آخر الأخبار

غزة.. حرب لم تتوقف لكن تغيّرت أشكالها وأهدافها

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لم يتوقف نزيف الدم الفلسطيني في قطاع غزة رغم مرور أكثر من نصف عام على إعلان وقف إطلاق النار، فما زال الجيش الإسرائيلي يقصف القطاع بطائراته ومدافعه بوتيرة شبه يومية، مع توسيعه المستمر لما يسميه " الخط الأصفر"، في حين يرزح الغزيون تحت وطأة أزمات إنسانية ومعيشية خانقة، مما يدلل على أن الحرب لم تتوقف بل تغيّرت أشكالها وأهدافها.

ومنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ يوم 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، قتلت إسرائيل 811 فلسطينيا في غزة وأصابت 2278، وفقا لبيانات وزارة الصحة في القطاع.

وكان مفترَضا أن يشهد القطاع بموجب الاتفاق -المستند إلى خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب– انفراجة على الصعيد الإنساني والمعيشي، ولكنَّ إسرائيل تواصل التلكؤ والمماطلة في تنفيذ التزاماتها التي نص عليها الاتفاق، في حين يرى فلسطينيون أنها تمارس سياسة ممنهجة في "هندسة الحصار" لا رفعه.

الحصار وهندسة الجوع

وعن السياسات الإسرائيلية المطبَّقة في غزة، قال وكيل وزارة الاقتصاد في القطاع حسن أبو ريالة إن إسرائيل تستخدم الحصار أداة لتعذيب سكان غزة، وتتحكم تماما في تفاصيل الحياة، مما يخلق واقعا اقتصاديا مشوها يسهم في تعميق الأزمات الإنسانية المتراكمة.

وأوضح أبو ريالة لوكالة الأناضول أن إسرائيل تعمد إلى تكريس الاحتكار عبر حصر الإدخال المقيّد للسلع بعدد محدود من التجار، مما أفرز حالة من الارتفاع الفاحش لأسعار كثير من البضائع نتيجة ندرة العرض مقابل زيادة الطلب.

وأضاف "ليس لدينا -كسلطات محلية- سيطرة على آليات إدخال السلع والبضائع، ونحن مضطرون للتعامل مع هذا الواقع الصعب في ظل التحكم الإسرائيلي الكامل".

وأشار إلى أن السياسة الإسرائيلية أدت إلى هشاشة في المخزون السلعي من المواد الغذائية والأساسية، مبيّنا أن إغلاق المعابر يوما واحدا يتسبب في ارتفاع مباشر للأسعار.

إعلان

وبحسب أبو ريالة، فإن البروتوكول الإنساني المرفق باتفاق وقف إطلاق النار نص على إدخال 600 شاحنة يوميا ما بين مساعدات ومواد تجارية، موضحا أن ما تسمح إسرائيل بإدخاله لا يتجاوز نصف هذا العدد في أفضل الأحوال.

وفي السياق، قال المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إن إسرائيل مستمرة في الإخلال بالتزاماتها الإنسانية، وعدم إدخال الاحتياجات الأساسية من مواد الإيواء والمستلزمات الطبية والمعدات الثقيلة والوقود، إلى جانب تعطيل إعادة تشغيل البنية التحتية الحيوية.

وأضاف المكتب في بيان، الخميس الماضي، أن إسرائيل لم تلتزم بفتح معبر رفح بشكل كامل، ولم تسمح بإدخال الخيام والبيوت المتنقلة، ولا بإدخال المعدات اللازمة لإزالة الأنقاض، كما لم تضمن وصول المساعدات بأمان وانتظام.

مصدر الصورة تعاني غزة هشاشة في المخزون السلعي من المواد الغذائية والأساسية (الأناضول)

تقويض الاستقرار

أما على الأرض، فقد كثف الجيش الإسرائيلي استهدافه لأفراد الشرطة في غزة، إذ أقر أخيرا بقتل 6 منهم، زاعما "تورطهم في التخطيط لهجمات وشيكة"، دون تقديم دليل على تخطيطهم لأي هجوم.

ومع ذلك، يرى محللون فلسطينيون أن الضربات المستهدفة هي جزء من إستراتيجية أوسع للحفاظ على حالة الحرب وتقويض الاتفاق الذي توسطت فيه الولايات المتحدة.

وقال المحلل السياسي أحمد الطناني إن إسرائيل تستهدف قوات الشرطة للقضاء على أي إمكانية لاستعادة الاستقرار ودفع القطاع نحو الفوضى الداخلية.

وأضاف الطناني للجزيرة أن إسرائيل "تريد جعل البيئة غير صالحة للعيش، مما يجبر السكان على السعي للنزوح، وهو ما يخدم الهدف الإستراتيجي لهذه الحرب".

وبالتزامن مع ذلك، يسرّع الجيش الإسرائيلي من وتيرة تحركاته غربي غزة، موسّعا ما يسميه "الخط الأصفر" الذي يحدد المناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية.

وأشار الطناني إلى أن إسرائيل أضافت 37 كيلومترا إلى المناطق الخاضعة لسيطرتها، مما يعني أنها تسيطر الآن على نحو 60% من إجمالي مساحة القطاع، وهو ما أدى إلى تقسيم الأراضي وتقييد حرية الحركة بشكل حاد.

ويمتد الخط على طول قطاع غزة بعمق يتراوح بين كيلومترين و7 كيلومترات، مصنفا تلك المساحة بمناطق خطرة خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي، ورغم كونه خطا افتراضيا في الأصل، فقد ثبَّت الجيش الإسرائيلي كتلا أسمنتية صفراء كبيرة لتحديده ميدانيا، مُحوّلا إياه إلى حزام واضح يمثل نطاق تمركز قواته ضمن المرحلة الأولى من الاتفاق.

ورغم أن الاتفاق نص في مرحلته الثانية على الانسحاب الإسرائيلي الكامل خارج قطاع غزة، فإن تل أبيب ضربت بالاتفاق عرض الحائط، مؤكدة أنها لا تنوي الانسحاب شرق "الخط الأصفر" في غزة، بل وسّعت احتلالها لأراضٍ جديدة في القطاع.

مصدر الصورة إسرائيل تسيطر على نحو 60% من قطاع غزة (أسوشيتد برس)

لجنة تكنوقراط مُعلَّقة

يتزامن التصعيد العسكري وتضييق الخناق على دخول المساعدات مع الشلل الفعلي للجنة الوطنية لإدارة غزة التي أُسست بموجب "مجلس السلام" التابع للرئيس الأمريكي دونالد ترمب.

وبينما صوَّرت واشنطن اللجنة المكونة من 12 عضوا بأنها خارطة طريق "لإعادة الإعمار والازدهار"، يرى المحلل السياسي إياد القَرّا أن اللجنة قد "أُفرغت من دورها" وعزلتها إسرائيل في القاهرة لمنعها من العمل على الأرض.

إعلان

وكانت صحيفة هآرتس الإسرائيلية قد ذكرت، في وقت سابق، أن إسرائيل ترفض السماح لأعضاء لجنة التكنوقراط الفلسطينية بدخول قطاع غزة.

وأوضح القرّا للجزيرة أنه "من الصعب فصل عمل اللجنة عن تقديم الخدمات للمواطنين، ومن الصعب فصل خدمة المواطنين عن الجهاز الأمني ووجود الاحتلال"، مضيفا أن الانتقال الحقيقي يتطلب انسحابا إسرائيليا من المناطق التي تسيطر عليها، وهو ما لم يحدث.

ويرى الأكاديمي والخبير في الشؤون الإسرائيلية مهند مصطفى أن إسرائيل تمنع عمدا دخول لجنة التكنوقراط الفلسطينية إلى غزة للحيلولة دون عودة أي حياة سياسية أو مدنية إلى القطاع، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن المتمثل في الاحتلال العسكري غير المحدود.

ومع منع إسرائيل دخول اللجنة الوطنية إلى قطاع غزة، تواصل المليشيات المسلحة المتعاونة مع الجيش الإسرائيلي شن هجماتها على المناطق السكنية الملاصقة لما يُسمى "الخط الأصفر"، وتتخذ من 5 مناطق على امتداد المناطق الشرقية للقطاع مقرات لتمركزها بحماية الجيش.

ويرى مدير مركز الدراسات السياسية رامي خريس أن التحركات الأخيرة للمليشيات المسلحة أصبحت عنصرا مركزيا في إستراتيجية الاحتلال للتحكم الداخلي، إذ تُوظَّف لتنفيذ عمليات اغتيال وجمع معلومات وخلق حالة من عدم الاستقرار النفسي والاجتماعي.

وأوضح خريس، في تصريح سابق للجزيرة نت، أنه يمكن النظر إلى الخط الأصفر بوصفه منطقة وسيطة بين السيطرة العسكرية الإسرائيلية المباشرة وأنماط السيطرة غير المباشرة القائمة على إدارة المجال الأمني عن بُعد، وذلك من خلال:


* استخدام الغطاء الناري أو الجوي بصورة غير مباشرة لتهيئة بيئات تشغيل محددة.
* توظيف مجموعات محلية بدرجات متفاوتة في مهام الرصد أو التنفيذ.
* اختبار أنماط سيطرة أمنية دون الحاجة إلى احتلال مادي دائم للأرض. مصدر الصورة إسرائيل ترفض السماح لأعضاء لجنة التكنوقراط الفلسطينية بدخول قطاع غزة (الفرنسية)

نزع السلاح والمظلة الأمريكية

تربط إسرائيل دخول المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بنزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية ( حماس)، وهو ما يرى الباحث المختص بالشأن الإسرائيلي عادل شديد أنه لا ينطلق من اعتبارات أمنية بحتة، بل من هدف سياسي إسرائيلي أوسع، يتمثل في تفريغ قطاع غزة من السلاح الخفيف لخلق حالة من الفوضى الداخلية.

وخلص شديد، في حوار سابق مع الجزيرة، إلى أن "المرحلة الثانية تزعج إسرائيل لأنها تحمل أبعادا سياسية تتجاوز المقاربة الأمنية والإنسانية التي اعتادت فرضها على قطاع غزة، وتشمل الانسحاب وفتح المعابر والشروع في الإعمار، مما يفسر المماطلة الإسرائيلية".

وقالت حماس إنها لن تنزع سلاحها حتى تتوقف القوات الإسرائيلية عن احتلال الأراضي الفلسطينية.

وأشار المحلل القرّا إلى أن إسرائيل نجحت في استخدام خطاب السلام الشامل لترمب غطاء لمواصلة عملياتها العسكرية مع المطالبة بـ"نزع السلاح"، وهو شرط وصفه بأنه "ذريعة غامضة وغير واقعية".

ومع استمرار التوغل الإسرائيلي جغرافيا وتقلص مساحة الأمل إنسانيا، يبدو أن قطاع غزة لم يخرج فعليا من أتون الحرب، بل دخل في طور جديد من "الصراع المستدام" الذي تُستخدم فيه لقمة العيش وتفاصيل الإدارة المدنية أدوات للضغط السياسي.

فبين وعود "مجلس السلام" بتأسيس عهد من الازدهار، وواقع الأرض الذي يشي بضم عسكري مُقنَّع وشلل إداري متعمد، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام "سيادة ناقصة" وهدنة هشة تُنتهك يوميا.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا