تُعد الكابلات البحرية العمود الفقري للاقتصاد الرقمي العالمي، حيث تنقل ما يقرب من 99% من حركة بيانات الإنترنت في العالم.
وفي منطقة مضيق هرمز ، التي تُعتبر بالفعل نقطة اختناق حيوية لشحنات النفط العالمية، تكتسب هذه الكابلات أهمية مضاعفة كونها تربط دولاً من الهند وجنوب شرق آسيا بأوروبا عبر دول الخليج ومصر.
وحذرت إيران مؤخرًا من أن هذه الكابلات تشكل نقطة ضعف للاقتصاد الرقمي في المنطقة، مما أثار مخاوف بشأن احتمال تعرض هذه البنية التحتية الحيوية لهجمات بحسب ما نشرت صحيفة جيروزاليم بوست.
أشارت وكالة تسنيم للأنباء، المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني ، إلى أن تركيز العديد من كابلات الإنترنت في ممر مائي ضيق يجعل مضيق هرمز نقطة ضعف حرجة للاقتصاد الرقمي الإقليمي. ووفقًا للتقرير، فإن الأضرار المتزامنة لعدة كابلات رئيسية – سواء كانت عرضية أو متعمدة – يمكن أن تؤدي إلى انقطاعات شديدة في جميع أنحاء الخليج.
وفق تقرير رويترز، فإن الأضرار المتزامنة لعدة كابلات رئيسية يمكن أن تؤدي إلى انقطاعات شديدة في جميع أنحاء الخليج.صورة من: David Oller/Europa Press/abaca/picture allianceوذكرت الوكالة كابلات مثل فالكون، وAAE-1، وTGN-Gulf، وSEA-ME-WE كأمثلة للكابلات التي تمر عبر المضيق وتربط مراكز البيانات الرئيسية في الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، وفق صحيفة جيروزاليم بوست.
تأتي هذه التحذيرات في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، مما يثير مخاوف من أن البنية التحتية الرقمية قد تصبح جبهة جديدة في الصراع.
وقد شهد البحر الأحمر بالفعل حوادث سابقة لانقطاع الكابلات ، مثل حادثة سفينة هاجمها الحوثيون انجرفت وقطعت الكابلات بمرساتها وعلى الرغم من أن إيران لم تشن أي هجوم مباشر على الكابلات حتى الآن، فإن التحذيرات الإيرانية تثير تساؤلات حول الآثار الأوسع لحماية البيانات والاتصالات.
تدرك الدول الأوروبية الأهمية الحيوية للكابلات البحرية لأمنها الاقتصادي والوطني. وفي هذا السياق، اعتمد الاتحاد الأوروبي استراتيجية "فريق أوروبا" (Team Europe) في مارس 2026، والتي تتعامل مع الكابلات البحرية كأصول أوروبية حيوية، على غرار شبكات الطاقة والبنية التحتية الفضائية.
اعتمد الاتحاد الأوروبي استراتيجية "فريق أوروبا" (Team Europe) في مارس 2026، والتي تتعامل مع الكابلات البحرية كأصول أوروبية حيويةصورة من: Johannes Eisele/AFP/Getty Imagesوتهدف هذه الاستراتيجية إلى توحيد الجهود الأوروبية لحماية الشرايين الرقمية للقارة من خلال التعبئة الموحدة للجنة الأوروبية، وبنك الاستثمار الأوروبي، ووكالات ائتمان الصادرات الوطنية، وفق تقرير نشره موقع "ساب مارين نتووركس".
الجدير بالذكر أن الاتحاد الأوروبي خصص 347 مليون يورو لمشاريع الكابلات الاستراتيجية كجزء من حزمة أكبر تبلغ 533 مليون يورو ضمن مرفق ربط أوروبا (2024-2027)، كما تم دمج الكابلات البحرية كركيزة أساسية في استراتيجية البوابة العالمية (Global Gateway)، التي خصصت 306 مليارات يورو لبناء "ممرات رقمية موثوقة" مع شركاء مثل الولايات المتحدة واليابان وجزر المحيط الهادئ.
ويتضمن "صندوق أدوات أمن الكابلات" الأوروبي تدابير استراتيجية وتقنية، تشمل التدابير الاستراتيجية زيادة التكرار في مسارات الكابلات ومواقع الإنزال، وتعزيز القدرة على صيانة الكابلات، وتقليل الاعتماد على الموردين من خارج الاتحاد الأوروبي، وتشجيع التصنيع والتخزين داخل الاتحاد الأوروبي، وتطبيق أطر تنظيمية قوية مثل توجيهات NIS 2 وCER.
أما التدابير التقنية فتشمل تعزيز الكابلات (دفن أعمق، تدريع)، وأنظمة الاستشعار والمراقبة (كابلات SMART)، ومرونة المحطات الأرضية، وتطوير القوى العاملة، وفق تقرير موقع "ساب مارين نتووركس" .
تعتبر الولايات المتحدة الكابلات البحرية بنية تحتية حيوية للأمن القومي والاقتصاد العالمي. وقد أعربت الحكومة الأمريكية عن قلقها المتزايد بشأن التهديدات التي تواجه هذه الكابلات، خاصة في المناطق ذات التوترات الجيوسياسية مثل الشرق الأوسط.
وتؤكد الولايات المتحدة على أهمية التعاون الدولي لحماية هذه الشبكات الحيوية، وتعمل مع شركائها لضمان أمنها ومرونتها، بحسب مصادر أمريكية رسمية .
ويُظهر الاهتمام الأمريكي بالكابلات البحرية من خلال مبادرات مثل "قانون الكابلات البحرية الاستراتيجية" (Strategic Subsea Cables Act) الذي قدمه مشرعون أمريكيون في أبريل 2026، والذي يهدف إلى تعزيز أمن البنية التحتية للكابلات، بحسب شبكة "ساب سي كيبلز" .
وتؤكد التقارير الأمريكية على أن الصراع مع إيران قد كشف عن تهديدات حادة جديدة للبنية التحتية التكنولوجية، مع تعرض مراكز البيانات في البحرين والإمارات لهجمات بطائرات إيرانية مسيرة، وفق ما نشر مركز أبحاث ستيمسون للدراسات الأمنية.
وعلى الرغم من أن الكابلات البحرية نجت حتى الآن من الأضرار المباشرة في الصراعات الأخيرة، إلا أن هناك خطرًا غير مباشر يتمثل في اصطدام مراسي السفن المتضررة بالكابلات عن غير قصد.
ويؤكد الخبراء الأمريكيون أن إصلاح الكابلات المتضررة في مناطق الصراعات يمثل تحديًا كبيرًا، ليس فقط بسبب الصعوبات اللوجستية والمالية، ولكن أيضًا بسبب الحاجة إلى تصاريح الدخول إلى المياه الإقليمية، والتي قد تستغرق وقتًا طويلاً.
على الرغم من الأضرار المحتملة للكابلات البحرية، يتفق الخبراء على أن أنظمة الأقمار الصناعية ليست بديلاً عمليًا بالكامل. فالأقمار الصناعية لا تستطيع التعامل مع نفس حجم حركة البيانات التي تعالجها الكابلات، وتكلفتها أعلى بكثير، بحسب تقرير رويترز.
كما أن شبكات المدار الأرضي المنخفض مثل ستارلينك تُعتبر "حلاً محدودًا لا يمكن توسيع نطاقه في الوقت الحالي ليشمل ملايين المستخدمين". وهذا يؤكد على أن الكابلات البحرية ستظل البنية التحتية الأساسية لنقل البيانات العالمية في المستقبل المنظور.
تحرير: حسن زنيند
المصدر:
DW