في بداية شهر إبريل الجاري، وبعد ان أقر الكنيست الإسرائيلي قانونا يسمح بإعدام المدانين الفلسطينيين بقتل اسرائيليين، خرجت تظاهرات غاضبة في شوارع دمشق، هتفت لنصرة غزة و”القضية الفلسطينية”، وهاجم متظاهرون مبنى سفارة الإمارات في دمشق، وأنزلوا العلم الإماراتي واستبدلوه بالعلم الفلسطيني. في تلك التظاهرات، ردد المتظاهرون أيضا هتاف “علّمنا صدام حسين، نموت وتحيا فلسطين”.
ترافق هذا الأمر مع إعلان مجموعة ملثمة الجهاد ضد إسرائيل من منطقة درعا في الجنوب السوري، ليتبين لاحقا بأن أفرادها هم من الجماعات التي هاجمت دروز السويداء في يوليو الماضي.
قبل ذلك بشهور، ظهر فيديو لفصائل من الجيش السوري تهتف أثناء عرض عسكري رسمي “ يا غزة احنا معاكي للموت“. ثم تكرر الأمر مع قوات حكومية تابعة للشرع هتفت “خيبر خيبر يا يهود” بعد السيطرة على حي الشيخ مقصود والأشرفية، في حلب.
وتبدو كل هذه الأحداث متناقضة مع المسار الذي تنتهجه السلطة الجديدة في سوريا بقيادة الرئيس أحمد الشرع منذ إسقاط نظام بشار الأسد، وذهابها إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وتحالف قوي مع الولايات المتحدة، بالتزامن مع محاولات إظهار بعض الانفتاح الاجتماعي، التي قوبلت باعتراضات من إسلاميين في السلطة وجمهور واسع على المسار الحالي في البلاد.
يشرح الباحث السوري المتخصص في الجماعات الإسلامية، حسام جزماتي، لـ”الحرة”، أن هذا الاعتراض الإسلامي ظهر في انتقاد القوانين والسلوكيات التي لا تتماشى مع الصبغة الإسلامية، وآخرها كان في الاحتفال الرياضي في افتتاح ملعب لكرة السلة، مع تضمنه فقرة رقص وغناء، أثارت استياء شريحة واسعة من جمهور الشرع، واعتُبرت من قبل هؤلاء “خادشة للحياء”. هذا مثال عن التباين بين القيادة والقاعدة الشعبية، وقد انسحبت بالطبع إلى السياسة، وخصوصاً في موضوع غزة والصراع مع إسرائيل.
يشرح جزماتي ان هذا “الانفصام التنظيمي”، يظهر كلما اقتربنا من قيادة الهرم، فنجد تفاهماً أكبر على “الخطوط السياسية” الجديدة تحت ذريعة “التمكين” والضرورات الاستراتيجية. وكلما نزلنا إلى المستويات القيادية المتوسطة أو القواعد الشعبية، تزداد التساؤلات والاعتراضات، حيث يرى هؤلاء أن التحولات الأخيرة تُفرغ المشروع من محتواه العقائدي والفكري.
يلاحظ جزماتي في المشهد أيضا غياب الجماعات الإسلامية التقليدية، بالمعنى المنظم، مثل الإخوان المسلمين، وهؤلاء أقفل الشرع في وجههم الباب ولم تتح لهم أي فرصة للبروز.
أيمن عبد الله، مدير منصة “فريق إخباري مستقل”، والمتابع عن كثب للجماعات المحيطة بنظام أحمد الشرع، يقول لـ”الحرة” إن “هذه التناقضات هي في الواقع نتاج طبيعي لتاريخ هذه الجماعات وعلاقتها مع الشرع”.
كانت التظاهرات التي حدثت، بحسب عبد الله، “منظمة بشكل غير مباشر من الهيئة السياسية التابعة لوزير الخارجية أسعد الشيباني”. لكنها خرجت عن السيطرة نتيجة التناقضات بين هذه الجماعات، فراح الناس يهتفون لغزة، وآخرون لصدام حسين، وبعضهم هاجم سفارة الإمارات.
يفسّر جزماتي هذا الاندفاع لدى الناس، بأن الأرضية الأوسع لدى العرب السنّة لا تزال “حماسية” تجاه القضية الفلسطينية و”تمزج بين العروبة، الإسلام، والنخوة”. وهذه الروح، هي التي دفعت الناس للتظاهر ومهاجمة سفارة الإمارات ردا على أخبار تتعلق بالتعاون مع إسرائيل.
تجد سلطة الشرع نفسها بين نارين، على حد تعبير عبد الله، فمن جهة تريد الحفاظ على الخطاب المعادي لإسرائيل كي لا تخسر التأييد الشعبي، ومن جهة ثانية، تريد أن تُظهر لأميركا وإسرائيل أنها لا تسمح بأي نشاط عسكري ضد إسرائيل من جنوب سوريا.
وقد تكرر حديث إسرائيل عن اكتشاف خلايا منظمة في الجنوب السوري مرتبطة بحزب الله، أو جهات فلسطينية، أو حتى “الجماعة الإسلامية” في لبنان. ولكن يبقى السؤال عن مدى جدية هذه الشبكات وقدرتها على الصمود أمام التوغل الإسرائيلي المستمر، بحسب جزماتي.
لكن ما بدا لافتا في الفترة السابقة، هو قيام السلطة الحالية باعتماد “سياسة ممنهجة”، كما يسميها جزماتي، للتضييق على الفلسطينيين واعتقالهم، خصوصا المرتبطين بما يسمى “محور المقاومة”. وقد أفادت “مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا” عن حملة اعتقالات طالت في منتصف إبريل الحالي، نحو 40 لاجئا فلسطينيا في دمشق ومحيطها، من دون صدور توضيحات رسمية حول أسباب الاعتقالات، وجرى الإفراج عن بعض هؤلاء لاحقا.
يذكر جزماتي قيام حكومة الشرع باعتقال قيادي سابق في هيئة تحرير الشام، يدعى “الزبير الغزي” منذ أبريل 2025، بسبب نشاطه في جمع التبرعات لغزة، ولم يطلق سراحه حتى اليوم. وطال التضييق والاعتقالات أيضا، بحسب جزماتي، بقايا التنظيمات الفلسطينية مثل حماس والجهاد الإسلامي، لمنع أي تصعيد انطلاقا من الأراضي السورية، والسلطة تحاول جاهدة منع أي حراك شعبي قد يخرج عن السيطرة تحت شعار “مقاومة إسرائيل”.
لكن هذا الاضطراب في علاقة السلطة السورية الجديدة مع الجماعات الإسلامية التي تشكّل أغلبية ساحقة من جمهورها، قد يفتح الباب أمام جماعات إسلامية متشددة للنفوذ منه، كما حدث مع “سرايا أنصار السنة” التي نفذت عمليات قبل شهو، قبل أن “يتم القضاء عليها”، كما يشرح جزماتي، الذي يحذر من أن تنظيم داعش “يمثّل رأس الحربة في تخوين القيادات الحالية واتهامها بالعمالة، مستندا إلى هذه التحولات”.
تحاول داعش أن تنفذ من هذه التناقضات، يتابع عبد الله، و”تحاول استمالة المتشددين من الإسلاميين ذوي الأصوات الأعلى في انتقاد تصرفات الشرع، لكن حتى الآن فشلت في ذلك، لأن غالبية الإسلاميين في سوريا لا يزالون يرون في مشروع الشرع الأنجح على علاته، فيما مشروع داعش يعني دمار البلد”.
هل يؤدي هذا التباين في الرؤى والآراء إلى حصول انقسام بين الإسلاميين المؤيدين للشرع؟
يرى عبد الله أنه ما زال من المبكر الحديث عن انقسام سياسي داخل تركيبة النظام، لأن “لا تزال الأغلبية منتشية بالنصر الذي أتى به الشرع، ولا يزال هؤلاء مقتنعين أن الحفاظ على النصر يتطلب الإبقاء على الولاء للشرع في هذه الفترة”.
ويستبعد جزماتي أن تكون السلطة الحالية راضية أو مسهلة لما شهدناه خصوصاً في التظاهرات، “بل هو تعبير عن رأي عام شعبي لا يمكن ضبطه بالكامل، كونه يتغلغل حتى داخل أجهزة المنظومة نفسها”.
المصدر:
الحرة