، في حين تأمل طهران في "سحق" إدارة ترمب بالاستفادة من ضغط تقلبات أسعار النفط والضغط السياسي المرتبط بالاستحقاقات الانتخابية الأمريكية.

تجميد الصراع

ويرى بعض الخبراء الإستراتيجيين أن هذه الحالة قد تنزلق إلى "تجميد للصراع"، بحيث لا تُحلّ الأسباب الجذرية للحرب، وتظل احتمالات التصعيد قائمة دون الوصول إلى مستوى "حرب شاملة".

في المقابل، تنقل وسائل الإعلام الصينية عن مصادر أمريكية وغربية تقييما متشائما لحظوظ نجاح المقترح الإيراني.

مصدر الصورة الشعب الصينية: ترمب رفض مقترح إيران للسلام وقال إنه غير راضٍ عنه لأنه لا يتضمن القضايا النووية (أسوشيتد برس)

ومن المرجح –حسب ما نقلته صحيفة "غلوبال تايمز" عن "سي إن إن"- أن يرفض ترمب الخطة، لأن رفع الحصار الأمريكي عن الموانئ الإيرانية دون معالجة المخاوف من البرنامج النووي "سيلغي مصدر ضغط رئيسي تمتلكه الولايات المتحدة في المفاوضات".

كما تشير تقارير غربية نقلتها الصحيفة إلى أن البيت الأبيض متمسّك بأن يكون الملف النووي "في مقدمة" أي تسوية، في حين تقترح طهران ترحيل هذا الملف إلى مراحل لاحقة بعد وقف الحرب وإعادة فتح المضيق.

تدرج في الوصول إلى السلام

قدمت صحيفة "غلوبال تايمز" القريبة من التوجّه الرسمي الصيني، قراءة تفصيلية للمقترح الإيراني الذي جرت مناقشته في دوائر صنع القرار الأمريكية، ووصفت هذا المقترح بأنه "خطة سلام مرحلية" تقوم على حلول متدرجة تراعي التوازن بين الأمن البحري والملف النووي.

وتشير الصحيفة إلى أنه على الرغم من أن الرئيس الأمريكي كان قد تحدث قبل شهرين عن نتائج سريعة للأزمة، فإن الواقع على الأرض بقي مغايرا، فالحرب مستمرة والخسائر البشرية والاقتصادية تتزايد، وهو ما يعمّق حالة الإرهاق لدى الطرفين.

هذا التناقض بين تشدد الخطاب وحسابات التكلفة والجدوى هو ما يجعل مقترح السلام الإيراني مخرجا ممكنا لترمب من دون هزيمة معلنة، ولطهران من دون تنازل فوري عن أوراقها الأساسية.

موقف استباقي

ونقلت الصحيفة عن الخبير الصيني دونغ مانيوان أن "إيران اتخذت موقفا استباقيا بتقديمها مقترحا للتفاوض"، موضحا أن "عدم رضا الرئيس الأمريكي قد لا يعني رفضا قاطعا، مما يترك المجال لاحتمال أن تُقدّم واشنطن مقترحا مضادا بعد مزيد من الدراسة"، ومؤكدا أن "المفاوضات ضرورية لكلا الجانبين، وأن لكل منهما حاجة إستراتيجية للحد من الخسائر".

إعلان

وأضاف دونغ أن "التدقيق في التفاصيل يُظهر أن إيران لم تتخلَّ عن شروطها المسبقة، بل أجّلت المحادثات بشأن الملف النووي، مما يجعل من مضيق هرمز نقطة خلاف رئيسية"، محذّرا من أنه "قبل التوصل إلى توافق في الآراء، يبقى من غير المؤكد ما إذا كان الوضع سيتحسن، ومن المرجح حدوث تقلبات".

المضيق بين الحصار والشرعية

تمنح التغطية الصينية أيضا مساحة واسعة لمضيق هرمز باعتباره ممرا دوليا حيويا للتجارة العالمية وتدفقات الطاقة، وفي سياق متابعة التطورات الميدانية، تشير غلوبال تايمز إلى أن القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) أعلنت أن المدمرة "يو إس إس رافائيل بيرالتا" أوقفت ناقلة نفط بعد محاولتها الإبحار إلى ميناء إيراني، ووصفت ذلك بأنه جزء من الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية.

كما تعرض الصحيفة مواقف دولية ناقدة لتعطيل الملاحة، إذ تنقل عن وزير الدولة البريطاني ستيفن دوتي قوله في مجلس الأمن إن المضيق "يجب أن يعاد فتحه بالكامل ودون شروط، مع استعادة حرية الملاحة وفقا للقانون الدولي".

أما المندوب الصيني لدى الأمم المتحدة فو كونغ، فأكد في الجلسة نفسها أن "السبب الجذري لعرقلة الملاحة في مضيق هرمز هو العمليات العسكرية غير القانونية التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران"، مشددا على أن الحفاظ على السلام والاستقرار وحرية الملاحة في المنطقة يخدم المصالح المشتركة للمجتمع الدولي.

قلق من مخاطر التصعيد

تشير غلوبال تايمز أيضا إلى التحذيرات المتكررة التي أصدرتها وزارة الخارجية الصينية وسفارتها في طهران، والتي دعت فيها المواطنين الصينيين إلى تجنب السفر إلى إيران، وحثّت الموجودين هناك على الانتقال إلى مناطق أكثر أمنا، في انعكاس لقلق بكين من مخاطر التصعيد واحتمالات الانفلات الأمني، رغم حديثها في الوقت ذاته عن فرص التسوية.

وتظهر القراءة الصينية أن مقترح السلام الإيراني يبدو أقرب إلى مخرج تكتيكي للطرفين منه إلى نهاية للصراع بين واشنطن وطهران، فقد يخفّف الضغط عن الرئيس الأمريكي الذي يواجه كلفة حرب طويلة وتأثيراتها على الاقتصاد، كما يمنح القيادة الإيرانية فرصة لإعادة ترتيب أوراقها مع الاحتفاظ بالملف النووي كورقة تفاوضية مؤجلة.

لكن هذه التسوية المتدرجة لا تزيل التناقضات الجوهرية بين الطرفين، وهي المساحة التي قد تستخدمها الصين لتوظيف أدواتها الإعلامية والدبلوماسية في تقديم نفسها كقوة تدافع عن حرية الملاحة واستقرار الأسواق، وتحميل واشنطن وحلفائها تكلفة عسكرة المضيق.

وتقول الصحافة الصينية إن السؤال الأهم الذي يبقى مفتوحا هو ما إذا كانت هذه التسوية التدريجية ستتحول إلى سلام دائم، أم أنها ستشكّل مجرد محطة في صراع أطول حول شكل النظام الإقليمي ومستقبل النفوذ الأمريكي في الخليج.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا