اعتبر البروفيسور روبرت بيب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو والكاتب على منصة سابستاك، أن قدرة إيران على الصمود في مواجهة الولايات المتحدة ليست مستبعدة، رغم الفارق الكبير في القدرات العسكرية، مستشهدا بتجارب تاريخية هُزمت فيها قوى كبرى أمام خصوم أضعف.
وأوضح بيب، في تصريحات لقناة "الجزيرة مباشر"، أن التشكيك في قدرة إيران على الصمود يتجاهل دروسا سابقة، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة خسرت في حرب فيتنام رغم تفوقها العسكري، كما لم تتمكن، إلى جانب إسرائيل، من تحقيق نصر حاسم على حركة طالبان في أفغانستان، رغم الفارق الكبير في الإمكانات.
وأضاف أن إيران تمتلك مقومات قوة مهمة، من بينها تعداد سكاني كبير وقدرات تعبئة عسكرية واسعة، فضلا عن احتفاظها بنسبة تتراوح بين 40 و50% من ترسانتها الصاروخية والطائرات المسيرة، وفق تقديرات البنتاغون، إلى جانب قدرات بحرية تشمل آلاف الألغام التي تمكنها من تعطيل الملاحة في مضيق هرمز لفترات طويلة.
وفي تقييم لمآلات الصراع، أشار بيب إلى أن نتائج الحرب ستحدد مستقبل الدور الإقليمي لإيران، موضحا أن استمرار سيطرتها على مضيق هرمز قد يمنحها عوائد مالية ضخمة تقدر بمئات المليارات، ما قد يعزز مكانتها لتصبح قوة دولية مؤثرة خلال سنوات قليلة.
وأضاف أن هذا السيناريو قد يدفع إيران إلى الاقتراب من امتلاك قدرات نووية خلال فترة زمنية قصيرة، معتبرا أن بقاء المضيق تحت سيطرتها قد يجعلها مرشحة لتكون القوة الرابعة عالميا، بحسب تقديره.
وحذر روبرت بيب من أن المنطقة تقف على أعتاب مرحلة تصعيد خطير، مع تزايد المؤشرات على احتمال انهيار المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، رغم التفاؤل الذي أبداه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حيال جولة المحادثات المرتقبة في إسلام آباد.
وأوضح أن ما وصفه بـ"فخ التصعيد" بدأ قبل أسابيع، عندما تحولت حملة عسكرية محدودة كان يُفترض أن تستمر أياما قليلة إلى صراع ممتد بلا أفق واضح.
وأشار إلى أن وقف إطلاق النار الحالي يقترب من نهايته، محذرا من أن الأيام القليلة المقبلة قد تشهد استئناف الضربات العسكرية، ليس فقط داخل إيران، بل ربما تمتد إلى دول خليجية، في ظل غياب مؤشرات حقيقية على التهدئة.
وأكد أن كل المؤشرات الفعلية تتجه نحو التصعيد، معتبرا أن الأمل في العودة إلى مسار السلام خلال الساعات المقبلة لا يستند إلى معطيات واقعية حتى الآن.
ورأى بيب أن تعثر المفاوضات يعود إلى فجوة عميقة بين مطالب الطرفين، موضحا أن طهران كانت قد وافقت مبدئيا على خطة تفاوضية، لكن التراجع الأمريكي عن بعض الخطوات – بحسب وصفه – مثل استمرار الحصار العسكري، أدى إلى انهيار الثقة.
وأضاف أن التوتر تصاعد مجددا بعد تبادل خطوات متناقضة بشأن مضيق هرمز، ما أعاد الأزمة إلى نقطة الصفر.
وأكد بيب أن جوهر الأزمة يكمن في سعي واشنطن إلى ما وصفه بـ"استسلام كامل" من إيران، يشمل التخلي عن اليورانيوم المخصب والتنازل عن السيطرة على مضيق هرمز، وهو ما اعتبره مطلبا غير واقعي.
وأوضح أن هذا الطرح يخلق "معادلة صفرية" لا تتيح حلولا وسط، ما يعقد فرص التوصل إلى اتفاق.
وحذر بيب من أن استمرار الأزمة، خصوصا مع إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة، قد يؤدي إلى تراجع حاد في اقتصادات دول الخليج، مشيرا إلى احتمال انخفاض الناتج المحلي في بعض الدول بنسبة تتراوح بين 20 و30%.
وأضاف أن قطاع السياحة، الذي يمثل جزءا مهما من اقتصادات المنطقة، بدأ بالفعل في التراجع، ما ينذر بانتقال الأزمة من مرحلة التعطيل إلى الانكماش الاقتصادي.
وفي ما يتعلق بالموقف الأمريكي، اعتبر بيب أن ترامب يواجه ضغوطا داخلية تجعله أقل استعدادا للتراجع، مشيرا إلى أن رفض الهزيمة السياسية قد يدفعه إلى الاستمرار في التصعيد رغم كلفته.
ولفت إلى أن التجارب التاريخية تظهر أن القادة في مثل هذه الظروف يميلون إلى تصعيد الأزمات بدلا من احتوائها.
وحذر بيب من أن المرحلة المقبلة قد تشهد تطورات أكثر خطورة، بما في ذلك احتمال تنفيذ عمليات عسكرية أوسع، وربما حتى عمليات برية داخل إيران إذا فشلت الضغوط الحالية.
واعتبر أن الصراع تحول من مواجهة قصيرة إلى حرب طويلة، قد تكون كلفتها أعلى على الولايات المتحدة وحلفائها مقارنة بإيران.
وفي سياق متصل، أشار بيب إلى أن إسرائيل، رغم قدراتها العسكرية، لا تملك -بحسب تقديره- الإمكانيات اللازمة للسيطرة على مضيق هرمز، ما يحد من قدرتها على تغيير موازين الصراع في هذا الملف تحديدا.
وأكد أن الأيام المقبلة ستكون خطيرة وحاسمة، في ظل تصاعد المؤشرات على المواجهة، محذرا من أن أي خطوة إضافية في مسار التصعيد قد تدفع المنطقة إلى مرحلة أكثر اضطرابا، يصعب احتواؤها في المدى القريب.
المصدر:
الجزيرة