آخر الأخبار

"التحول العادل".. كيف تفادت ألمانيا انهيارا اجتماعيا بعد الثورة الصناعية؟

شارك

كانت تلقب بـ"حوض الفحم" حين مثلت أحد المراكز العالمية لـ"الماس الأسود" إبان الثورة الصناعية، ومع انتقال العالم إلى طور جديد من الثورة التكنولوجية تحولت منطقة الرور غرب ألمانيا إلى تجربة فريدة أدارت بها ليس فقط التحول الاقتصادي وإنما ما صاحبها من تحول اجتماعي جعلها تتفادى أزمة إنسانية كبيرة.

في ذروة الصناعة خلال الخمسينيات، كان قطاع الفحم خاصة في ولاية شمال الراين-وستفاليا (غرب ألمانيا) يوظف مئات الآلاف؛ إذ بلغ عدد العمال نحو 479 ألف عامل عام 1955، قبل أن يبدأ الانخفاض الحاد نتيجة المنافسة مع النفط والغاز الأرخص.

وعلى مستوى أوسع، تشير تقديرات إلى أن الصناعة كانت تشغل أكثر من 600 ألف شخص في ألمانيا، مما يعكس حجم الاعتماد عليها. لكن بحلول عام 2018، لم يتبق سوى نحو 3 آلاف عامل مع إغلاق آخر المناجم.

هذا التراجع لم يكن مفاجئا، بل تم التعامل معه عبر إستراتيجية طويلة الأمد بدأت منذ أواخر الخمسينيات. وأدرك صانعو القرار أن الإغلاق السريع سيؤدي إلى صدمة اجتماعية خطيرة، ربما تصل إلى بطالة جماعية بمئات الآلاف. لذلك اختير نهج "التحول التدريجي"، حيث جرى تقليص الصناعة على مدى 6 عقود تقريبا.

مصدر الصورة معلم فني معماري يقع ضمن منطقة الرور الصناعية شيّد على تلة صناعية كانت موقعا لمخلفات التعدين (الجزيرة)

الضمان الاجتماعي

إحدى أهم أدوات هذا التحول كان الضمان الاجتماعي القوي، عبر مؤسسات مثل نظام تأمين عمال المناجم، الذي أتاح التقاعد المبكر لآلاف العمال وتعويضات مالية مستقرة ورعاية صحية مستمرة.

أدى هذا النهج إلى تخفيف الصدمة الاجتماعية؛ فبدل فقدان الوظائف فجأة، خرج كثير من العمال من سوق العمل تدريجيا، خاصة من عملوا في المناجم تحت الأرض، حيث كان التقاعد المبكر خيارا شائعا لأسباب صحية واقتصادية.

اقتصاديا، لم يكن الهدف فقط تقليص الخسائر، بل إعادة بناء الاقتصاد؛ فبين عامي 1960 و2001، فقدت المنطقة نحو 839 ألف وظيفة صناعية، لكنها في المقابل كسبت حوالي 801 ألف وظيفة في قطاع الخدمات.

إعلان

كما انخفضت وظائف الصلب بنسبة تصل إلى 80% في الفترة نفسها، بينما توسعت قطاعات جديدة مثل التعليم، والتكنولوجيا والخدمات.

مصدر الصورة منحوتة "تلميذ الساحر" عبارة عن عمود كهرباء راقص كرمز فني صناعي في أوبرهاوزين في منطقة الرور الألمانية (الجزيرة)

الحكومة تدعم البدائل

سياسيا، دعمت الحكومة هذا التحول عبر برامج إستراتيجية مثل تطوير البنية التحتية وإنشاء الجامعات، مما أسهم في تحويل المنطقة إلى مركز معرفي. واليوم، تُعد الرور مثالا على الانتقال من اقتصاد أحادي يعتمد على الموارد إلى اقتصاد متنوع.

ورغم النجاح النسبي، لم تكن العملية خالية من التحديات؛ إذ ظلت معدلات البطالة في بعض المدن أعلى من المتوسط الوطني، حيث تجاوزت في بعض الفترات 9% مقارنة بنحو 5% على مستوى ألمانيا.

ومع ذلك، فإن تجنب الانهيار الاجتماعي يعد إنجازا كبيرا مقارنة بتجارب دول أخرى شهدت تدهورا حادا بعد إغلاق الصناعات الثقيلة.

مصدر الصورة خزان غاز حولته ألمانيا إلى متحف فني (الجزيرة)

وقدمت تجربة الرور نموذجا عالميا لما يُعرف اليوم بـ"التحول العادل"، حيث تم التوفيق بين الكفاءة الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي والكرامة الإنسانية للعمال.

لقد أثبتت هذه التجربة أن إدارة الأزمات الصناعية لا تتعلق فقط بالأرقام، بل بالناس أيضا، وأن النجاح الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بين الاثنين.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا