يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نفسه اليوم في وضع صعب على عكس ما توحي به تصريحاته بخصوص "صفقة قريبة" أو "تقدم كبير" في الملف الإيراني، وفقا لمحللين.
فالحرب التي خاضها تحت عنوان منع إيران من امتلاك سلاح نووي لم تُغلق بعد أبواب كلفتها السياسية والاقتصادية في الداخل الأمريكي، فيما أخذت الصحافة الأمريكية -من مواقع وتقاليد مختلفة- توسع دائرة النقد لأسلوب الرئيس في إدارة مرحلة الهدنة والمفاوضات.
المأزق واضح، ويتمثل في أن الرئيس الأمريكي لا يواجه فقط تشددا إيرانيا وتعقيدا في الملفات، بل يواجه أيضا آثار أسلوبه هو في التفاوض، من التهديد المتكرر إلى الإعلان المبكر عن اختراقات لم تثبت بعد
ويكتسب هذا النقد وزنه من أن المزاج الأمريكي نفسه لا يبدو مطمئنا إلى هذا المسار: فاستطلاع حديث أجرته رويترز/إبسوس أظهر أن نسبة التأييد لترمب تقف عند 36%، وأن 26% فقط يوافقون على تعامله مع الحرب وملف الأسعار، بينما رأى 25% فقط أن الضربات على إيران جعلت الولايات المتحدة أكثر أمانا.
كما أن الحرب فجرت اعتراضات من بعض الأصوات المحافظة القريبة منه، في مؤشر إلى أن التململ لم يعد محصورا بخصومه التقليديين.
ومن هذه التقارير يبرز مأزق واضح، يتمثل في أن الرئيس الأمريكي لا يواجه فقط تشددا إيرانيا وتعقيدا في الملفات، بل يواجه أيضا آثار أسلوبه هو في التفاوض، من التهديد المتكرر إلى الإعلان المبكر عن اختراقات لم تثبت بعد.
وفي تقرير لصحيفة نيويورك تايمز، كتب ديفيد سانغر أن ترمب يتعامل مع التفاوض مع إيران بمنطق "الدبلوماسية القسرية"، أي الضغط السريع وانتظار استجابة عاجلة من الطرف الآخر.
وفي المقابل، تنقل الصحيفة عن روبرت مالي، الذي شارك في مفاوضات الاتفاق النووي عام 2015، أن القيادة الإيرانية "تلعب اللعبة الطويلة"، وتتعامل مع التفاوض بصبر أكبر وتمسك أشد بالتفاصيل.
وتقول الصحيفة إن هذا الفارق في الأسلوب يفسر جزءا من التعثر الحالي، ولا سيما في ظل رغبة ترمب في تحقيق نتيجة سريعة قابلة للتسويق سياسيا.
وتذكّر نيويورك تايمز أيضا بأن مفاوضات 2015 استغرقت وقتا طويلا، وشاركت فيها وفود موسعة وخبرات فنية دقيقة، وأن الاتفاق نفسه جاء في نص طويل وملاحق تقنية معقدة.
أما فريق ترمب الحالي، كما تكتب الصحيفة، فيظهر أخف عددا وأقل اعتمادا على هذا النوع من الخبرات. ومن هنا تبرز المقارنة التي تلاحقه: فهو يتحدث عن اتفاق "أفضل" من اتفاق 2015، لكنه يتعامل مع الملف بأدوات أقل عمقا ومسار أقصر زمنا.
الصحافة الأمريكية ترسم صورة رئيس يربك مفاوضاته بنفسه، بقدر ما يحاول الضغط على خصمه
أما واشنطن بوست، فتقول إن التصريحات المتضاربة الصادرة عن ترمب وإدارته باتت مشكلة بحد ذاتها في إدارة التفاوض.
وتورد الصحيفة مثالا واضحا على ذلك فيما يتعلق بمشاركة جيه دي فانس نائب الرئيس في جولة إسلام آباد، إذ قال ترمب إنه لن يذهب، بينما كان كبار مسؤولي الإدارة يؤكدون مشاركته، قبل أن يتدخل البيت الأبيض لتصحيح الأمر.
وتضيف الصحيفة أن هذا الارتباك لم يقتصر على مسألة سفر فانس، بل شمل قضايا أكبر، منها مدى التقدم في المفاوضات، ووضع مضيق هرمز، ومصير اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب.
وتقول واشنطن بوست إن ترمب قدم روايات متبدلة، وإن مساعديه اضطروا أكثر من مرة إلى توضيح ما قصده أو تصحيح ما قاله. وبهذا المعنى، فإن التناقض في الرسائل لم يعد مجرد تفصيل إعلامي، بل صار جزءا من صورة الإدارة نفسها في هذه المرحلة.
ومن زاوية محافظة أكثر حدّة، يذهب إليوت كوفمان، عضو هيئة تحرير وول ستريت جورنال، إلى أن إيران أحسنت استثمار هذا الاضطراب الأمريكي، وأن ترمب منحها، مرتين على الأقل، فرصة الظهور بمظهر من يراوغ من موقع أقوى.
ويرى كوفمان أن الرئيس الأمريكي أعلن أكثر من مرة أن المضيق فُتح أو أن الأزمة في طريقها إلى الحل، لكن الوقائع لم تثبت ذلك. كما يكتب أن طهران استمرت في ربط ملف هرمز بمطالب أخرى، من بينها الضغوط البحرية الأمريكية وجبهات إقليمية موازية.
ويكشف المقال أيضا جانبا من المأزق الذي تتحدث عنه صحف أخرى: إعلان التقدم قبل تثبيته، والحديث عن اختراق قبل استكمال شروطه، ثم العودة إلى التهديد حين يتبين أن الوقائع لم تتحرك بالسرعة نفسها.
صحيفة هيل: حرب إيران لم تعد عبئا خارجيا فقط، بل صارت كلفة سياسية متزايدة على ترمب في الداخل
وفي صحيفة هيل، يكتب الصحفي الأمريكي نيال ستانيج أن الحرب على إيران لم تعد ملفا خارجيا فقط، بل تحولت إلى عبء سياسي متزايد على ترمب في الداخل.
ويشير إلى أن الرئيس وحلفاءه يواصلون الحديث عن نجاح كبير، لكن هذا الخطاب يواجه معطيات أصعب، منها ارتفاع أسعار الطاقة، واتساع القلق الاقتصادي، وتراجع التأييد الشعبي لطريقة إدارة الحرب.
كما يورد العمود نتائج استطلاع أجرته "إن بي سي" أظهرت أن نسبة كبيرة من الأمريكيين لا توافق على طريقة تعامل ترمب مع الحرب.
ويضيف ستانيج أن المشكلة لا تقف عند الرأي العام الواسع، بل تمتد أيضا إلى بعض الأوساط المحافظة التي اعتادت الدفاع عن ترمب، لكنها أبدت اعتراضا على الحرب أو على كلفتها.
وبهذا، يصبح الملف الإيراني اختبارا للرئيس على جبهتين معا: في الخارج حيث يتعثر التفاوض، وفي الداخل حيث ترتفع كلفة الحرب سياسيا واقتصاديا.
وتلتقي هذه القراءات عند صورة واحدة، تتجسد في أن ترمب لا يبدو عاجزا عن التهديد، لكنه يفشل في تحويل التهديد إلى مسار تفاوضي مستقر. ولا يبدو معدوما من أوراق الضغط، لكنه يتعامل معها أحيانا كما لو أن رفعها إعلاميا يكفي ليجعلها نافذة سياسيا.
ولهذا، فإن مأزق ترمب مع إيران لا يُختزل في أن طهران تراوغ -بحسب المحللين- بل في أنه يحاول إنهاء واحدة من أعقد أزمات الشرق الأوسط بالمنطق نفسه الذي يتعامل به مع ساحة داخلية أو صفقة عقارية، ضغط مرتفع، وزمن قصير، وصورة نصر تسبق شروطها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة