آخر الأخبار

ذكاء اصطناعي يفبرك لائحة تنظيمه.. أين تقف أفريقيا من تنظيم هذه التكنولوجيا؟

شارك

لم يكن سحب مسودة السياسة الوطنية للذكاء الاصطناعي -التي كانت نشرتها الحكومية الجنوب أفريقية في الجريدة الرسمية، وكان يتوقع أن يستمر التشاور العمومي بشأنها حتى 10 يونيو/حزيران المقبل- حدثا عابرا أو خطوة إجرائية عادية، فالسبب الذي سُحبت هذه المسودة لأجله كان لافتا للانتباه.

فقد أعلن وزير الاتصالات والتكنولوجيا الرقمية في جنوب أفريقيا سولي ملاتسي -يوم 26 أبريل/نيسان الجاري- سحب "مسودة السياسة الوطنية للذكاء الاصطناعي"، بعد اكتشاف أنها تستند إلى مراجع أكاديمية مفبركة، يرجّح أنها ولدت بأدوات الذكاء الاصطناعي ذاتها التي كان يفترض بالوثيقة أن تنظم العمل بها!

وأقر ملاتسي -في بيان- بأن إدراج اقتباسات مولدة بالذكاء الاصطناعي دون تحقق بشري كاف يمثل خللا جوهريا في المنظومة، فيما اعتبرت رئيسة لجنة الاتصالات في البرلمان كوسيلا ديكو أن استمرار التشاور حول وثيقةٍ بهذا الشكل يضرب مصداقيتها من الأساس، وفق ما أوردته صحيفة "تايمز لايف".

غير أن القراءة الأبعد للحادثة تتجاوز الإحراج التقني الجنوب أفريقي إلى سؤال أعرض: أين تقف القارة الأفريقية فعليا من تنظيم تكنولوجيا تعيد تشكيل الاقتصادات والمجتمعات؟

مصدر الصورة وزير الاتصالات والتكنولوجيا الرقمية في جنوب أفريقيا سولي ملاتسي (رويترز)

طموح قاري بمسار متعثر

اعتمد المجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي في يوليو/تموز 2024 -خلال دورته الخامسة والأربعين- في أكرا الغانية "الإستراتيجية القارية للذكاء الاصطناعي"، وثيقة طموحة تستند إلى 15 مبدأ أخلاقيا مستلهما من فلسفة "أوبونتو" الأفريقية، وفق ما وضح موقع الاتحاد الأفريقي. وقد عزز هذا التوجه إعلان كيغالي في أبريل/نيسان 2025 الذي وقعت عليه 49 دولة.

بيد أن ورقة منشورة على موقع "ريسيرتش غيت" في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وضعت الإصبع على ما تسميه "مفارقة التنمية والحوكمة": فالأطر القارية الطموحة تتعايش مع قيود تنفيذية حادة، إذ تتركز 83% من تمويلات الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي خلال الربع الأول من 2025 في أربع دول فقط هي كينيا ونيجيريا وجنوب أفريقيا ومصر، وفق بيانات أوردها الاتحاد الأفريقي ذاته. كما تخصص أغلب الحكومات الأفريقية أقل من 0.1% من ناتجها المحلي الإجمالي للقطاع الرقمي كله، في وقت تتجاوز فيه نسبة الديون إلى الناتج المحلي 60% في أغلب دول جنوب الصحراء.

نموذجان متنافسان في الأفق

في المقابل، رسخ الاتحاد الأوروبي نموذجا تنظيميا "أفقيا" قائما على تصنيف أنظمة الذكاء الاصطناعي وفق درجة المخاطر، إذ تحظر تطبيقات بعينها كتقييم اجتماعي، وتخضع التطبيقات "العالية الخطورة" لاشتراطات صارمة قبل طرحها في السوق الأوروبية. وقد دخلت الأحكام الأكثر تشددا حيز التنفيذ تدريجيا منذ فبراير/شباط 2025، على أن تستكمل في أغسطس/آب 2026، وفق ما رصدته وحدة "إيه آي ووتش" التابعة لمكتب المحاماة الدولي "وايت آند كيس".

إعلان

أما الصين، فقد اعتمدت مقاربة "عمودية" تتوزع على قطاعات وأنواع تطبيقات: لوائح خوارزميات التوصية (2022)، ولوائح "التركيب العميق"، وأحكام "الذكاء الاصطناعي التوليدي" (2023). وفي سبتمبر/أيلول 2025، فرضت بكين وضع علامة "صنع بالذكاء الاصطناعي" على كل المحتوى المولّد، وفق ما توثقه ورقة بحثية صادرة عن جامعة فريي في أمستردام.

كما رصدت دراسة منشورة في مجلة "روايال سوسايتي أوبن ساينس" اللندنية في فبراير/شباط الماضي، الفجوة الواسعة بين الأنشطة التنفيذية الأوروبية الموثقة وغياب توثيق مماثل للإنفاذ الصيني.

لماذا تتعثر أفريقيا؟

تكشف حادثة جنوب أفريقيا، باعتبارها واحدة من أكثر الدول الأفريقية تقدما في صياغة سياسات تكنولوجية، عن ثلاث عقبات بنيوية أمام بناء إطار قاري متماسك:


* أولا: ضعف القدرات داخل الإدارات الحكومية نفسها. فقد دعا الوزير ملاتسي -بحسب صحيفة "آي أو إل" المحلية- إلى "إشراف بشري يقظ" على استخدامات الذكاء الاصطناعي، في تصريح يبدو أنه يعود ليدين الجهة التي أطلقته.
* ثانيا: انعدام التمويل المستدام. إذ تلاحظ الورقة المنشورة على موقع "ريسيرتش غيت" أن احتياجات القارة في هذا القطاع تُقدر بـ500 مليار دولار، في حين تبقى تعبئة القطاع الخاص أقل بكثير من المطلوب، مما يفسر اعتماد الإستراتيجية القارية على شركاء خارجيين كاليونسكو والبنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي، وفق ما يكشفه موقع اليونسكو الرسمي.
* ثالثا: التشتت بين النموذجين الأوروبي القائم على الحقوق والصيني القائم على ضبط الدولة، دون أن تنجح القارة بعد في بلورة موقع وسط يعكس خصوصيتها التنموية والثقافية، رغم محاولة فلسفة أوبونتو تقديم هذا الإطار القيمي.

ويبقى التحدي الأكبر، وفق التحليل المنشور على منصة مركز "فيوتشر برايفسي فوروم" للدراسات، هو الانتقال من "المرحلة الأولى" (2025-2026) المخصصة لإنشاء الهياكل وصياغة الإستراتيجيات الوطنية، إلى مرحلة التنفيذ الفعلي المقررة لعام 2028. وما لم تُسد الفجوة بين الطموح المعلن والقدرة الإدارية والمالية الفعلية، فقد تجد القارة نفسها في موقع "متلقٍّ للقواعد" بدل أن تكون شريكا في صياغتها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا