تكشف الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران عن طبيعة الانكشاف البنيوي الذي تعاني منه القارة الأفريقية أمام الصدمات الدولية، حيث لم تقتصر تداعياتها على المجال الإقليمي المباشر، بل امتدت إلى أفريقيا عبر قنوات اقتصادية وسياسية وأمنية متعددة.
وفي هذا السياق، لم تكن مواقف الدول الأفريقية من الحرب موحّدة أو عشوائية، بل تشكّلت في ضوء مجموعة من المحددات المتداخلة التي تعكس مصالح هذه الدول، وطبيعة ارتباطها بالنظام الدولي، وخبراتها السابقة مع الأزمات العالمية. ومن ثم، يمكن فهم هذه المواقف من خلال تحليل أبرز هذه المحددات التي حكمت سلوك الدول الأفريقية في التعاطي مع الحرب.
وهو ما أكدت عليه دراسة (تقدير موقف) صدرت عن مركز الزيتونة للدراسات في بيروت أعدها محمود عبده سالم، وحملت عنوان " آثار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران على قارة أفريقيا"
تنطلق الدراسة من أن التأثير الأكثر مباشرة للحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران تمثّل في اضطراب أسواق الطاقة العالمية، وهو ما انعكس بصورة حادة على القارة الأفريقية.
فقد أدى الارتفاع الكبير في أسعار النفط إلى خلق واقع اقتصادي مزدوج؛ إذ استفادت الدول الأفريقية المصدّرة للطاقة من زيادة مؤقتة في الإيرادات، بينما تكبّدت الدول المستوردة – وهي الأغلبية – أعباءً اقتصادية ثقيلة.
وقد تجلّت هذه الأعباء في ارتفاع تكاليف النقل، وزيادة أسعار السلع الأساسية، وتصاعد معدلات التضخم، فضلًا عن تراجع قيمة العملات المحلية نتيجة الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي.
كما زادت التوترات في الممرات البحرية الحيوية، مثل البحر الأحمر ومضيق باب المندب، من تعقيد سلاسل التوريد العالمية، ما دفع شركات الشحن إلى البحث عن مسارات بديلة أكثر تكلفة، الأمر الذي عمّق من الضغوط الاقتصادية على الاقتصادات الأفريقية الهشة أصلًا.
ولا يمكن فصل هذه التطورات عن السياق الأوسع الذي تعيشه القارة، حيث لا تزال معظم الدول الأفريقية تعاني من تداعيات أزمات متتالية، بدءًا من جائحة كوفيد-19، مرورًا بالحرب الروسية – الأوكرانية، وصولًا إلى أزمة الديون العالمية، وهو ما يجعل أي صدمة جديدة – كالحرب على إيران – ذات تأثير مضاعف.
تُظهر الدراسة أن المواقف الأفريقية لم تكن موحّدة، بل تشكّلت وفق شبكة معقّدة من العلاقات السياسية والاقتصادية مع أطراف الصراع.
فقد سعت الولايات المتحدة إلى تعزيز حضورها في القارة عبر اتفاقيات ومبادرات اقتصادية، في حين عملت إسرائيل على توسيع نفوذها من خلال التعاون التنموي والتقني، بينما برزت دول الخليج كشريك استثماري رئيسي في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة.
في المقابل، حافظت إيران على حضورها في بعض الدول الأفريقية عبر علاقات دبلوماسية وعسكرية واقتصادية، ساعية إلى كسر عزلتها الدولية وبناء شراكات بديلة. هذا التداخل في المصالح جعل الدول الأفريقية تتعامل مع الحرب بحذر شديد، تجنبًا للإضرار بعلاقاتها مع أي من الأطراف.
كما لعبت الخبرة الأفريقية المتراكمة من الحرب الروسية – الأوكرانية دورًا مهمًا في تشكيل هذه المواقف؛ إذ لا تزال آثار تلك الحرب ماثلة في ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، وتفاقم الضغوط الاقتصادية، وهو ما عزّز من ميل الدول الأفريقية إلى تبني مواقف حذرة تقوم على تجنب الانخراط المباشر في الصراع.
تُبرز الدراسة أن التأثيرات الاقتصادية للحرب كانت الأكثر وضوحًا وعمقًا، حيث اضطرت العديد من الدول الأفريقية إلى اتخاذ إجراءات تقشفية، مثل رفع أسعار الوقود، وترشيد استهلاك الطاقة، في محاولة لاحتواء تداعيات الأزمة. كما شهدت العملات الأفريقية تراجعًا ملحوظًا أمام الدولار، نتيجة هروب رؤوس الأموال نحو الملاذات الآمنة، وهو ما زاد من تكلفة الواردات وخدمة الديون الخارجية.
وامتدت هذه التأثيرات إلى قطاعات حيوية، مثل الطيران والسياحة، حيث أدت اضطرابات الملاحة الجوية والبحرية إلى خسائر كبيرة، سواء من خلال إلغاء الرحلات أو تراجع النشاط السياحي. كما تأثرت التجارة الإقليمية والدولية نتيجة تعطل سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل.
وعلى المستوى الأمني، تطرح الدراسة احتمالات امتداد الصراع إلى محيط القارة الأفريقية، خاصة في ظل التوترات في البحر الأحمر، وارتباط بعض الفاعلين غير الدوليين بإيران، مثل الحوثيين، وما قد يترتب على ذلك من تهديدات للممرات البحرية الحيوية. كما تشير إلى إمكانية تصاعد التوترات الداخلية في بعض الدول الأفريقية نتيجة التداخلات المذهبية أو ارتباط بعض الجماعات بشبكات إقليمية.
تعرض الدراسة سيناريوهين رئيسيين لمستقبل الحرب وانعكاساتهما على أفريقيا: الأول يتمثل في استمرار الحرب، وهو سيناريو يحمل تداعيات سلبية متفاقمة، من بينها تصاعد الضغوط الاقتصادية، واتساع نطاق التهديدات الأمنية، واحتمال امتداد الصراع إلى مناطق جديدة داخل القارة، خاصة في ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في توقف الحرب، وينقسم بدوره إلى احتمالين: بقاء النظام الإيراني، أو سقوطه. وترى الدراسة أن بقاء النظام الإيراني هو السيناريو الأكثر ترجيحًا، استنادًا إلى عدة عوامل، من بينها تعثر تحقيق الأهداف العسكرية الأمريكية – الإسرائيلية، وغياب استراتيجية واضحة، وتزايد الضغوط الداخلية في الولايات المتحدة، إضافة إلى غياب توافق دولي واسع داعم للحرب.
وفي هذا السياق، تشير الدراسة إلى أن بقاء النظام الإيراني قد يؤدي إلى تعزيز حضوره الإقليمي، بما في ذلك في أفريقيا، مستفيدًا من شبكة تحالفاته ومن أي تخفيف محتمل للعقوبات.
في المقابل، فإن سيناريو سقوط النظام، رغم ضعفه، قد يفتح المجال أمام إعادة تشكيل التوازنات في القارة لصالح قوى أخرى، مثل الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج وتركيا.
تخلص الدراسة إلى أن التأثر الإفريقي بالحرب على إيران لا يعكس فقط تداعيات ظرفية لصراع إقليمي، بل يكشف عن أزمة بنيوية أعمق تتعلق بهشاشة الاقتصادات الأفريقية واعتمادها الكبير على الخارج. فالقارة، التي تعاني من ضعف الإنتاج الصناعي والتكنولوجي، ومن اختلالات في ميزان التجارة، ومن ارتفاع مستويات الديون، تبقى عرضة بشكل دائم للصدمات الدولية.
ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في التعامل مع آثار هذه الحرب، بل في إعادة صياغة النموذج الاقتصادي الإفريقي على نحو يقلل من التبعية، ويعزز من الإنتاج المحلي، ويدعم التكامل الإقليمي، بما يمكّن القارة من امتصاص الصدمات المستقبلية بصورة أكثر كفاءة واستقلالًا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة