في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في أقصى جنوب لبنان، تبدو بلدة رميش وكأنها جزيرة معزولة داخل بحر من النيران، حيث يعيش سكانها تحت حصار فعلي فرضته المواجهات العسكرية والتدابير الإسرائيلية الأخيرة، في مشهد يلخص قسوة الحرب حين تضيق الحياة إلى حدود البقاء فقط.
وتنقل مراسلة الجزيرة كارمن جوخدار صورة يومية لبلدة لم تغادرها الحرب منذ أكثر من عامين، لكنها اليوم تواجه أحد أقسى فصولها بعد إعلان إسرائيل إنشاء ما تسميه "خط الدفاع المتقدم"، الذي حول عشرات البلدات إلى مناطق شبه خالية، فيما اختار أهالي رميش البقاء رغم المخاطر.
في قلب البلدة، تتحول الصلاة في الكنيسة إلى طقس جماعي يتجاوز البعد الديني، إذ يجتمع من تبقى من السكان طلبا للخلاص من واقع يزداد قسوة، نحو 7 آلاف نسمة يواصلون حياتهم وسط القلق على أمل أن تضع الحرب أوزارها قريبا.
تقع رميش على تلال مقابلة لمواقع إسرائيلية في الجليل الأعلى، وتحاصرها بلدات شهدت معارك عنيفة خلال العامين الماضيين، من عيتا الشعب إلى بنت جبيل، ما يجعلها في تماس دائم مع تداعيات التصعيد العسكري.
وفي تفاصيل الحياة اليومية، تتردد أصوات التفجيرات وأعمال التجريف التي تطال المنازل ضمن ما يصفه السكان بسياسة "الأرض المحروقة" التي تنتهجها قوات الاحتلال، بينما تكافح قوافل المساعدات للوصول عبر طرق وعرة حاملة كميات محدودة لا تكفي لسد الاحتياجات المتزايدة.
ويعكس حديث عضو بلدية رميش شارل علم حجم المعاناة، إذ يؤكد أن المساعدات مهما بلغت تبقى غير كافية، مشددا على الحاجة الملحة لفتح طرق آمنة تتيح التواصل مع مؤسسات الدولة ونقل المرضى، في ظل شعور عام بأن البلدة تحولت إلى "سجن كبير".
ورغم وصول بعض الإمدادات إلى المحال التجارية، فإن الأزمة لا تزال قائمة إذ تعاني الأسواق من شح في المواد الأساسية بما في ذلك النقد، ما يحد من قدرة السكان على تأمين احتياجاتهم اليومية.
وتوضح إحدى المواطنات أن إغلاق الطرق منذ شهرين حال دون إدخال الخضروات والسلع الأساسية قبل أن تصل كميات محدودة مؤخرا بالكاد تكفي لتسيير شؤون الناس.
ومنذ مارس/آذار الماضي، بدت شوارع رميش أكثر فراغا مع استمرار المواجهات التي أنهكت السكان وأفرغت رفوف المتاجر، فيما يحاول أصحاب المحال الصمود بما توفر لديهم، وسط مخاوف من نفاد الإمدادات بالكامل.
ويؤكد أحد أصحاب المتاجر أن استمرار الوضع الحالي دون تعزيز الإمدادات سيجعل الاستمرار مستحيلا، داعيا إلى تكثيف الجهود لإيصال البضائع قبل أن تصل البلدة إلى نقطة الانهيار.
وفي القطاع الصحي، تتضاعف الأزمة مع غياب المستشفيات، ما يجعل الصيدليات الملاذ الوحيد للمرضى رغم النقص الحاد في الأدوية، خصوصا تلك الخاصة بالأمراض المزمنة.
وتشير الصيدلانية جوزيان معوض إلى أن النواقص تطال معظم المستلزمات من حليب الأطفال إلى أدوية الضغط والحفاضات، مؤكدة أن كبار السن هم الأكثر تضررا نظرا لاعتمادهم على علاجات دقيقة لا يمكن تعويضها بسهولة.
اقتصاديا، لا تملك رميش سوى زراعة التبغ، الأمر الذي يحد من خيارات السكان في تأمين مصادر دخل بديلة في وقت تأتي فيه الحرب على ما تبقى من مقومات الصمود وتغلق أي أفق للاستقرار.
وفي خلفية هذا المشهد، تتراكم ذاكرة طويلة من الحروب التي شهدها جنوب لبنان، وهو ما يعمق مخاوف السكان من تكرار دورات العنف خاصة مع التصعيد المستمر وإعادة إسرائيل فرض سيطرتها على الشريط الحدودي.
ووسط هذه الظروف، يوجه أهالي رميش نداء إلى الدولة اللبنانية لعدم التخلي عنهم، مطالبين بتحرك عاجل ينقذهم من العزلة القاتلة ويعيد وصل ما انقطع بينهم وبين بقية البلاد، قبل أن تتحول البلدة إلى منطقة منسية بالكامل.
المصدر:
الجزيرة