في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بعد ستة أشهر على إعلان وقف إطلاق النار في قطاع غزة، يبدو المشهد معقدا، فلم تعد ثمة حرب شاملة كما في السابق، لكن لم يتمخض عن الهدنة سلام حقيقي على الأرض، وبين هذا وذاك، يتشكل واقع هشّ تتداخل فيه الاعتبارات العسكرية مع الانهيار الإنساني والانسداد السياسي، كما ترى عدة صحف فرنسية.
ففي تقرير لها ترصد صحيفة لوموند صورة قاتمة لواقع الهدنة، مؤكدة أنها لم تصمد فعليا، وتستند إلى وقائع يومية من العنف، حيث سقط مئات القتلى منذ بدء سريان الاتفاق. وتنقل عن مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان قوله إن "النمط المتواصل من عمليات القتل يعكس استخفافا مستمرا بحياة الفلسطينيين"، في إشارة إلى استمرار استهداف المدنيين قرب ما يُعرف بـ" الخط الأصفر".
وتبرز الكاتبة بالصحيفة ماري جو سادر أن الجيش الإسرائيلي لم ينسحب، كما تنص المرحلة الثانية من خطة السلام المرتبطة بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بل عزز سيطرته على نحو 60% من القطاع، مع بناء قواعد عسكرية وبنية تحتية قد تشير إلى نية تثبيت واقع دائم.
وفي هذا السياق، تنقل الصحيفة عن شهود قولهم إن التنقل بحد ذاته أصبح نشاطا قاتلا، في ظل إطلاق النار المتكرر على المدنيين.
سياسيا، تؤكد سادر أن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود، خصوصا بشأن نزع سلاح حركة حماس، التي ترى في ذلك "استسلاما دون ضمانات"، وتضيف أن غياب إدارة مدنية بديلة وتأخر تنفيذ الترتيبات الانتقالية يعمّقان حالة الجمود، في وقت تواصل فيه القيود المفروضة على المساعدات الإنسانية تقويض أي تحسن ملموس في الأوضاع.
من زاوية مختلفة، تنقل صحيفة لوتون، عبر تقرير للصحفية ناغام زبيدات (عن "هآرتس")، صورة أكثر قسوة للحياة اليومية، مركّزة على الانهيار الصحي. وتصف الأزمة بأنها تجاوزت حدود الطوارئ، مستشهدة ببيان لوزارة الصحة في غزة جاء فيه:
"الأزمة الصحية تجاوزت التعريفات التقليدية للطوارئ وبلغت مستوى كارثيا".
وتوثّق زبيدات انتشارا واسعا للأمراض في بيئة ملوثة، حيث تتكدس النفايات وتنتشر القوارض والحشرات داخل مخيمات النزوح. كما تنقل عن أحد الأطباء قوله: " النظام الصحي أصبح على حافة الانهيار الكامل"، مشيرا إلى نقص حاد في الأدوية والمعدات، دفع الأطباء أحيانا لإجراء عمليات جراحية بوسائل بدائية أو دون تخدير كافٍ.
وتلفت الصحيفة إلى أن القيود الإسرائيلية على إدخال المواد المصنفة ثنائية الاستخدام تعرقل وصول معدات طبية أساسية، مما يفاقم الأزمة. كما تؤكد شهادات السكان أن "الأمراض في كل مكان"، وأن الحياة في المخيمات، حيث يعيش أكثر من مليون نازح، أصبحت بيئة خصبة لتفشي العدوى، في ظل غياب البنية التحتية الأساسية.
أما لونوفيل أوبس، فتقدّم مقاربة مختلفة عبر مقال للصحفي ديميتري كرييه، تستند إلى قراءة تاريخية أوسع، فبدل التركيز على تفاصيل اللحظة الراهنة، يعيد المقال جذور الأزمة إلى مسار طويل بدأ منذ نكبة عام 1948، حين هُجّر نحو 800 ألف فلسطيني.
لومير: فلسطين كان يراد لها أن تُنسى، وأن تُطمس، وأن تُدفن، لكنها رغم ذلك لا تزال موجودة
ويستعرض تطور الحركة الوطنية الفلسطينية، من صعود الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات إلى بروز حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وصولا إلى تعثر اتفاقيات أوسلو، ويخلص المقال إلى أن ما يحدث اليوم هو امتداد لتراكمات تاريخية، وليس مجرد أزمة طارئة، مستشهدا بقول المؤرخ الفرنسي فنسان لومير:
"فلسطين كان يراد لها أن تُنسى، وأن تُطمس، وأن تُدفن، لكنها رغم ذلك لا تزال موجودة".
وتعكس هذه المقاربة رؤية تعتبر أن تكرار دورات العنف مرتبط بفشل الحلول السياسية، وصعود التيارات المتشددة لدى الطرفين، مما يجعل أي هدنة عرضة للانهيار.
ويظهر من التغطيات الثلاث، رغم اختلاف زواياها، أن ثمة واقعا واحدا متعدد الأبعاد، فوفق لوموند الهدنة لم توقف العنف، ووفق لوتان الكارثة الإنسانية تتفاقم يوما بعد يوم، فيما ترى لونوفيل أوبس أن جذور الأزمة أعمق من أن تعالج باتفاقات مرحلية.
وبين هذا كله، تبقى غزة عالقة في منطقة رمادية، فلا حرب تنتهي، ولا سلام يبدأ، بل واقع يعيد إنتاج نفسه، حيث تتقدم المعاناة الإنسانية على أي أفق سياسي محتمل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة