آخر الأخبار

كيف أثّرت الحرب على المساعدات الإنسانية المقدمة لأفغانستان؟

شارك

كابل- في خيمة مهترئة بأحد مخيمات النزوح على أطراف العاصمة الأفغانية، يجلس أحد النازحين وهو يتفقد ما تبقى لديه من موارد شحيحة لا تكفي لتأمين احتياجات أسرته لأيام قليلة، في وقت يعتمد فيه على المساعدات الإنسانية كمصدر شبه وحيد للبقاء. ويقول "لم تعد المساعدات كما كانت، أحيانا ننتظر طويلا ولا يأتي شيء".

هذه الصورة لم تعد حالة فردية في بلد يعيش على وقع هشاشة اقتصادية ومعيشية ممتدة منذ سنوات، بل باتت تعكس واقعا متصاعد التعقيد، في ظل تداخل عوامل داخلية مع تداعيات توترات إقليمية تتجاوز حدود أفغانستان، لكنها تنعكس بوضوح على الفئات الأكثر ضعفا داخل المجتمع.

من جانبها، تقول مريم حسين، وهي أم عادت من إيران بعد فقدان زوجها عمله هناك، إنها وجدت نفسها أمام واقع أكثر صعوبة داخل المخيم. وأوضحت "كنا نعيش على دخل بسيط هناك، أما هنا فلا عمل ولا مصدر رزق، نعتمد على المساعدات التي لا تكفي لأيام"، مشيرة إلى أن أي تأخير في وصولها يعني مواجهة مباشرة مع نقص الغذاء.

مصدر الصورة مريم حسين أمام بقايا خبزٍ بسيط في صورة تعكس هشاشة الحياة اليومية للأسر العائدة من الخارج (الجزيرة)

تداعيات

وفي شهادة أخرى، يروي عبد القدوس عزيزي، وهو عائد حديثا من طهران، أنه اضطر للعودة بعد تراجع فرص العمل هناك، ليجد نفسه أمام واقع لم يكن يتوقعه. وقال "لم نتوقع أن تكون العودة بهذه الصعوبة، كنا نأمل بداية جديدة، لكننا وجدنا أنفسنا بلا شيء"، مضيفا أن أسرته تعيش اليوم بالكامل على المساعدات الإنسانية بعد فقدان مصدر الدخل، وأن أي انقطاع فيها يضعهم في وضع بالغ الصعوبة.

وبينما تتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، تنعكس تداعياتها بشكل متزايد على الداخل الأفغاني، لتأخذ شكل أزمة إنسانية تتعمق يوما بعد آخر، في بلد يعتمد فيه ملايين السكان على المساعدات الخارجية لتأمين احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والرعاية الصحية والخدمات الحيوية.

إعلان

وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن جهود الاستجابة الإنسانية في أفغانستان لا تزال مستمرة رغم التحديات المتزايدة، حيث بلغ تمويل البرامج الأساسية ضمن "الإطار الإستراتيجي للأمم المتحدة لأفغانستان 2023-2027" نحو 1.7 مليار دولار خلال العام الماضي، تم من خلالها تقديم خدمات أساسية وسبل عيش وجهود إعادة الإعمار في مختلف أنحاء البلاد.

ووفقا لها، تلقى أكثر من 34 مليون أفغاني خدمات صحية، وتم تسجيل أكثر من 4.6 ملايين طفل في التعليم العام بدعم أممي، إضافة إلى توفير نحو 45 ألف فرصة عمل مستدامة، أكثر من نصفها للنساء.

ومع ذلك، تؤكد الأمم المتحدة أن هذا الجهد يواجه ضغوطا متزايدة، في ظل تراجع التمويل الإنساني، وعودة أعداد كبيرة من المهاجرين، وتداعيات التغيرات المناخية، إلى جانب القيود التشغيلية التي تؤثر على قدرة المنظمات على الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجا.

مصدر الصورة أفغان يعيشون في خيام مهترئة على أطراف كابل ينتظرون مساعدات إنسانية لا تصل دائما (الجزيرة)

ضغوط متزايدة

وفي ظل هذا المشهد المعقد، يجد السكان أنفسهم أمام واقع متغير، حيث تسهم التوترات في زيادة الضغط على منظومة العمل الإنساني من خلال إعادة توجيه الموارد نحو أزمات أخرى، وارتفاع تكاليف النقل والإمداد، فضلا عن تحديات ميدانية تعيق وصول المساعدات إلى المناطق النائية ومخيمات النزوح.

وبحسب تقارير إنسانية، فإن التصعيد العسكري في المنطقة، خصوصا المرتبط بإيران، أدى إلى إرباك سلاسل الإمداد ورفع كلفة العمليات اللوجستية، ما انعكس بشكل مباشر على قدرة المنظمات على إيصال المساعدات إلى الدول التي تعتمد عليها بشكل كبير، من بينها أفغانستان. كما حذرت منظمات إغاثية من أن استمرار هذه الاضطرابات قد يؤدي إلى مزيد من التأخير والضغط على برامج الدعم الإنساني.

ومع اتساع رقعة التوترات، تتزايد المخاوف لدى العاملين في المجال الإنساني من أن استمرار حالة عدم الاستقرار الإقليمي قد يفاقم من صعوبة الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجا، خصوصا في المناطق النائية ومخيمات النزوح، حيث تعتمد آلاف الأسر على المساعدات الغذائية الشهرية كخيار شبه وحيد للبقاء، في ظل محدودية فرص العمل وارتفاع معدلات الفقر.

مصدر الصورة عمال إغاثة يواصلون إعداد الطعام للمتضررين وسط ضغط متزايد على المساعدات الإنسانية في أفغانستان (الجزيرة)

كما يأتي ذلك في وقت تشير فيه تقديرات إنسانية إلى أن أكثر من 24 مليون شخص داخل أفغانستان بحاجة إلى نوع من أنواع الدعم الإغاثي العاجل، ما يجعل البلاد واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، في حين تتسع الفجوة بين حجم الاحتياجات المتزايدة وإمكانات الاستجابة الفعلية، بسبب نقص التمويل وتراجع قدرة بعض الجهات المانحة على الالتزام ببرامج طويلة الأمد.

ولا يقتصر الأثر على الجانب الإغاثي فقط، بل يمتد إلى الحياة اليومية للأسر الفقيرة والنازحة التي تواجه صعوبة متزايدة في تأمين الغذاء والدواء، وسط ارتفاع الأسعار وضعف الدخل، ما يجعل أي تأخير أو تقليص في المساعدات عاملا مباشرا في زيادة مستويات الهشاشة الاجتماعية والمعيشية.

مصدر الصورة عمال إغاثة يوزعون وجبات غذائية على المحتاجين (الجزيرة)

عامل ضغط داخلي

وتشير تقديرات وتقارير إنسانية إلى أن تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران ساهم في تعميق الأزمة الإنسانية في المنطقة، من خلال تعطيل بعض سلاسل الإمداد ورفع مستويات عدم اليقين في الممرات الإنسانية، ما انعكس بشكل غير مباشر على تدفق المساعدات نحو أفغانستان.

إعلان

ويرى مراقبون أن اعتماد الاقتصاد الأفغاني شبه الكامل على الدعم الخارجي يجعل البلاد شديدة الحساسية لأي اضطراب إقليمي، حتى وإن لم تكن طرفا مباشرا فيه، ما يحول التوترات الخارجية إلى عامل ضغط داخلي مباشر على الأمن المعيشي للسكان.

كما تشير بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى التحديات المتزايدة التي تواجه النساء العائدات من دول الجوار، إذ لا تتمكن سوى نسبة محدودة منهن من الحصول على مصدر دخل. وقالت سوزان فرغسون، الممثلة الخاصة للهيئة في أفغانستان، للجزيرة نت، إن النساء العائدات يواجهن تحديات معقدة تشمل غياب الدخل وضعف الوصول إلى الخدمات وانعدام شبكات الدعم.

وأضافت أن كثيرا منهن يدخلن سوق العمل من نقطة الصفر، في ظل غياب برامج كافية لإعادة الإدماج الاقتصادي، محذرة من أن استمرار هذا الوضع دون تدخلات دعم إضافية قد يؤدي إلى اتساع رقعة الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية بين الأسر العائدة، خصوصا في ظل ارتفاع أعداد العائدين والضغط المتزايد على الخدمات المحدودة.

من جانبه، قال مسؤول في إحدى المنظمات الإنسانية الدولية إن العمل الإغاثي في أفغانستان أصبح أكثر تعقيدا خلال الفترة الأخيرة، بسبب ارتفاع التكاليف التشغيلية وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق. وأضاف أن بعض البرامج، خصوصا المساعدات الغذائية والنقدية، تم تقليصها أو تأجيلها نتيجة نقص التمويل، ما ينعكس مباشرة على الأسر الأكثر هشاشة، التي تعتمد على هذه المساعدات بشكل أساسي لتأمين احتياجاتها اليومية.

مصدر الصورة أسرة أفغانية عادت حديثا تقف أمام منزل متهالك غير صالح للسكن (الجزيرة)

إمكانيات محدودة

من ناحيته، ذكر عبد الفتاح جواد، رئيس مؤسسة الإحساس الخيرية، للجزيرة نت، أن الضغط على الأسر الفقيرة والنازحة يتزايد بشكل مستمر، في ظل اعتماد شريحة واسعة من السكان على المساعدات الإنسانية لتأمين احتياجاتهم الأساسية اليومية.

وأضاف أن نسبة هامة من العائلات لم تعد قادرة على تلبية احتياجاتها الأساسية بشكل منتظم، ما ينعكس بشكل مباشر على الأطفال والنساء داخل المخيمات والمناطق الأكثر هشاشة، مشيرا إلى أن هذا الوضع يتفاقم مع تزايد أعداد العائدين من الخارج والنازحين داخليا.

كما أوضح أن المؤسسات المحلية تعمل ضمن إمكانيات محدودة للغاية مقارنة بحجم الاحتياج المتسارع، وأن الطلب على المساعدات يفوق بكثير قدرة المنظمات المحلية على الاستجابة، في ظل محدودية التمويل وارتفاع كلفة العمليات الإنسانية. وحذر من أن استمرار الفجوة بين حجمي الاحتياج والاستجابة قد يؤدي إلى اتساع رقعة الهشاشة الاجتماعية داخل البلاد.

طوابير انتظار المساعدات الإنسانية تعكس اتساع الحاجة واعتماد الأسر في أفغانستان على الدعم الإغاثي (الجزيرة)

وبرأي خبير الشؤون الإنسانية خدايار صافي، فإن الأزمة الحالية لم تعد مرتبطة فقط بنقص الدعم الإغاثي، بل أصبحت انعكاسا لهشاشة البنية الاقتصادية والاجتماعية داخل البلاد. وقال للجزيرة نت إن أي تقليص في المساعدات ينعكس فورا على الأمن الغذائي للأسر الفقيرة، في وقت يضاعف فيه تزايد أعداد العائدين من الدول المجاورة، من الضغط على سوق العمل والخدمات الأساسية.

لم تعد المساعدات الإنسانية في أفغانستان مجرد استجابة لاحتياج داخلي، بل أصبحت رهينة لتقلبات الإقليم، حيث يمكن لأي تصعيد خارج الحدود أن يقرر، بشكل غير مباشر، ما إذا كانت آلاف الأسر ستجد ما تأكله في اليوم التالي أم لا.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران لبنان اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا